الصفات الإلهية هي الأوصاف التي يتصف بها الله عز وجل، وهي صفات كمال وجلال تليق بذاته سبحانه تعالى، ولا تشبه صفات المخلوقين، دراسة هذه الصفات تعكس جوهر العقيدة التي تثبت وحدانية الله وتنزه ذاته عن كل نقصان.
الصفات الإلهية هي الأوصاف التي يتصف بها الله عز وجل، وهي صفات كمال وجلال تليق بذاته سبحانه تعالى، ولا تشبه صفات المخلوقين، دراسة هذه الصفات تعكس جوهر العقيدة التي تثبت وحدانية الله وتنزه ذاته عن كل نقصان.
أولًا: هل يمكن معرفة ذات الله تعالى؟
وقد بدأت بهذا خاصة، لأنه يمكن أن يمثل الروح العامة لآراء المتكلمين في المسائل الإلهية، وما تتسم به من نزعة تنزيهيه.
فجمهور المتكلمين، وبينهم أكثر الأشاعرة، يؤكدون أن واجب الوجود مخالف بذاته وحقيقته لباقي الذوات، ولا مشاركة بينه وبينها في غير التسمية [الأبكار ١/٥٠ ب وانظر: ل٥٠أ، ٥١ب]، ويؤكدون أيضًا: "أن إطلاق اسم الوجود على الماهيات المتعددة ليس إلا بطريق الاشتراك في اللفظ لا غير" [غاية المرام انظر: ص ٢ ٣ق ث]، وأن الباري مخالف لسائر الذوات لذاته المخصوصة، وليس الاختلاف بالصفات مع تساوي الذوات، كما يذهب إليه بعض المتكلمين". [المآخذ ل ١٥ب].
ومن هذا يتبين أن إثبات الوجود - لذاته تعالى - لا يعني الإحاطة بحقيقته أو إدراك كنهه - تعالى - أو معرفة ذاته المخصوصة التي هي مخالفة لسائر الذوات، كما أن صفاته مخالفة لسائر الصفات، وأفعاله مخالفة لسائر الأفعال. [انظر: فخر الدين وآراؤه ص ٢٠١ -٢٠٣].
ويفصل الآمدي في هذا الخلاف الذي ظنه البعض حقيقية ويوضح لنا موقف الأشاعرة وأنه لا يعني أكثر من معرفة الذات بلوازمها وخواصها، لا بكنهها وجوهرها، فهذا ما لا سبيل إليه في هذه الدنيا على الأقل وسنجد أن هذا هو الاتجاه السائد لدى جميع المفكرين المسلمين.
وإنه لأمر ذو مغزى أن نجد لدى الباقلاني والجويني والغزالي نفيهم المعرفة بذات الله الخاصة مع أنهم من القائلين بعدم التفرقة بين الماهية والوجود، ونجد نفس الموقف عند الفارابي وابن سينا وهما لا يفرقان بين الماهية والوجود بالنسبة لواجب الوجود خاصة [المرجع السابق ص ٢٠٣ -٢٠٥]، كما أن الرازي نفسه - مع اختلاف رأيه بين التسوية والتفرقة بين الماهية والوجود- انتهي إلى القول بعدم إمكان معرفة ذاته الخاصة تعالى. [انظر: هامش ص ١٢٢ من القسم الثاني، وشرح العقائد العضدية ٦٤-٦٥].
وقد تبين لنا أن أكثر شيوخ الأشاعرة قالوا: بعدم إمكان معرفة الذات الخاصة وأن هذا هو رأي متقدمي الفلاسفة [انظر: مناهج الأدلة - المقدمة ص ٤٥]، وقد اختاره ابن رشد أيضًا متمسكًا بأنا لو عرفنا حقيقة الله أو حقيقة صفة من صفاته، كالعلم مثلًا، لما كنا بشرًا أو لكان الله نفسه مجرد إنسان أزلي [انظر: الكندي وفلسفته ٨٥، ٨٦]، ويبدو أن هذا هو رأي الكندي أيضًا [انظر: المحصل ص ١٣٦]، وقد نسبه الرازي في المحصل إلى (الحكماء) دون تفصيل [انظر: هامش ص١٢٢ من القسم الثاني ١٨٩ وما بعدها].
وهو رأي الصوفية أيضًا، وتمثله كلمة الجنيد التي رواها الغزالي في المقصد الأسنى: " والله ما عرف الله غير الله" [المقصد الأسنى ص٢٧]، وقد قرر الغزالي نفسه أن معرفة الله بالكنه طريق مسدود في وجوه البشر [الفتوحات المكية - نص أعطانيه الدكتور محمود قاسم]، وهذا هو رأي ابن عربي الذي يقول: "فإن العلم بالله محال، فلم يبق من العلم به إلا الجهل، وهذا علم العلماء بالله وما عدا هؤلاء من أصحاب النظر فكل واحد منهم يزعم أنه قد علم ربه فما منهم من يقول إن الله منعني العلم به، بل هو فارح مسرور بعقيدته، وإنه عند نفسه عالم بربه وكذلك هو؛ فذلك حظه من علمه بربه، فما في الوجود من العلم بالله لا الجاهل به ولا العالم" [انظر: ترجيح أساليب القرآن ص١٣٨]، ومثل هذا الرأي حُكِي عن المحاسبي [انظر: التعرف ص ٣٣، ٣٤]، ونسبه الكلاباذي إلى أكثر الصوفية) [ذكر ذلك ابن الوزير في ترجيح أساليب القرآن ص١٣٩]، وحكاه الرازي عن جمهور المحققين من الصوفية [انظر: شرح العضدية ص٨٥ ، ٨٦]، ونسبه الجلال الدواني - والشيخ محمد عبده أيضًا - إلى الصوفية مطلقًا دون تفصيل [ترجيح أساليب القرآن ص ١٢٩-١٤٠ وإيثار الحق ١٨٩-١٩٣].
أما عن السلف فقد حكى ابن الوزير اليماني هذا الرأي أيضًا عن علي - كرم الله وجهه - وأبي بكر الصديق رضي الله عنه دون خلاف من أهل الصدر الأول، [ترجيح أساليب ص ١٣٩]، ونسبه إلى العترة من أهل البيت وإلى الإمام الشافعي [الفصل ١٧٥/٢]، واختاره ابن حزم أيضًا، إذ يقول في الفصل: "فصح يقينًا أننا نعلم الله - عز وجل - حقًا ولا نحيط به علمًا".
ولعل في هذا دلالة على أن الاتجاه السائد لدى العلماء المسلمين من مختلف الطوائف إنما هو القول بالعجز عن إدراك كنه الذات الإلهية وحقيقتها.
أما ما ينسب إلى بعض المعتزلة - وحكاه ابن الوزير عن بعض معاصريه - من أن الله لا يعلم من ذاته غير ما نعلمه [ انظر: إيثار الحق ص١٩١]؛ فإنه لم ينسب إلى أحد شيوخهم، ولا إلى شخص معين منهم، فهو لا يمكن أن يعبرعن موقف المعتزلة الحريص دائمًا على تنزيهه تعالى، ولذا نجد ابن أبي الحديد ينكر الإحاطة بكنه الذات[انظر: مقالات الإسلامين ١/٣١٤] وضرارًا الذي اثبت لله ماهية يقول بأنها لا تدرك في الدنيا، وإنما يخلق الله للمؤمنين يوم القيامة حاسة سادسة يرون بها ماهيته [المقالات ١/٢٥٦]، بينما يحكي الأشعري في المقالات إجماع المعتزلة" على إنكار القول بالماهية... وقالوا: اعتقاد ذلك في الله - سبحانه - خطأ وباطل". [ترجيح أساليب.. ص ١٤٠].
