Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الطفرة

الكاتب

أ.د. محمد عبد الستار نصار

الطفرة

نشأت فكرة الطفرة لدى النَّظَّام نتيجة مناظرة بينه، وبين أبي الهذيل العلاف في مسألة الجزء الذي لا يتجزأ، والفكرة في أساسها تتصل بالعلم الطبيعي في مسألة الحركة، وقد تعرض منهج النَّظَّام لنقد كبير من المفكرين في عصره، وغير عصره.

مفهوم الطفرة

معناها اللغوي: قال صاحب القاموس المحيط: الطفرة الوثب في ارتفاع كالطفور، من اللبن كالطثرة، وقد طفر تطفيرًا، والطيفور طويئر... وأطفر إطفارًا [انظر: ابن حزم: الفصل ج ٥ ص٦٤]. كافتعل افتعالًا.

وإذا دققنا النظر فيما قاله الفيروزآبادي فسنلاحظ أن أقرب دلالات هذا المصطلح، إنما هو الوثب في ارتفاع، وهذا يعني أن الحركة من الأسفل إلى أعلى تقطع أجسامًا لا مرئية من الهواء، أو غيره بطريقة لا تستوجب جميع أجزاء الشيء الذي يتجاوزه الجسم المتحرك من أسفل إلى أعلى.

وقد شرح النَّظَّام فكرته هذه - وهو أول القائلين بها من مفكري الإسلام - بقوله: إن المار على سطح الجسم يسير من مكان إلى مكان بينهما أماكن لم يقطعها هذا الجسم المار، ولا مر عليها، ولا حاذاها، ولا حلَّ فيها.                                [د. بدوي: مذاهب الإسلاميين ج ١ ص ٢٦١، ط لبنان، سنة ١٩٨٣م]

من المعنى اللغوي إلى الاصطلاحي

التعريف الاصطلاحي: في شرح المعنى اللغوي لهذا المصطلح ليصل إلى المعنى الاصطلاحي يقول الأشعري في بيانه: زعم النَّظَّام أنه قد يجوز أن يكون الجسم الواحد في مكان، ثم يصير إلى المكان الثالث، ولم يمر على المكان الثاني على جهة الطفرة، واعتل في ذلك بأشياء منها:

 الدوامة يتحرك أعلاها أكثر من أسفلها، وقطبها، وإنما كان ذلك؛ لأن أعلاها يمس أشياء، ولم يكن حاذى ما قبلها. [ينقل أبو الحسن الأشعري قول النظام: "لا جزء إلا وله جزء، ولا بعض إلا وله بعض، ولا نصف إلا وله نصف، وإن الجزء جائز تقسيمه أبدًا، ولا غاية له من التجزؤ (انظر: المقالات ص٣١٨)].

أصل الفكرة

وفكرة الطفرة هذه، إنما نشأت لدى النَّظَّام نتيجة مناظرة بينه وبين أبي الهذيل العلاف في مسألة الجزء الذي لا يتجزأ، ومن المعروف أن النَّظَّام يذهب إلى عدم تناهي الأجسام من حيث الكمية. [وقد أشار الخياط صاحب كتاب "الانتصار" إلى أن عدم نهاية الأجسام لدى النظام، إنما هي لديه من قبيل "الوهم أي أن القسمة اللانهائية هنا عقلية ذهنية لا واقعية، كما أشرنا إلى ذلك في صلب البحث، ويؤيده في ذلك المرحوم الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة، في كتابه "النظام" وآراؤه الكلامية والفلسفية "ص١٢٠، وبهذا الذي ذكره كل من" الخياط "وأبي ريدة" يكون الخلاف لا محل له ها هنا، ويكون كلام الذين حكموا عليه بما يخالف مقتضى هذا، قد ضلوا الفهم الصحيح لموقفه]

ولما رأى أن ذلك يؤدي إلى القول بقدم المادة، وبالضرورة بقدم العالم، وأن في هذا مخالفة لما عليه جمهور المتكلمين من جميع الفرق، ذهب هذا المذهب، وقرر أن الإمكان العقلي لا يمنع من تصور أجسام لا تتناهى.              

