الخوارج: يرى الخوارج أن مرتكب الكبيرة كافرٌ؛ لأن الإيمان عندهم
قولٌ وعملٌ ليس هناك فصلٌ بين الأعمال وبين الإيمان لا ينبغي أن يقف الإيمان عند
حدود القلب وشهادة اللسان، بل ينبغي - وهذا أساسُ الإيمان - أن يمتد إلى الجوارح.
والإيمان علم كما قلنا، وعمل بحسب العلم، ومن الواضح أن
الخوارج تقول: إن الفاسقَ كافرٌ وليس في منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان، وينبغي
أن يطبق على الفاسق ما يطبق على الكافر. [علم الكلام ومدارسه:
فيصل عون، ص ٨٦-٨٧، مكتبة الأنجلو المصرية، ط القاهرة ٢٠٠٨ م]
إن من ينحرف في عمله عن الصراط المستقيم فهو كافرٌ ومن زَلَّ
زَلَّةً فقد مَرَقَ من الإسلام ولا يجدد إيمانه إلا بتوبةٍ علنيةٍ وعودةٍ قويةٍ
إلى الإسلام.
إن الأمور كلها
حلال أو حرام، وليس ثمة أمورٌ لا هي حلالٌ ولا هي حرامٌ كيف؟ [الخوارج والشيعة: يوليوس فلهوزن، ص ٤٦، ترجمة د. عبد الرحمن بدوي، وكالة
المطبوعات، الكويت، ط٣ ١٩٧٨م].
ولهذا فإن الفضيلة عند الخوارج ليست وسطًا بين طرفين، إن
الفعل إما أن يكون فاضلًا أو غير فاضلٍ، ثمة صوابٌ وخطأ فحسب، يوجد مؤمنٌ وكافرٌ،
حلالٌ وحرامٌ، أما غير ذلك فلا، إن الخطأ خطأ فحسب، ليس ثمة خطأ كبيرٌ وخطأ صغيرٌ؛
لذلك كفرت الخوارج كل من ارتكب إثمًا أيًّا كان هذا الإثم، وأيًّا كان من ارتكبه
فلا ينبغي أن نتهاون في أي حق من حقوق الله؛ لأن معظم النارِ كانت من صغار الشررِ،
وكل حسنة تأكلها وتمحوها سيئة.
وفي هذا يرى الخوارج أن كل من خالفهم الرأي مُشركٌ، وأن مرتكب
الكبيرة مشركٌ، وأن من رفض القتال معهم وفضل البقاء في بيته (قعد عن القتال) فهو
مشركٌ، بل إن كل من ترك شيئًا من الطاعات التي أمر الله بها فهو مشركٌ، ومن ثم يُعَدُّ
كافرًا مصيره النار". [أصول الدين: عبد القاهر البغدادي، ص
٣٣٢، إستانبول، ط١ ١٣٤٦هـ -١٩٢٨م]، وزعموا
أن مرتكبي الكبائر مخلدون في النار.
ومن تحصيل الحاصل القول: إن الخوارج ترفض مبدأ التَّقِيَّة؛ لأنها ترى فيه لونًا
من ألوان الشرك بالله؛ لأن الخوف عندها مرتبط فحسب بالله، أما غير ذلك فإن لديهم
من الإرادة والقوة والشجاعة ما يجعلهم يواجهون الدنيا كلها ما داموا مؤمنين بعدالة
قضيتهم.
المُرْجِئَة: جاء في (الملل والنحل) أن الإرجاء في اللغة على معنيين:
أحدهما:
بمعنى التأخير.
والثاني:
بمعنى إعطاء الرجاء.
أما إطلاق اسم المُرْجِئَة على الجماعة بالمعنى الأول
فصحيح؛ لأنهم كانوا يؤخرون العمل عن النية والعقد.
وأما المعنى الثاني فظاهر، فإنهم كانوا يقولون: لا تَضُرُّ
مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة.
وقيل: الإرجاء تأخير عليٍّ - رضي الله عنه - عن الدرجة
الأولى إلى الرابعة. [الملل والنحل: الشهرستاني، ص ١٤٢، نشره: عبد اللطيف العبد].