وهكذا يحق لنا أن نقرر إجماع علماء المذاهب المعتبرة على عدم الإحاطة بكنه ذاته تعالى في هذه الدنيا، أما في الآخرة فالصواب قول ابن الوزير: "إنه لا حاجة بنا الآن إلى التطويل بالخوض في أحكام الآخرة" [نفس المرجع ص ١٣٨]، وأن الخلاف المروي في ذلك لا يعدو أن يكون خلافًا لفظيًا كما يرى الآمدي، وكما حكاه ابن الوزير عن بعض سابقيه: "إن الخلاف بين المسلمين في هذه الأشياء لفظي، ثم قال: وما هو ببعيد". [انظر: ترجيح أساليب، ص ١٣٨، والشامل، للجويني ١/١٣٧ وما بعده].
ثانيًا: هل للباري - تعا لي - أخص وصف به يتميز عن سائر المخلوقات؟
وهذا بحث آخر أثاره المتكلمون حول صفات الله، ويبدو أن المعتزلة هم الذين بدأوا بذلك [غاية المرام ل١٨أ، وقارن بالإرشاد ص٩١]، ثم تابعهم الأشعري وأصحابه في تناوله.
وقد حكى الآمدي عن المعتزلة ذهابهم إلى أن أخص وصف لله - تعالى - إنما هو القدم [انظر: المغني ٤/ ٢٥١ وشرح الأصول الخمسة ص ١٩٥-٢٠٠]، وهذا ما قرره عبد الجبار بن أحمد في "المغني" وغيره [انظر: الأبكار ٥١، أو قارن بنهاية الأقدام١٠٨، ١٠٩].
أما الأشاعرة فقد حكى اختلافهم في ذلك، حيث قال بعضهم بالقدم أيضًا؛ لأن ذاته - تعالى متميزة عن سائر الذوات بنفسها، وقال الاخرون: بل له أخص وصف يتميز به، لأن كل حقيقتين معقولتين فلا بد من تمايزهما بأخص وصفيهما، ولا بد أن يكون ذلك وصفًا إيجابيًا، إذ السلوب لا تكفي للتمييز بين الحقائق [نهاية الأقدام ص ٩١، والآية هي رقم ٩١ من سورة المؤمنون]، ومن هؤلاء الشيخ الأشعري نفسه الذي ذهب إلى أن أخص وصف الإله هو القدرة على الاختراع فلا يشاركه فيها غيره، أخذ ذلك من قوله سبحانه: {إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۭ بِمَا خلق} [المؤمنون: ٩١]، [الجويني في الإرشاد ص ٩١، والشامل١ / ١٣٧-١٤٤]، ومنهم الجويني إمام الحرمين، [انظر: المرجع السابق ومعارج القدس ١٥٧، والمقصد الأسنى ص ٢٤، ٢٧، ٢٨ وص ١٢٣ من غاية المرام] والغزالي، وإن كان كل منهما يري استحالة الإحاطة بهذا الوصف الأخص [انظر: فخر الدين الرازي وآراؤه ٢٠٦، ٢٠٨]، ويحسن أن ننبه هنا إلى أمرين هامين:
أولهما: أن هذا المبحث يؤكد الاتجاه التنزيهي لذات الله وصفاته لدى المتكلمين، فالكثيرون منهم لا يقولون بوصف أخص، أو يرون استحالة إدراكه على حقيقته، ومن عين الوصف الأخص منهم رده إلى معنى لا يحدد.
كنه الذات وهو القدم عند المعتزلة أي عدم أولية الوجود، أو القدرة على الاختراع عند الأشعري، وهو أمر يرجع إلى الفعل والتأثير، أو علاقة الله بمخلوقاته، لا يتصل بطبيعة ذاته وكنهها، ومن المتكلمين من يميل فيه إلى أكثر الاتجاهات الثلاث إيغالًا في التنزيه، وهو نفي هذا الأخص أصلًا واستحالة القول به ولو مع نفي إدراكه، لأن الله ذات لا يماثلها شيء من الذوات.
ثانيهما: أن لهذا البحث قيمة طيبة استغلالها في بيان اتجاه المدرستين الكبيرتين في علم الكلام، فيما يتعلق بالصفات الإلهية، وبالمباحث الكلامية الأخرى.
فنحن نجد أن الوصف الأخص الذي قال به المعتزلة يرجع إلى أمر سلبي يهدف إلى تنزيهه تعالى، ووصفه بالتفرد وعدم مشاركة المخلوق، بينما يرجع الوصف الأشعري إلى معنى إيجابي يؤكد جانب القدرة والفاعلية في صفات الخالق - عز وجل - ولا شك أن الاتجاه الاعتزال العام في الصفات، هو التأكيد على التنزيه، والاهتمام بصفات السلب، وإبراز جانب التفرد والوحدانية ولو على حساب غيرها من الصفات، بينما يتوفر الأشاعرة في ميدان الصفات على تأكيد صفات المعاني أو الصفات الإيجابية وإبراز جانب القدرة ولو على حساب بعض الجوانب الأخرى، فإذا انتقلنا إلى مسائل العالم والإنسان وجدنا المعتزلة يؤكدون مسائل الحكمة والعناية والسببية والحرية الإنسانية، ولو على حساب القدرة الإلهية، بينما تحظى صفة القدرة بكل اهتمام الأشاعرة، وإن مالوا قليلًا نحو الجبر، ونفوا الغرض في أفعاله تعالى، وقالوا بمفهومهم الخاص في العلية.
ثالثًا: الأسماء الحسنى وعلاقتها بالصفات:
اتفق أكثر المتكلمين على مجموعة من الصفات تمثل جوانب الكمال الإلهي، وقد أقاموا الأدلة العقلية والنقلية على ثبوتها لله تعالى، وإن تفاوتت آراؤهم في طبيعة هذه الصفات وعلاقتها بالذات، كما اختلفت كلمتهم في تعدادها أحيانًا كما سيأتي بعد قليل.
وهناك أسماء إلهية وردت في الكتاب والسنة، تعبر عن محامد وكمالات لله - تعالى - وقد تلقاها المفكرون بالقبول، فلاسفة كانوا أو متكلمين [انظر: إيثار الحق ١٦٨/١٩٦]، ولم يخرج على هذا الإجماع إلا "الإسماعيلية" الذين رفضوا وصفه تعالى بأي وصف، أو تسميته بأي اسم، وزعموا أن الله تعالى يمدح بنفي أسمائه وصفاته، وقد اعتبر ابن الوزير ذلك من أعظم مكائدهم للإسلام. [انظر: الأسماء والصفات، للبيهقي ص ٨، والمقصد الأسنى، للغزالي ص ١١٢-١١٤].
وهناك محاولات عدة للتفريق بين الاسم والصفة، لا تتميز لا بالحسم ولا بالدقة، ولكن يمكن أن نعتبرها مجموعة من الأمور التي توضح الأمر نوع إيضاح:
(أ) فالصفات هي تلك الأمور التي قام الدليل العقلي على اتصافه تعالى بها، والأسماء هي التي وردت في الخبر الصحيح كتابًا أو سنة، وهذا ما يمكن استخلاصه من كلام البيهقي، والغزالي بهذا الصدد [كالجبائي مثلًا - انظر: الفرق بين الفرق ص١٦٨]، وربما اتفق معهما أكثر المتكلمين عند هذا الحد، وإن هنالك استثناءات فبعض المعتزلة يرى إثبات الأسماء عن طريق العقل أيضًا ما لم تستلزم نقصًا. [الأبكار ١/٢٩٨أ].