 [انظر: ص٢٦٣ من كتاب مذاهب الإسلاميين - الجزء الأول]

 وقد ذكرت الروايات أن أبا الهذيل عندما أعجز النَّظَّام في هذه المسألة وقف متحيرًا، فقال له أبو الهذيل: "هذا شأن من ناطح الكباش"، فقال له النَّظَّام: "لقد جئتك بالقاطع".

وقال: إن الجسم المتحرك يقطع بعض أجسام ما يتحرك عليه إما بالترتيب، وإما بالطفرة، وهي " الوثب" التي أشرنا اليها في التعريف اللغوي.

والفكرة في أساسها تتصل بالعلم الطبيعي في مسألة الحركة، وهذا التوجه قد أبلى فيه النَّظَّام بلاء كبيرًا، وكان الهدف منه هو مواجهة التصورات المادية للإله، والكون، التي حملتها أفكار خصوم الإسلام متذرعة بالعلوم الطبيعية؛ من ثَمَّ نرى ما لهذه العلوم من أثر إيجابي في منهج النَّظَّام، وجدله مع الخصوم.  

ولا شك في أن العلوم الطبيعية الحديثة، وبخاصة في مجال الفيزياء هي التي تملك الكلمة النهائية في هذا السبيل بعد تطورها، وازدهارها؛ من ثم نقرر أن البحث فيها من الناحية النظرية، لا يجدي كثيرًا ما لم يكن لدراستها لدى تلك العلوم مكان معتبر.

كيف استقبلت هذه الفكرة؟

كان أبو الهذيل العلاف أول من عارض هذه الفكرة وإلا لما ناقشه فيها على الوجه الذي ذكرناه سلفًا، وقد تبعه في ذلك جمهور المتكلمين من المعتزلة، وغيرهم.

 وحجتهم في ذلك، أن الجسم قد يسكن بعضه، وأكثره متحرك، وإن للفرس في حال سيره وقفات خفية، وفي وقت شدة عدوه مع وضع رجله، ورفعها، ولهذا كان أحد الفرسين أبطأ من صاحبه، وكذلك للحجر في حال انحداره وقفات خفية بها كان أبطأ من حجر آخر أثقل منه أرسل معه.

ولكن فريقًا آخر من المتكلمين لم يرجع صحة تفسير التفاوت بين الحجرين إلى وجود وقفات للحجر الأخف دون الأثقل، وإنما يرى هذا الفريق أن التفاوت يرجع إلى أن الحجر الأخف قد تعتريه من العوائق ما لا يعتري الحجر الأثقل؛ لتغلب الأخير عليها، ويضيفون إلى ذلك ـ أيضًا ـ وهذا ما يقره العلم الحديث: أن فعل الجاذبية للأثقل غير فعلها للأخف، وهكذا.

النقد والرد على فكرة الطفرة

وقد قال أبو الهذيل العلاف: في رده على كلام النَّظَّام في فكرته هذه، إذا كان الجسم ينقسم إلى غير نهاية، فإنه لا يمكن قطعه، ولا أقل جزء منه، ولما كان المكان يقطع، فهو لا ينقسم إلى غير نهاية، ورد هذه الحجة بالقول بالطفرة على الوجه الذي قرره النَّظَّام ليس ردا مقنعًا؛ لأنه لو صح هذا - ولو على سبيل التسليم الجدلي - فكيف يقطع ما قطع، أفليس عليه أن يمر بما لا نهاية له؟ وهذا التفنيد لحجة النَّظَّام على الوجه الذي قرره أبو الهذيل يدلنا على أن هذا الرجل - أبا الهذيل - كان واسع الثقافة، إذ يرى الدكتور بدوي: أن جذور هذه الحجة التي رد بها على النَّظَّام كانت موجودة من قبل لدى زِينون الرٌّواقي ضد القول بالحركة. [نفس المصدر]

وخير من ردَّ على النَّظَّام فيما ذهب اليه من القول بالطفرة هو إمام الحرمين الجويني في كتابه "الشامل"؛ حيث نقل عن النَّظَّام مثالًا ضربه توضيحًا للقضية؛ حتى يمكن الرد عليه بسهولة، فقال: يقول النَّظَّام: "إذا تصورنا شكلًا مربعًا متساوي الأضلاع، ثم مددنا خطًا من إحدى زواياه المقابلة فإنه يكون قطرًا، والقطر هو أطول خط مستقيم من خطوط المربع، فلو أخذت نملة في الدبيب على خط القطر، وأخرى من منشأ القطر على ضلعي الشكل، فإن النملة الأولى تصل إلى الزاوية قبل الثانية، وما جاء ذلك إلا لطفر الأولى. [نفس المصدر]