يقول مؤلف كتاب (مسائل في الإمامة): "إن المُرْجِئَةَ
جَماعةٌ وقفوا في أهل الصلاة لما رأوا اختلافهم وتباينهم في مذاهبهم وسفكهم
دماءهم، وإكفار بعضهم بعضًا، وأرجأوا أمرهم في الثواب والعقاب إلى الله - عز وجل -
وطمعوا في معرفته والدخول في جنته والمجاورة لأنبيائه، وزعموا أن أهل الصلاة كلهم
- على إكفارهم بعضهم بعضًا، وسفك دمائهم واختلافهم في مذاهبهم - مؤمنون، مستكملون
حقيقة الإيمان، وأن إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل، والملائكة المقريين، والأنبياء
المرسلين، وهؤلاء هم المُرْجِئَة، وتأولوا في مذهبهم هذا قول الله - عز وجل -:
{إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن
يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ
بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا}
[النساء آية٤٨]، وقوله سبحانه:
{فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ
* وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ} [الزلزلة: ٧-٨] ، قالوا: فأهل الصلاة مؤمنون بالله ورسوله وكتبه والبعث
والحساب والثواب والعقاب.
وقد قال الله - عز وجل: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ} [البقرة:١٤٣] [مسائل في الإمامة:
الناشئ الأكبر، ص ١٩ - ٢٠].
إنه يصعب على المرء أن يفهم موقف المُرْجِئَة دون أن
يحيط علمًا بحقيقة الإيمان.
{إِنَّ
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ}[البقرة:
٢٧٧]، هنا نجد أن الإيمان شيء وعمل الصالحات شيء آخر.
إن المُرْجِئَة ترى أنه لو كان الإيمانُ منقولًا من
اللغة إلى الشرع على الحد الذي يدعونه، لكان لا يثبت لهذا العطف معنى وليتنزل
منزلة قوله: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذلك مما لا وجه له [شرح الأصول الخمسة: ص٧٢٩]؛
لذلك قال: الإيمان لا ينتزع عند المُرْجِئَة بارتكاب المعصية ولا تُخرج الكبيرة
صاحبها من دائرة الإيمان.
والإيمان عند أهل السنة: قول وعمل والإيمان يزيد وينقص: {لِيَزۡدَادُوٓاْ
إِيمَٰنٗا مَّعَ إِيمَٰنِهِمۡۗ} [الفتح:
٤]، وقال تعالى:
{وَٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى
وَءَاتَىٰهُمۡ تَقۡوَىٰهُمۡ} [محمد:
١٧] كذلك ينبغي أن يكون معلومًا أن الإيمان مختلف عن الإسلام
{قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ
تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي
قُلُوبِكُمۡۖ} [الحجرات:
١٤]، إن كل مؤمنٍ مسلم، لكن ليس كل مسلم مؤمنًا.
ولما كان الإيمان يزيد وينقص ترتب على ذلك أن يكون
الثواب كذلك، المهم هو أن الإيمان - وبوجه عام - تصديق بالقلب وإقرار باللسان
والعمل بمقتضى التصديق والإقرار.
والسؤال الآن ما موقف المُرْجِئَة من قضية الإيمان؟
رفعت المُرْجِئَة شعارًا يدل على رأيها: هو أنه لا يضر مع الإيمان معصية، ولا ينفع مع الكفر
طاعة؛ لأن مرتكب الكبيرة عند المُرْجِئَة مؤمنٌ مُقر بوجودِ الله ورسوله وبكتابه،
وبما جاء به الرسول... ولهذا فإن من لم يعمل بما يؤمن به أو من يعمل بعض المعاصي
مع الإيمان فإن هذا لا يعني أن المؤمن لم يعد مؤمنًا؛ لأن المعصية لا تخرج صاحبها
عند المرجئة من دائرة الإيمان.
وقد ذكر صاحب: (الفَرْقُ بَيْنَ الفِرَق) أن المُرْجِئَة
ثلاثة أصناف:
صنف منهم قالوا: بالإرجاء في الإيمان وبالقدر على مذهب
القدرية المعتزلة.
وصنف منهم قالوا: بالإرجاء في الإيمان وبالجبر في
الأعمال على مذهب جهم...