(ب) إن الاسم يراد به في القصد الأول الذات والماهية لنفسها، أومن حيث اتصافها بصفة، بخلاف الصفة فيراد بها هذا المعنى القائم بالذات، أو الأمر المتعلق بها، وتدل على الذات تبعًا، ولعل هذا ما يراه الرازي والجويني قبله. [أنظر: المآخذ ٤٨ أ-٥٢أ].
(ج) أما ابن عربي فإنه يسوي بين الأسماء والصفات، ويقول بأنهما نسب للذات.
وواضح أن هناك علاقة ما بين الأسماء والصفات، إذ أن كل اسم أوكل مجموعة من الأسماء تدل على صفة من صفات الذات، إن لم تدل على الذات نفسها، فالصفات هي خلاصة للمعاني التي تدل عليها الأسماء -، ولكن على نحو مفصل، والمتكلمون في الغالب لا يولون عناية كافية للأسماء في بحوثهم الإلهية، ولكن الآمدي عنى بها ملحوظة.
وهو يعود بكل اسم من هذه الأسماء أو كل مجموعة منها إلى صفة من الصفات النفسية أو السلبية أو الفعلية، ويقول في تقسيمه لها: "إن الأسماء منها ماهي صفات نفسانية كالعلم والقدرة، ومنها ما هي صفات فعلية كالخالق والرازق، ومنها ماهي صفات سلبية كالغنى" [انظر: فخر الدين الرازي وآراؤه ٢٢٢]، وفي العبارة تجوز والمقصود: منها ما يرجع أو يدل على كذا وكذا، وهو يحاول بعد ذلك رد هذه الأسماء بالتفصيل إلى الصفات المختلفة.
رابعًا: أقسام الصفات وعددها:
يجري الأكثرون من متكلمي الأشاعرة [انظر: الأبكار ١/٢٩٨أ]، وغيرهم على تقسيم الصفات إلى:
(١) صفات ذاتية، وقد يسمونها الصفات النفسية، وقد تسمى أيضًا صفات المعاني أو الصفات الحقيقية، وهي تلك المعاني الإيجابية القديمة القائمة بالذات كالعلم والقدرة وسائر الصفات السبعة". [انظر: الموضع السابق ول١٢٢ أ من الأبكار وبحر الكلام ص ١٦].
(٢) وصفات فعلية وهي التي تدل على أمور خارجة عن ذاته - تعالى - تتصل بأفعاله وتصرفاته وعلاقته بمخلوقاته، ولهذا تسمى أحيانًا - الصفات الاضافية، وذلك كالخالق والرازق والمعطي والمانع ونحوها. [انظر: الأبكار ١/٢٩٨أ].
(٣) وصفات سلبية، وهي صفات لا تدل على أحد الأمرين السابقين، بل تدل على نفي النقص عنه تعالى، وذلك كالغنى والأول والآخر ونحوها. [المبين ل١٦ب].
(٤) وقد تطلق كلمة "الصفة الحالية" على ما قال به بعض المعتزلة من أمور إثباتيه لموجود، غير متصفة بالوجود ولا بالعدم [المبين ١٦ أ، ب]، مثل العالمية والقادرية كما سنبينه، وقد تسمى أحيانًا الصفة الحكمية أو الصفة المعللة.
(وأما الصفة الحكمية ويعبر عنها بالصفة المعللة، فما كانت في الحكم بها على الذات تفتقر إلى قيام صفة أخرى بالذات، ككون العالم عالمًا، والقادر قادرًا، وأما الصفة غير المعللة فلا يفتقر الحكم بها على الذات إلى قيام صفة أخرى بالذات كالعلم والقدرة ونحوهما، وقد يعبر عنها بالصفات النفسية) [انظر: نشأة الفكر د / النشار ١/ ٥٠٥]، وواضح أن الصفات الحكمية ليست إلا نتائج أو أحكامًا للصفات النفسية، وعليها يقتصر المعتزلة، أما الأشاعرة فيثبتون عللها أو أسبابها وهي الصفات النفسية، وقد سبق المعتزلة إلى التقسيم الثلاثي للصفات إلى ذاتية وفعلية وسلبية [انظر: مناهج الأدلة ص٣٨، ٤٢]، وتابعهم الأشاعرة على ذلك، وموافقوهم في القول بحدوث صفات الفعل، ويقال: إن التفرقة بين صفات الذات وصفات الفعل [انظر: نشأة الفكر ٢/٢٣٤، ٢٣٥]، ترجع إلى الإمام أبي حنيفة [الموافقة ١/١٨٩]، وقد قال بها أيضًا عبد الله بن كلاب [انظر: بحر الكلام ص١٥، ١٦ ومقدمة مناهج الأدلة ٥٠٥،٤٩ ونشأة الفكر ١/٢٣٥ ] ، أما الماتريدية فهم يقسمون الصفات إلى صفات ذات وصفات فعل، ولكنهم يؤكدون قدمها جميعًا وينتقدون الأشاعرة لقولهم بحدوث صفات الأفعال" [انظر: تسع رسائل لابن سينا ص ١٣٥ والأبكار ل ١/٥٤ أ ومناهج الأدلة - ٠ ٤ وحوار بين الفلاسفة والمتكلمين ص٢٩]، ويرى الفلاسفة أن الصفات إما سلوب وأعدام هدفها سلب النقائص عن الله، وإما إضافات ونسب إلى الذات، وهي كمالات تتصف بها الذات، لكنها لا تدل إلا على الذات نفسها مع اعتبارات ذهنية. [الأبكار ١/ ٥٣ب، ٥٤ أو انظر ص ٤٣ وما بعدها من القسم الثاني من غاية المرام].
أما تعداد الصفات النفسية الإيجابية، فالأشاعرة يتفقون فيما بينهم على إثبات الصفات السبع المعروفة: "مذهب أهل الحق من الأشعرية أن الواجب بذاته قادر بقدرة مريد بإرادة عالم بعلم متكلم بكلام سميع بسمع بصير ببصر حي بحياة، وهذه كلها صفات وجودية أزلية زائدة على ذات واجب الوجود" [قارن الأبكار ١/٩٩ أو ما بعدها وص ١١٠، وما بعدها من غاية المرام]، ويتضمن النص هذه الصفات تفصيلًا ، أما صفة (البقاء) [فخر الدين الرازي وآراؤه ٢٢٤ ويلاحظ أنه ينبه على قوله: في انحصارها في السبعة في كتب أخرى له]، فهي كالقدم عندهم لا تعني أكثر من استمرار الوجود فليست صفة إيجابية مستقلة.