البعد الفلسفي والكلامي للفكرة

وقد ضرب النَّظَّام مثالًا آخر لزيادة التوضيح لفكرته، فقال - كما ذكر الجويني-: "السفينة إذا كانت في أشد جرى، فإذا أراد من كان من ركاب السفينة في مؤخرها أن يخطو إلى مقدمها وصدرها، فذلك ممكن مع تتابع حركات السفينة وانتفاء الفترات، وما ذلك إلا لطفر التخطي".

ويأخذ الدكتور بدوي من رد الجويني على النَّظَّام في المسألة الأولى - مسألة الشكل المربع.

فيقول: "ويعجب المرء كيف فات هذا على النظام، فلم يعرف أن أي ضلعين في المثلث هما أطول من الضلع الثالث". فهل كان النَّظَّام قليل البضاعة في علم الهندسة إلى هذا الحد؟ وهل لم يجد في عصره من يرده إلى الصواب، وينبهه إلى هذا الخطأ الفاحش. [نفس المصدر]

وفي الرد على المثال الذي ضربه النَّظَّام بالسفينة يقول الدكتور بدوي أيضًا: وكان من السهل على الجويني هاهنا أن يرد عليه بأن يبين أن حركة القدم نسبية إلى سطح السفينة، لا إلى حركتها، وإلا لخلفها وتركها إن كان أسرع منها، ثم يقول بعد ذلك: وهذان المثالان، أو الدليلان اللذان ساقهما النظام، يدلان على سذاجته في هذا الاستدلال، كنا نُكْبِرُ النَّظَّام عنها.

التقييم الحديث لفكر النظام

وأما من جانبنا فنقول: حسب  النَّظَّام  أن يكون ذا نزعة تجديدية خارجة على المألوف، والمستقر في أذهان المعاصرين له، أو السابقين عليه، وبغض النظر عن النتائج المترتبة على هذه النزعة، يبقى هذا المفكر متميزًا عن أقرانه في هذا الجانب، حتى ولو كانوا من الفرقة التي ينتمى اليها - المعتزلة - بل إن أبا الهذيل العلاف الذي ناظره في القضية التي معنا كان أستاذه، وحسبه كذلك أن يثبت لنا أن المباحث النظرية في علوم الكلام والفلسفة إنما كان ينبغي أن تطعم بالعلوم العملية كعلم الفيزياء الذي تتصل به الفكرة التي معنا الطفرة.

وتاريخ الرجل يدل على أنه كان يميل إلى هذا الجانب لنصرة دينه بالمنهج العلمي الذي كان يتذرع به أعداء هذا الدين، من أصحاب الاتجاهات الوثنية، التي دخل الإسلام بلادها فاتحًا؛ من ثم نرى أن الدكتور بدوي قد بالغ حينما قاس فكرة الطفرة عند النَّظَّام بمقياس عصرنا في الجانب العلمي، والهندسي منه بصفة خاصة، وهذا ظلم بين.

الخلاصة

فكرة الطفرة كما طرحها إبراهيم بن سيَّار النَّظَّام، أحد كبار مفكري المعتزلة، والتي تعني إمكانية انتقال الجسم من موضع إلى آخر دون المرور بالمسافة الفاصلة بينهما.

وقد أبلى النَّظَّام بلاء كبيرًا في مواجهة التصورات المادية للإله، والكون، التي حملتها أفكار خصوم الإسلام متذرعة بالعلوم الطبيعية، وقد تعرض منهجه لنقد واسع من العلماء القدامى كالعلاف، والجويني، والمحدثين كالدكتور بدوي.

لمزيد من المقالات اضغط هنا 

                                                                                                 

موضوعات ذات صلة

الغيب هو ما استأثر الله تعالى بعلمه أو أطلَعَ عليه من شاء من رسله بوحي صادق

البعث هو إحياء الله الموتى، وإخراجهم من قبورهم

 القدم والحدوث مصطلحان كلاميان يعبران عن صفتين للوجود

موضوعات مختارة