وصنف ثالث خارجون عن الجبرية والقدرية. [الفرق بين الفرق: عبد القاهر البغدادي، ص
٢٠٢، محمد محي الدين عبد الحميد، مكتبة محمد علي صبيح وأولاده، القاهرة [د.ت]
لقد كان موقف المُرْجِئَة من مرتكب الكبيرة أو المعصية
موضع نقد من فئات غير قليلة من المسلمين، ولعل أبلغ من عبَّر عن هذا النقد
واستهجن، بل واستنكر موقف المُرْجِئَة الإمام محمد أبو زهرة حيث قال: "إنهم
– المُرْجِئَة - تجاوزوا الحد في الاستهانة بالعمل من حيث اتصاله بأصل الإيمان،
ومن حيث أثره في دخول الجنة إن كان صالحًا، ودخول النار إن كان غير صالح، بل كان
إثمًا منفيًا فاستهانوا أيضًا بأصل الإيمان فحرفوا حقيقته وجعلوه مجرد الإذعان القلبي،
وإن خالفته الجوارح وكانت كل الظواهر منه تدل على أنه لم يدخل قلبه إيمان وإذعان،
بل تجاوز ذلك إلى القول بأن الإذعان القلبي الذي اعتبروه وحده ركن الإيمان إلى
الشك في حقائق من المعلومات البدهية، على أنها ليست من جوهر الإيمان فادعوا أن
الجهل بالكعبة غير ضار بالإيمان، والجهل بحقيقة الخنزير غير ضار... إلخ". [تاريخ المذاهب الإسلامية: محمد أبو زهرة ١٢٥/١، دار الفكر العربي [د.ت].
المعتزلة:
ترى المعتزلة أن صاحب الكبيرة لا يكون مؤمنًا ولا كافرًا
ولا منافقًا، بل يكون فاسقًا.
وهذا المذهب أخذه واصل عن أبي هاشم عبد الله
بن محمد ابن الحنفية. [راجع
شرح الأصول الخمسة: ص١٣٧-١٣٨].
ويقول القاضي عبد الجبار: إن الحديث عن المنزلة
بين المنزلتين هو كلام في الأسماء والأحكام، كلام في أن صاحب الكبيرة له اسم
بين الاسمين، وحكم بين الحكمين، لا يكون اسمه الكافر ولا اسمه اسم المؤمن، وإنما يُسمى
فاسقًا.
وكذلك فلا يكون حُكمهُ حُكمُ الكافر، ولا حكم المؤمن، بل
يفرد له حكم ثالث، وهذا الحكم هو سبب تلقيب المسألة بالمنزلة بين المنزلتين، فإن
صاحب الكبيرة له منزلة تتجاذبها هاتان المنزلتان، فليست منزلته منزلة الكافر، ولا
منزلة المؤمن بل له منزلة بينهما. [المرجع السابق: ص٦٩٧]
على ضوء ذلك فإن المكلف إما أن يستحق الثواب بدرجاته حسب
الأعمالِ الصادرةِ عنه، أو يستحق العقاب بدرجاته، إن استحق العقاب العظيم فهو
كافر: إما منافق أو مرتد، أي: خرج عن الإيمان إلى الكفر كأن يتهود أو يتنصر أو
يتمجس (يصير مجوسيًا)، أما إذا استحق مرتكب الكبيرة عقابًا دون العقاب العظيم فإنه
يسمى فاسقًا، ويتبعه قولنا: متهتكٌ، ملعونٌ، فاجرٌ... [المرجع
السابق: ص٧١٧]
يؤكد ما نقوله من أن صاحب الكبيرة لا يُسمى مؤمنًا ما
ثبت أنه يستحق بارتكاب الكبيرة الذم واللعن والاستخفاف والإهانة، وثبت أن اسم
المؤمن صار بالشرع اسمًا لمن يستحق المدح والتعظيم والموالاة... وعلى ذلك فإن صاحب
الكبيرة لا يجوز أن يُسمى مؤمنًا.