وإن كان بعض الأشاعرة كالآمدي كان في (المآخذ) يتابع الإمام الرازي في (المطالب العالية) [المآخذ ل ٤٦ب] في تعداده الصفات الوجودية ثماني لاعتباره البقاء واحدة منها، دون أن ينبه على وجهة نظره التي عبر عنها فيكتبه الخاصة من أن البقاء ليس صفة وجودية [فخر الدين الرازي وآراؤه ٢٢٤، ٢٢٥]، وهو في نفس هذا الكتاب يعرض للقول الذي أورده الرازي في (المطالب العالية) على وجه الاستنكار، عن خصوم الأشاعرة، بشأن من أثبت المعاني الثمانية مع الذات وأنه أدخل في الكفر من القائل بثالث [المآخذ ل٥٠أ]، فيقول: (وقيل من أثبت ثمانية قال بتاسع تسعة فهو أولى بالكفر من القائل بثلاثة ثلاثة، وأنت عرفت أنه لا يلزم من المشاركة في القدم المشاركة في الإلهية) [انظر: المناهج - المقدمة - ص٤٩، ٥٠ وشرح النسفية،٣٠٨-٣٢٤]، أي أن القول بقدم الصفات لا يلزم منه تعدد الآلهة، لِمَا سبق من أن القدم ليس هو أخص وصف الإله عند الأشاعرة، ولأن التثليث إثبات لذوات منفصلة هي الأب، والابن والروح القدس، أما هؤلاء فيقولون بذات واحدة لها كمالاتها التي لا تنفك عنها في الوجود.
كما يعرض الآمدي لصفة التكوين التي أثبتها الماتريدية صفة إيجابية قديمة تعتبر مبدأ لسائر الأفعال من الخلق والرزق ونحوه [المآخذ ل٤٨ والأبكار ١/١٢١أ.ب]، فيذكر الخلاف في إثباتها صفة أزلية مستقلة عن القدرة والإرادة، ويعرض حجج الطرفين مؤيدًا الرأي القائل بأن التكوين هو المكوَّن، وليس بمعنى إيجابي، بل هو أمر اعتباري يحصل من نسبة الفاعل إلى المفعول، أي أنه عبارة عن التعلقات الحادثة لصفة القدرة وليس صفة مستقلة [بحر الكلام ١٥ وشرح النسفية٢٣٤]، كما أنه يختلف مع الماتريدية في تفرقتهم بين ألمشيئة والإرادة، [انظر: الفصل الثاني ١٤٩-١٥٣]، ويعتبرهما شيئًا واحدًا كما سيأتي.
وموقف جمهور الأشاعرة في الاقتصار، على إثبات الصفات السبع، غير أن بعض الأشاعرة يتطرف فينفي ما سوى السبعة وبعضهم يثبتها لقيام الدليل عليها، ويتوقف فيما عداها، إذ لم يقم الدليل على إثباته أو نفيه، وقد سبق إلى هذا الرأي الإمامان الغزالي والرازي، [المآخذ ل٤٦ ب، ٤٧أ] وتبعهما الآمدي القائل: زعم المتكلمون انحصار الصفات في ثمانية، هي كونه تعالي حيًا عالمًا قدرًا مريدًا سميعًا بصيرًا متكلمًا باقيًا، قد دل الدليل عليها دون غيرها فوجب إثباتها ونفي ما عداها.. وهو ضعيف؛ لأن عدم الدليل ليس دليل العدم..
والأولى الجزم بما ثبت والتوقف في الباقي [انظر: ص ١٢٢ من القسم الثاني]، وهو يؤكد موقفه هذا في
غاية المرام والأبكار [انظر: الفرق بين الفرق، للبغدادي ص ٣٢٦، ٣٢٧ والأبكار ١/١١٢]، ونلاحظ هنا أن الآمدي يطبق القاعدة المنهجية، عدم بطلان المدلول، لبطلان الدليل على نفي ما عدا السبعة [الرسالة المدنية ص ١٠٧]، على أن من الأشاعرة من يثبتون البقاء والوجه واليدين والعينين والاستواء وغيرها صفات قديمة لله تعالى، كالشيخ الأشعري وغيره من الأصحاب [انظر: مقدمة مناهج الأدلة ص ٣٧، ٣٨، ونشأة الفكر ١/ ٢٣٤، ٢٤٣، ٠٨ ٦، ٠٩ ٦]، الذين يقتربون جدًا من موقف السلف.
خامسًا: الصفات الإيجابية وعلاقتها بالذات
سبق أن أشرنا إلى رأي الأشاعرة في الصفات الإيجابية من حيث خصائصها وعلاقتها بالذات وسنعرض هنا وجهة نظرهم مفصلة في إطار الاتجاهات المختلفة للفكر الإسلامي في هذا الصدد.
(أ) فهي عندهم عبارة عن معان وجودية زائدة على الذات ومغايرة لها من حيث المفهوم؛ المعنى الذهني لكل منهما.
(ب) وهي مع هذا قائمة بالذات واجبة لها لا تنفك عنها، وهي جزء من مفهوم اسم الله تعالى، وهذان هما المبدأن اللذان يعبر عنهما الأشاعرة بالصيغة المشهورة: (ليست الصفات عين الذات ولا غيرها).
(ج) وهي تبعًا لهذا قديمة كالذات نفسها قد لا يتصور خلو الذات عنها.
(د) وهي ليست واجبة بنفسها بل بالذات، ولذا فهم لا يمانعون - إذ دعا الأمر- في وصفها بأنها ممكنة بهذا المعنى.
ولقد جرى السلف على الإيمان بالله الواحد المتصف بسائر كمالاته التي ثبتت بالكتاب أو بالسنة الصحيحة، وانصرفوا عن الجدل حول ذلك إلى ما هو أجدى على الدين والحياة بالدعوة إلى الله وتثبيت أركان حضارتهم الجديدة. [مقدمة مناهج الأدلة ص٨ ٣، ٣٩، والتجسيم عند المسلمين ١٠ وما بعدها].
ثم ظهرت جماعة تدعو إلى التجسيم والتشبيه وتتمسك بظواهر النصوص، [انظر. مقدمة مناهج الأدلة ص٣٦ وما بعدها، وفلسفة المعتزلة لا ليبر نادر ١/٣٧، ٤٣ والمعتزلة لزهدي جار الله ٣٥، ٣٦] فتصدى لها علماء الإسلام، وكان منهم متكلمو المعتزلة الذين حرصوا على تأكيد العقيدة الأولى للإسلام وهي (الوحدانية)، وعلي تنزيهه تعالى عن كل مشابهة بالمخلوق، فقالوا بالتسوية بين الذات والصفات فالله عالم بذاته وقادر بذاته لا بعلم أو قدرة، وليس في الأزل إلا الذات وحدها، فصفاته تعالى عين ذاته، كما قال واصل بن عطاء شيخ المعتزلة، وقد حافظ تلاميذه على نفس الروح وإن حاولوا الاقتراب من جمهور الأمة، فقال العلاف: (إن الله عالم بعلم وعلمه عين ذاته) فالموجود هو الذات وحدها والصفات وجوه لها، ثم قال أبوهاشم وأتباعه "بالأحوال" أي أنهم يثبتون أمورًا وراء الذات لا توصف بوجود ولا عدم، فالموجود القديم هو الذات التي لا تعدد فيها [انظر: اجتماع الجيوش الإسلامية ٥٧، ٥٨ ومقدمة مناهج الأدلة ص ٣٩]، وهذا قريب مما ذهب إليه الفلاسفة وابن عربي.
وكان هناك أيضًا أئمة السلف الذين واجهوا التيارات الجديدة التي تحاول وضع مسألة الصفات والذات موضع البحث بأمرين، الأول: إثبات ما جاء من صفات الله في الكتاب والسنة مع نفي مماثله بالمخلوق، والثاني: الامتناع عما وراء ذلك من نزوع إلى التجسيم على يد المشبهة أو ميل إلى النفي والتأويل على يد خصومهم، وتمثل ذلك كلمة الإمام مالك كما مر آنفًا٠ [نشأة الفكر، للدكتور النشار ١/ ٢٣٤، ٢٤٣].
أما الإمام أبو حنيفة - وكان أقرب إلى بيئة المعتزلة- فقد أنكر على المشبهة والجهمية كليهما [السابق ١/٢٣٥، ٢٣٦]، إلا أنه خطا خطوة أخرى في تصوير مذهب السلف فأثبت الصفات السبع، وقال إنه - تعالى - عالم بعلم قادر بقدرة متكلم بكلام، وفي هذا مخالفة واضحة لمعاصره واصل شيخ المعتزلة، [انظر: الموافقة ٢/ ٢٢٧ وقارن مقالات الإسلاميين ١/٣٢٥].
فلما كان القرن الثالث وجاء أحمد بن حنبل وابن كلاب جريًا على آثار السلف من الإثبات والتنزيه، إلا أنهما أنكرا قول المؤولة إن الصفات هي عين الذات، وإن لم يطلقا عليها في الوقت نفسه أنها غير الذات " فاسمه تعالى يتناول الذات والصفات، وليست الصفات خارجة عن مسمى اسمه". [نفس المصدر ١/ ٢٨٧].
ولكن اتجاه المعتزلة في تأويل الصفات وردها إلى الذات ظل ماضيًا طريقه واكتسب قوة جديدة على يد من سموا (فلاسفة الإسلام)، الذين اثبتوا الذات وحدها وجعلوا الصفات اعتبارات لها لا تدل على أكثر من السلوب أو الإضافات [حاول الكندي ضم بعض الصفات الإيجابية إلى الصفات السلبية، لتأكيد الفعالية والتأثير للذات الإلهية، انظر الكندي وفلسفته ٨٤ وما بعده]، وكان ممثلهم عندئذ الكندي وكان معتدلًا في هذا الاتجاه [مناهج الأدلة ٤٣] الذي تأكد فيما بعد على يد الفارابي وابن سينا.
وعلى رأس القرن الرابع ظهر أبو الحسن الأشعري فأثبت الصفات الإيجابية، ولكنه رفض القول بأنها عين الذات أو أنها غير الذات، ووفاقه على ذلك معاصره أبو منصور الماتريدي أيضًا [بحر الكلام ص ١٥]، وجرى أتباعهما على ذلك، بل إن الماتريدي صرحوا من بعد بأن "الله تعالى بجميع صفاته واحد وبجميع صفاته وأسمائه قديم أزلي من غير تفصيل، وصفات الله وأسماؤه لا هو ولا غيره كالواحد من العشرة" [فخر الدين الرازي وآراؤه ٢١٦] ومن هذا العرض يتبين كيف نبتت هذه الصيغة المشهورة، وأنها ليست تخص الأشعري ولا الأشاعرة [انظر: غاية المرام ٦١ب،٦٢أ].
وتعرض الأشاعرة لمسألة علاقة الصفات بالذات بنوع من التفصيل، فقال: "فالذي ذهب إليه الشيخ أبو الحسن وعامة الأصحاب أن من الصفات ما يصح أن يقال هي عينه، وذلك كالوجود، ومنها ما يقال: إنها غيره... ومنها ما لا يقال: إنها عينة ولا غيره، وهي كل صفة امتنع مفارقتها بوجه ما، كالعلم والقدرة وغيرهما من الصفات النفسية، بناء على أن معنى المتغايرين كل موجودين صحت مفارقة أحدهما للأخر بجهة كالزمان والمكان ونحوه [انظر: الموافقة ٢/ ٢٢٧، ٢٢٨].
والآمدي يقول بأن الصفات غير الذات ولا يتحرج كشيخه الذي تصور الغيرية على نحو لا يتعين القول به، ويحرص على أن يؤكد أن مدلول اسم الإله المشتق من الصفة كالعالم أو الموضوع للذات وصفاتها من غير اشتقاق كلفظ الجلالة (الله) لا يصح أن نقول إن الصفة غيره أو عينه، لأنها في الحقيقية جزء من مفهومه، ولا يصح أن يقال: إن جزء معنى الشيء غيره، وإلا لصح أن يفهم بدونه، ولا أنه عينه لا فتفاره إلى غيره حتى يكتمل معناه، فإن مدول اسم "الله" هو مجموع الصفات مع الذات، ثم يقول الآمدي: "ولعل هذا ما أراده الحذاق من الأصحاب في أن الصفات النفسية لا هي هو ولا هي غيره". [انظر: موافقة صحيح المنقول ٢/ ٢٢٧، ٢٢٨، ومنهاج السنة ١/ ٢٣٥، ٢٣٦، وشرح الطحاوية ٦٤، والتعرف أهل التصوف ٣٧،٣٦].
وكما يبدى الآمدي رأيه في هذه القاعدة المشهورة مؤولًا لها على هذا النحو فإنه يتصدى لنفاة الصفات النفسية الإيجابية وينقض عليهم أدلتهم:
وهم فينظره ثلاث طوائف:
١ - الفلاسفة، وهو يقصد أولئك المتأثرين بنظرية الفيض كالفارابي وابن سينا كما يظهر من مناقشاته، وشرح الطحاوية ٦٤، والتعرف أهل التصوف ٣٦، ٣٧.
٢- والشيعة وهو يقسمهم على طائفتين: من يثبتون الأسماء الحسنى وينفون الصفات الزائدة على الذات، ويبدو أنه يقصد بهؤلاء شيعة عصره من متأخري الإمامية وبعض الزيدية بعد أن تسرب الاعتزال إليهم [إيثار الحق ١٣٠،١٢٩]، ومن ينكرون الأسماء الحسنى والصفات جميعًا وهم الباطنية من الإسماعيلية، وقد سبق التعرض لذلك من قبل وثم لا شك أقصى طرف التعطيل بين المسلمين.
وابن الوزير اليماني يحاول تفسير دوافعهم الظاهرة والباطنية في ذلك، ويذكر أنه اطلع على ما يثبت ذلك إذ يقول: "مذهب القرامطة الباطنية تأويل الأسماء الحسنى كلها ونفيها عن الله على سبيل التنزيه... بل قالوا: لا يعبر عنه بالحروف، وقد جعلوا تأويلها أن المراد بها كلها إمام الزمان عندهم وهو المسمى (الله) والمراد بلا إله إلا الله، وأنا ممن وقف عليه فيما لا يحصى من كتبهم التي في أيديهم وخزائنهم ومعاقلهم". [غاية المرام ل١٥ب].
٣- والمعتزلة وهم فعلًا ينكرون الصفات الإيجابية كمعان وجودية أزلية زائدة على الذات، إلا أن الآمدي لا يرميهم بالنفي مطلقًا، فيقول: "وأما المعتزلة فموافقون للنفاثة وإن كان لهم تفصيل مذهب في الصفات كما سيأتي" [انظر: شرح الأصول الخمسة حيث يعتمد على هذه الفكرة في نفي الصفات كمعان وجودية زائدة على الذات ص ١٩٥ - ٢٠٠ والأبكار ١/٥٥أ].
وهو يتجه في ردوده إلى الفلاسفة والمعتزلة مما قد يوحي باعتقاده أن الشيعة بشقيهم ليسوا إلا متأثرين بهاتين الطائفتين.
وحجة الفلاسفة - وقد يتبناها المعتزلة أحيانًا - تعتمد على بطلان فكرتي (التركيب والتكثر) فلو كانت هذه الصفات عناصر مقومة لذات واجب الوجود فهو أمر يتنافى مع مفهوم الواجب بالذات، إذ التركيب علامة الحاجة إلى الغير، وإن قيل إنها ممكنة فمعنى ذلك ألا يكون الواجب واجبًا من كل وجه، إذ ستكون ذاته قابلة وفاعلة من حيث هي محل للصفات ومؤثرة فيها، والواجب بالذات واحد من كل جهة، لا تكثر فيه على نحو ما.