ولقد أكد ذلك الإسفرائيني في كتابه (التبصير في الدين):
إن الفاسق عند المعتزلة لا هو مؤمنٌ ولا هو كافرٌ، وأنه إذا خرج من الدنيا قبل أن
يتوب عن ذنوبه يخلد في النار، ولا يجوز أن يغفر الله له البتة أو يرحمه، أي: إن مرتكب
الكبيرة يُشبه المؤمن في عَقده، ولا يُشبهه في عمله، ولكونه يُشبه الكافر في عمله
ولا يُشبهه في عَقْده أصبح وسطًا بين الاثنين، أي: وسطًا بين الكفر وبين الإيمان، ولهذا
ذهب المعتزلة إلى أن عذابه سيكون أقل من عذاب الكافر. [راجع علم الكلام ومدارسه: فيصل عون ص ٢٦٤،
وراجع د. علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ٤٣٩/١، دار المعارف،
الطبعة التاسعة].
لقد رفضت المعتزلة أن تطلق على صاحب الكبيرة اسم "كافر"
لعدة أسباب لعل منها:
أن الصحابة جميعًا اتفقوا على أن صاحب الكبيرة لا يُحرم
من الميراث، ولا يُمنع من المُنَاكَحة والدَّفْن في مقابر المسلمين.
ومنها أيضًا: أن عَليًّا بن أبي طالب حينما قاتل الخوارج قال في
حقهم: "كانوا إخواننا بالأمس بَغُوا علينا" ولهذا أطلق الإمامُ عليٌّ
عليهم أنَهم بُغاة، وأضاف أنهم ليسوا مسلمين؛ لأنهم لو كانوا كذلك ما قاتلناهم!!
أضف إلى هذا أن آية اللعان تؤكد عدم كفر أحد الزوجين؛ لأن القذفَ لو
كان كُفرًا لكان لا بُدَ من أن يخرج أحد الزوجين بفسقه عن الإسلام فتنقطع بينهما
عصمة الزوجية، ومن ثَمَّ لا يحتاج إلى اللعان. [راجع
عن اللعان بشيء من التفصيل: كشاف اصطلاحات الفنون: التهانوي ٩/١٣٢، دار قهرمان
للنشر والتوزيع، ١٤٠٤هـ ١٩٨٤م]
ويبدو أن القاضي عبد الجبار أدرك أن المنزلة
بين المنزلتين لم تعد مشكلة وحسب، ولكنها أيضًا أضحت إشكالية كبيرة، لقد بان
أنها من جملة المسائل الشائكة التي يصعب - إن لم يكن من المحال على العقل -
الإدلاء فيها برأي يكون هو فصل المقال.
لذلك قال القاضي: "اعلم أن هذه مسألة شَرعيةٌ لا
مجال للعقل فيها؛ لأنها كلامٌ في مقادير الثواب والعقاب، وهذا لا يُعلم عقلًا،
وإنما المعلوم عقلًا أنه إذا كان الثواب أكثر من العقاب فإن العقاب مُكفر في جنبه،
وإن كان أقل منه فإنه يكون مُحْبِطًا في جنب ذلك العقاب...
فأما أن ثواب بعض الطاعات أكبر من ثواب البعض أو عقاب
بعض المعاصي أعظم من بعض، فإن ذلك مما لا مدخل للعقل فيه، بل لو خلينا وقضية
العقل، لجوَّزنا أن يكون ثواب الإحسان إلى الغير بدرهمٍ أعظمُ من ثواب الشهادتين،
وأن يكون عقابُ شُرْبِ الخمر أعظمُ من عقاب استحلالها، فحصل من هذه الجملة أن هذه
المسألة مما لا سبيل للعقل فيها وإنما هي مسألة شرعية على ما قلناه". [شرح الأصول الخمسة: ص٣٨ ١-٣٩ ١]
وسؤالنا الآن للقاضي ولمن تابعه: إذا كانت المنزلة
بين المنزلتين هي مسألة شرعية لا دخل للعقل فيها... فلماذا خاضت المعتزلة كل
هذه المعارك الفكرية وكتبت عشرات الكتب في قضية انتهت إلى أنها شرعية، وأن الأمر
فيها يعود لله سبحانه، وباختصار إنها فوَّضت الأمر لله حينما مضت إلى أن هذه
المسألة لا تُعْلَم عقلًا... وأنها مما لا دخل للعقل فيها!!!