وأبرز حجج المعتزلة اثنتان:
أولهما: أن زيادة الصفات على الذات ستؤدي إلى تعدد القدماء والقدم أخص وصف الإلهية.
والثانية: أن إثبات صفات قائمة بالذات يفضي إلى إثبات خصائص الأعراض لتلك الصفات، وأظهرها الحلول في الحيز تبعًا للذات، وهذا محال على الواجب تعالى. [انظر: القسم الثاني ص ٣٢، ٣٤].
(أ) أما الحجة الأولى فمنشأ الغلط فيها عدم تحديد معنى الواجب بذاته، فإن أردتم به ما ليس له صفات أصلًا فهذه قضية لا تزال محل النزاع، فبناء الدليل عليها يكون مصادرة على المطلوب، وإن أردتم بها ما لا افتقار له إلى غير ذاته فهذا ما نوافقكم عليه؛ إذ قد دل الدليل على وجوب موجود لذاته لا لغيره، تستند جميع الحادثات إليه قطعًا للتسلسل، ولكن هذا لا ينافي اتصافه بالصفات الذاتية، ما دامت هذه الصفات لا تفتقر إلى أمور خارجية.
(ب) وأما الحجة الثانية للفلاسفة فتعتمد على أن معنى (الممكن) ما يفتقر إلى فاعل، مع أنه قد يعرف بما لا يتم وجوده ولا عدمه إلا بأمر خارج عن ذاته، سواء أكان هذا الأمر فاعلًا أم قابلًا، وعندئذ فيمكن أن يقال: إن الوجود وسائر الصفات مثلًا ممكنة، وإمكانها افتقارها إلى القابل لا إلى الفاعل، فإن وجودها لنفسها إلا أنها تحتاج إلى قابل هو الماهية أي الذات [انظر نهاية الإقدام ١٢٨، ونظرية المعرفة لقاسم ٨٥- ٩٠]، والآمدي يتفق في هذا مع الشهرستاني الأشعري وابن رشد الفيلسوف. [انظر: القسم الثاني ص ٣٤، ٣٥].
(ج) وأما تمسك المعتزلة بأن القدم أخص وصف الإلهية، فإن أرادوا أنه خاص به تعالى على وجه لا يشاركه فيه غيره من الموجودات الأخرى فهذا صحيح؛ إذ كلها مخلوقة له مستندة إليه في وجودها.
وإن أريد أنه غير متصور أن يعم شيئين ولو كانا داخلين في مدلول اسم الإلهية فهو لا يعدو أن يكون مصادرة على المطلوب، فضلًا عن أنه يتناقض مع مذهبهم - أو مذهب البعض منهم - في المعدوم، وأنه ذات ثابته في
القدم في حالة العدم على ما لا يخفي [انظر: الإرشاد ص ٩١]، وقد سبقه بمثل هذا النقد الجويني في الإرشاد، [انظر: منهاج السنة ٢٣٤- ٢٣٧، ونشأة الفكر ١/ ٢٨٧، ٢٨٨]، [انظر: الفتوحات ٦١٩/٢]، إذ يرد على تهمه ابن المطهر للأشاعرة بالقول بتعدد القدماء ومن تهمة يوجهها إلى الأشاعرة آخرون كابن عربي مثلًا. [انظر: القسم الثاني ص ٣٥، والأبكار ١/٥٥، أو النجاة ٩٨-١٠٢وتسع رسائل ٨٢-٨٤].
(د) وأما حجة المعتزلة الأخرى فإنما تستقيم لو كان قيام الصفات بالذات كقيام الأعراض بالجواهر كالسواد والبياض وسائر الأوضاع بمحالها، أي أنها تفتقر إليها في وجودها ولا تقوم إلا بها وليس الأمر كذلك فإن القيام بالغير أعم من ذلك، ألا نرى أن الصور الجوهرية لا تقوم وحدها ولا توجد إلا في مادة، ولكنا ليست أعراضًا لموادها أو هيولاها، ولا تثبت لا خصائص الأعراض لمجرد قيامها بها، أما إذا اعتبرتم مجرد القيام بالغير خاصة للعرض، فلا مانع عندئذ من تسمية الصفات أعراضًا، ولكنه يبقى على أية حال مصطلحًا خاصًا لكم لا متاحة فيه ما دام المعنى واضحًا، وهو أنها لا تفتقر إلى محلها افتقار التقويم كما في الأعراض المادية [فخر الدين الرازي وآراؤه ٣١٧]، وإن كانت لا توجد إلا معها.
ويلاحظ أن الرد على حجة الفلاسفة الأولى يختار القول بوجوب الصفات ومشاركتها للذات في الوجوب، وقد سبق الغزالي إلى التصريح بذلك [انظر: شرح النسفية: ٢٣٠، ٢٣١]، وتابعه بعض المتأخرين من الأشاعرة [انظر: الأربعين ١٦٢ والمعالم ص ٤٩ والأبكار ١/ ١٥٨ب] لكن الصعوبة الحقيقية هي أنه عند الرد على حجتهم الثانية قد اضطر إلى القول بإمكان الصفات كما فعل الرازي قبله [الأربعين، للرازي ص ٤١] قد وقف أمام الصعوبة الناجمة عن ذلك مستسلمًا، وهي: كيف توصف الصفات بالأزلية وهي ممكنة، وقد جعلنا الإمكان طريق إثبات الواجب وإمارة الحاجة إلى الفاعل المرجح؟ ولم يسعه إلا الاعتراف بصعوبة المشكلة، وتفويض الأمر في حلها إلى الخالق: "هذا السؤال صعب، وهو مما نستخير الله - تعالي – فيه" [شرح النسفية ٢٣٣]، وقد نبه السعد التفتازاني إلى هذه الصعوبة أيضًا في شرحه للعقائد النسفية أما الآمدي فهو يستطيع اجتياز هذه الصعوبة؛ إذ هو لا يعتمد في إثبات الواجب بذاته على فكرة الإمكان وحدها، بل الإمكان بشرط الحدوث كما سبق البيان، وإذن فهذا (الممكن الأزلي) - إن جاز التعبير- الذي لا يعني الإمكان فيه سوى قيامه لا غير، لا يعترض طريقه في إثبات الواجب بذاته؛ لأنه لا يعتمد في هذا على الإمكان المطلق، بل على الممكن الحادث فعلًا بعد العدم.
على أن اعتبار الصفات واجبة بالذات لا يخلو أيضًا من صعوبة، بل هو أشد خطرًا من القول بإمكانها - كما يرى عصام الدين الإسفراييني - إذ هو مناف لأصل الإيمان وهو التوحيد [حاشية العصام على شرح النسفية ٢٣٣]، ولكنا نعلم أن الصفات عند الآمدي لا تغاير الذات إلا من حيث المفهوم، وإلا فهي في الحقيقية داخلة في مفهوم (الإله) المتصف بكمالاته أزلًا كما سبق، وليس الاشتراك بينهما في الوجوب إلا معنى سلبيًا لا يفضي إلى تكثر في ذات واجب الوجود ولا يخدش التوحيد.
لكن يبقى بعد ذلك أن تحليل الذات الإلهية على هذا النحو إلى أجزاء، وإخضاعها لمقولات الإمكان والوجوب والعرضية والذاتية وغيرها من الاعتبارات الإنسانية، أو صفات المواد الكائنة الفاسدة، ليس إلا تحكيمًا للمقاييس المادية التي لا تتناسب مع المعارف الإلهية والحقائق الغيبية، ولقد كان الأولى في ذلك أن يكتفي بإثبات إله واحد متصف بكمالات الإلهية دون التعمق إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو تكلف لا يفضي إلا إلى مثل هذه الصعوبات التي إن حللنا بعضًا منها، فقد نعجز عن حل حاسم لها جميعًا، "سبحانك، أنت كما أثنيت على نفسك، لا نحصي ثناء عليك".
سادسًا: الصفات وطريقة إثباتها: هل من طريق لإثبات الصفات إجمالًا، أم لا بد من إثبات كل منها على حدة بدليل خاص؟
هناك عدة طرق اتبعها المتكلمون لإثبات الصفات إجمالًا، لكنها لم تسلم من سهام النقد، مما دعاهم أخيرًا إلى اقتراح طريقة جديدة لإثبات الصفات جملة يمكن أن نسميها طريقة الكمال فلنبدأ الآن بنقد الطرق القديمة، ثم نعرض الفكرة المقترحة:
الطريقة العامة:
وهي التي سلكها أهل الإثبات، كما يقول الآمدي في (غاية المرام) [انظر: ص ٣٦ من القسم الثاني وحاشيتها] بل إنها أو أجزاء منها هي طريق المعتزلة أيضًا كما سنرى [انظر: شرح الأصول الخمسة ١٥١-١٨٢]، وهي تقوم أساسًا على مبدأ قياس الغائب على الشاهد ولذا يرفضها من رفضوا هذا المبدأ في الأمور الإلهية، ولهذه الطريقة مرحلتان: أنهم تعرضوا لإثبات أحكام الصفات أولًا، ثم توصلوا منها إلى إثبات العلم [انظر: ص ٣٦ من القسم الثاني] بالصفات:
فقد قالوا: العالم في غاية الحكمة والإتقان، ومثله مع إمكانه لا يصدر إلا عن مريد له قادر عليه عالم به كما هو الحال في الشاهد، وإذا أثبتت هذه الأمور لصانع العالم فلا بد أن يكون حيًا إذ الحياة شرط هذه الصفات في الشاهد، فكذا في الغائب، ويلزم من كونه حيًا أن يكون سميعًا بصيرًا متكلمًا، فإن من لم يثبت له هذه الأشياء يتصف بضدها من عمى وطرش وخرس طبقًا لما في الشاهد أيضًا، والخالق منزه عن كل هذه النقائص وهذا هو القدر الذي يتفق فيه المعتزلة والأشاعرة ثم يختلف طريقهما بعد ذلك.
ولكن هذا الطريق "مما يضعف التمسك به جدًا كما قرر بعض المتكلمين -، لأنه ينبني على إلا ولكن هذا الطريق مما يضعف التمسك به جدًا" - كما قرر بعض المتكلمين، لأنه ينبني على الاستقراء في الشاهد أي الواقع ثم قياس الغائب على الشاهد وهو فاسد [انظر: الأبكار ١/ ٥٥ أ، ب وص ٣٦، ٣٧ من القسم الثاني]، وقد بينا في موطن آخر سبب فساده [انظر: ص ٧ ٣ من القسم الثاني]، ونشير هنا إلى خطورة هذا القياس على مبدأ التنزيه، إذا ما انسقنا إلى إثبات كل أحكام الشاهد للغائب مع ما فيها من نص على أن الأشاعرة بوجه خاص لا يحق لهم استخدام هذا القياس على مبدأ التنزيه، إذا ما انسقنا إلى إثبات كل أحكام الشاهد للغائب مع ما فيها من نص على أن الأشاعرة بوجه خاص لا يحق لهم استخدام هذا القياس؛ لأنهم يقررون أن الفاعل في الشاهد مخالف للفاعل في الغالب، فليس هنا إلا الاكتساب لا الفعل الحقيقي، وإذن فالموجود في الغائب غير الموجود في الشاهد، والموجود في الشاهد غير الموجود في الغائب، فأنى يصح القياس؟ [غاية المرام ل ٢٠ أ - ص ٣٧]، ومن المعلوم أن الأشاعرة يحرصون بالنسبة لأفعاله تعالى على إبطال حكم هذا القياس بينما يصححونه في مسائل الصفات وأن المعتزلة على العكس من ذلك بوجه عام.
ومتى ظل الأساس الذي يقوم عليه هذا الاستدلال فقد انهارت سائر أجزائه الأخرى [انظر: ص٣٩ من القسم الثاني].
لكن هناك اعتراضات أخرى على الأشاعرة بأن إثبات الصفات عن طريق التوصل إليها من أحكامها يعني أن الأحكام عند المثبت أعرف من الصفات نفسها، فكيف تعرفون الأحكام بواسطة هذه الصفات وتقولون (القادر هو من قامت به القدرة؟) [انظر: ص٤٠ من القسم الثاني] أليس في هذ ا دور واضح؟
على أنه يلاحظ عدم اقتناع شيوخ الأشاعرة أنفسهم بهذه الطريقة، ولذا عدل بعضهم [كالباقلاني، والجويني، انظر: ص٤٠ من القسم الثاني، والأبكار ١/ ٥٥ب]. عنها إلى طريقة أخرى وهي ادعاء البديهة والضرورة في دلالة الإحكام والإتقان على أحكام الصفات، وادعاء الضرورة أيضًا في دلالة هذه الأحكام على الصفات نفسها، ولكن الآمدي الأشعري يوافق على الخطوة الأولى [انظر: الأبكار ١/٢٦٢] ويرى أن الخطوة الثانية ليست إلا من قبيل (التحكم)، وإلا فكيف نقس مخالفة كثير من العقلاء فيها كالمعتزلة والفلاسفة، وهل نبيح لهم أيضًا أن يتمسكوا بالبداهة دليلًا على ما يقولون؟ [غاية المرام ١ ٢ب - ص ٠ ٤ من القسم الثاني].
طريقة الكمال: ولكن إذا كانت هذه الطرق العامة لا تخلو من ضعف، فهل نكتفي بالاستدلال على كل صفة على حدة؟ يميل بعض المتكلمين إلى ذلك [غاية المرام ل ٢٢ب]، ولكن الآمدي يقول لنا - في كتابه الأبكار - في ثقة واضحة: "اعلم أن ههنا طريقة رشيقة يمكن طردها في إثبات جميع الصفات النفسانية، وهي ألهمني الله تعالى إياه، ولم أجدها على صورتها وتحريرها لأحد غيري، وذلك أن يقال: المفهوم من كل واحد من الصفات المذكورة إما أن يكون صفة كمال أو لا صفة كمال: لا جائز أن يكون لا صفة وإلا كان حال من اتصف بها في الشاهد أنقص من حال من لم يتصف بها: وهو خلاف ما نعلمه بالضرورة في الشاهد، فلم يبق إلا القسم الأول وهو أنها في نفسها وذاتها كمال، وعند ذلك فلو قدر عدم اتصاف الباري تعالى بها لكان ناقصًا بالنسبة إلى من اتصف بها من مخلوقاته، ومحال أن يكون الخالق أنقص من المخلوق". [الأبكار ١/٥٧ ب، ٥٨ أ].
ولعل ابن رشد قد سبق الآمدي إلى طريقة الكمال هذه وإن سماها طريقة التشبيه [انظر: ابن رشد وفلسفته الدينية ص١٢٣]، كما نجدها أيضًا عند النسفي الماتريدي دون تفصيل في معرض استدلاله على قدم الصفات[انظر: بحر الكلام ص ١٦].
سابعًا: هل الصفات متغايرة بينها؟
تعرض المتكلمون من مثبتة الصفات لهذا السؤال، واختلفت كلمتهم في الإجابة عنه - كما يحكي الأشعري
في المقالات [انظر: مقالات الإسلاميين ١/ ٢٣٠-٢٣١]، وهناك رأيان في علاقة الصفات بعضها بالبعض الآخر: فالبعض يقطع بالتغاير، وآخرون لا يريدون القطع بهذا ولا بنقيضه.
وقد ورث الأشاعرة هذا السؤال الخطير الذي تنبع خطورته من أنه من الممكن أن يجرهم إلى الاعتزال أو يؤكد عليهم تهمة تعدد القدماء [يشير الغزالي إلى خطورة هذا السؤال من هذه الجهة في(الاقتصاد) ٧٩، ولكنه يحاول الإجابة عنه باختيار تغاير الصفات فيما بينها مع وحدة كل منها في ذاتها، ولكنه يشير إلى أنه يثير إشكالات عويصة، غير أنها أقل من إشكالات أي اختيار آخر، ولا سبيل إلى حسم مثل هذه الإشكالات في أمر كهذا يتعلق بذات الله وصفاته المتعالية على إفهام الخلق - الاقتصاد ٧٩-٨١ ] ، وقد فر بعضهم من مواجهته عقليًا إلى التمسك بالسمع الذي أثبت أكثر من صفة، يقول الشهرستاني، مصورًا هذا الموقف في ختام كلامه عن الصفات: "ثم هل تشترك هذه الحقائق والخصائص في صفة واحدة أو ذات واحدة؟ فتلك الطامة الكبرى على المتكلمين حتى فر القاضي أبو بكر الباقلاني إلى السمع، وقد استعاذ بمعاذ والتجأ إلى ملاذ، والله الموفق [نهاية الإقدام ٢٣٦، ٢٣٧].
ويبدو أن بعضهم صرح بعدم تغاير هذه الصفات ورجوعها إلى معنى واحد لا هو نفس الذات ولا غيرها، وقد أشار الآمدي إلى ذلك في “غاية المرام" دون تحديد، وفي كتاب (المضنون به على غير أهله) المنسوب إلى الإمام الغزالي:" يتخيل بعض الناس كثرة في ذات الله تعالى، عن طريق تعدد الصفات، وقد صح من قال في الصفات لا هو ولا غيره، وهذا التخيل يقع عن توهم التغاير، ولا تغاير في الصفات" [المضنون به على غير أهله - ضمن العصور العوالي ص ٣١١] ، ثم يضرب لذلك بعض الأمثلة مؤكدًا ألا تغاير بين العلم والقدرة والكلام إلا من حيث الاعتبارات [السابق].
وقد نزع الإمام الرازي في بعض كتبه إلى اعتبار الصفات وجوها للذات أو مجرد نسب وإضافات لها، فاقترب إلى حد كبير من موقف المعتزلة والفلاسفة [فخر الدين الرازي وآراؤه ص ٦٢].
أما الآمدي فيحكي لنا في (غاية المرام) أن الذي عليه الشيخ أبو الحسن وعامة الأصحاب أن الصفات النفسية لذات واجب الوجود، كالعلم والقدرة وغيرها:" لا يقال إنها عينه ولا غيره؛ بناء على أن معنى المتغايرين كل موجودين صحت مفارقة أحدهما للآخر بوجه ما كالزمان والمكان ونحوه، وهذا الكلام بعينه جار في تغاير الصفات النفسية بعضها مع بعض أيضًا". [غاية المرام ل٦١أ، ٦٢ب].
وهذا يدل على أن الأشعري قد اختار الموقف الثاني فيما نقلناه عنه في (المقالات) وتابعه أكثر أصحابه على ذلك، ولكنه لا يرضى عن هذا فيعقب على ما سبق: وهذا مما لا أرى حاصلة يرجع إلى أمر يقيني ولا إلى معنى قطعي، وإنما هو راجع إلى أمر اصطلاحي [غاية المرام ٦٢ ب- ص ١٣٤ من القسم الثاني]، ثم يوضح ذلك بأن الصفات تتغاير فعلًا من حيث المفهوم، فإن المعنى الذي تدل عليه كل واحدة منها غير ما تدل عليه الأخرى، ويمكن فهمه مستقلًا عن غيره، وهذا أوضح معاني الغيرية.
ولكن هل يعني ذلك التغاير الحقيقي، أو تعدد الصفات حقيقة، وهل يجوز لنا التصريح بذلك؟ إنه يرى أن الشرع لم يبح ذلك [السابق]، فضلًا عن أنه لا تتعلق به ضرورة اعتقاديه، فما على المؤمن إلا أن يثبت الكمالات المختلفة التي شهد لها العقل ونطق بها السمع، دون دخول في هذه المضايق التي وقع فيها بعض الأصحاب، فعجزوا عن تحقيق الجواب.
ويعرض الآمدي في النهاية إجاباتهم مبرهنًا على ضعف جواب القائلين بتعددها وتغايرها، ويشير إلى ما يرد عليه من إشكالات، وكذا بالنسبة إلى من قال باتحادها ورجوعها جميعًا إلى معنى واحد، مؤكدًا أن الموقف السليم حتى من الناحية العقلية - هو الإعراض عن مثل هذا البحث الذي لا يوصل إلى يقين ولا يفضي إلى خير، وألا يسخفنا تهويل المهولين بمثل هذا السؤال الذي ليس في يدنا إمكانات الفصل فيه، بل ولا يهمنا التصدي له أصلًا [انظر: نصوصه في ذلك في القسم الثاني ص٠٧ ١-١٠٩]: "إذا ثبت القول بكونه محيطًا بالموجودات وعالمًا بها ومخصصًا لها في وجودها وحدوثها، وثبت له غير ذلك من الكمالات المعبر عنها بالصفات فهو ما طلبناه وغاية ما رمناه ".[غاية المرام ل ٥٢- ١٠٧ من القسم الثاني].
ونختم هذه المسائل بعد أن اتضح لنا موقف المتكلمين من مسألة الصفات ومشاكلها الرئيسة بصفة عامة، وتبين لنا أيضًا أن البحث العقلي وحده لا يكفي للوصول إلى الحقيقة الكاملة في المسائل الإلهية، فمداه في النهاية محدود، والمناص من اللجوء إلى الوحي الإلهي، وخاصة عندما يستنفد العقل طاقته ويعرف محدوديته - كما اعترف بذلك أساطين المتكلمين والفلاسفة - ويردد تسابيح النبوة: "سبحانك، لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك!".
الصفات الإلهية تمثل كمالات الله تعالى التي تليق بذاته، وهي لا تشبه صفات المخلوقين، وتندرج إلى صفات ذاتية لازمة للذات كالعلم والقدرة، وصفات فعلية تتصل بأفعاله كالخلق والرزق، يجمع العلماء بين إثبات هذه الصفات وتنزيه الذات الإلهية عن التشبيه والتجسيم، مع الإقرار بعدم إمكانية الإدراك الكلي لحقيقة الذات الإلهية، ويُعد التوازن في فهم الصفات والذات أساسًا في العقيدة الإسلامية لتثبيت التوحيد والمحافظة على نقاء العقيدة.