Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

المنزلة بين المنزلتين

الكاتب

أ.د/ فيصل عون

المنزلة بين المنزلتين

مسألة "المنزلة بين المنزلتين" من المسائل التي اختلفت أنظار العلماء إليها، نستعرض هذه المسألة التي تبين موقف الفرق المختلفة مثل المعتزلة، الخوارج، المرجئة، وأهل السنة من مرتكب الكبيرة، كما نعرض لمفهوم الإيمان، وتأثيره على بعض من المفاهيم الأساسية كالفسق، والتكفير، والثواب والعقاب، والعدل الإلهي، مع عرض منهج كل مدرسة كلامية من هذه المفاهيم.

نشأة المعتزلة ومسألة المنزلة بين المنزلتين

ارتبط مصطلح المنزلة بين المنزلتين بمدرسة المعتزلة، وبتعبير أدق بنشأة المعتزلة كمدرسة كلامية لها ملامحها الفكرية الخاصة.

وقصة الحديث عن تسمية المعتزلة بأنهم القائلون بـالمنزلة بين المنزلتين قصة شائعة ومشهورة، فقد دخل على الحسن البصري رجل، فقال: يا إمام الدين، ظهر في زماننا جماعة يكفرون صاحب الكبيرة يعني وعيدية الخوارج، وجماعة أخرى يرجئون الكبائر، ويقولون: لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة، فكيف تحكم لنا أن نعتقد في ذلك، ففكر الحسن، وقبل أن يجيب قال واصل: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلق، ولا كافر مطلق.

ثم قام إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد، وأخذ يقرر على جماعة من أصحاب الحسن ما أجاب به من أن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا بكافر، ويثبت له المنزلة بين المنزلتين قائلًا: "إن المؤمن اسم مدح والفاسق لا يستحق المدح فلا يكون مؤمنًا، وليس بكافرٍ أيضًا؛ لإقراره بالشهادتين، ولوجود سائر أعمال الخير فيه، فإذا مات بلا توبةٍ خُلِّد في النار، إذ ليس في الآخرة إلا فريقان: فريقٌ في الجنةِ وفريقٌ في السعير". [عضد الدين الإيجي: المواقف مع حاشيته للسيالكوتي وحسن جلبي، المجلد الثاني ص ٤٧٩، دار الطباعة العامرة، طبع حجر [د.ت]، وراجع الشهرستاني: الملل والنحل، تحقيق محمد بن فتح الله بدران، ٥٢/١، الأنجلو المصرية. القاهرة ١٩٥٦م].

وقد أشار إلى هذه المسألة الأستاذ "نلينو" حيث قال: "الواقع أن الباحثين لم ينتبهوا، حتى الآن انتباهًا كافيًا إلى مسألة خطيرة كل الخطورة، تلك هي أن المؤلفين العرب - على اختلاف آرائهم في أصل تسمية المعتزلة ومعناها الأول - يكادون يتفقون على أن الخلاف بين أهل السنة وبين مؤسسي مذهب المعتزلة (واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد) إنما نشأ حينما احتدم النزاع، واشتدت الخصومة بين  الخوارج ومتكلمي أهل السنة حول مسألة مرتكب الكبيرة، من جراء الثورات الخطيرة التي قام بها الخوارج، ذلك النزاع الذي لم يعن حالة المذنب في الحياة الآخرة فحسب، بل كانت له نتائج حيوية خطيرة من الوجهتين: العلمية والسياسية.

ذلك أنا لو سلمنا بمذهب الخوارج في اعتبار مرتكب الكبيرة كافرًا، لكانت النتيجة أن يعتبر خارجًا على الأمة الإسلامية، وأن يعتبر زواجه بمؤمنةٍ باطلًا، وألا تقبل له شهادة، وأن يستباح دمه وماله.

ثم من الناحية السياسية يصبح خلفاء بني أمية وعمالهم وأنصارهم عاصين لله، يجب على كل مسلم حقًا أن يثور عليهم ويحاربهم.

وعلى العكس من ذلك يُسقط هذا التشدد وذلك التحريض على الثورة ضرورةً إذا أخذنا بمذهب أهل السنة في أن الفاسق مع ذلك مؤمن، وله من أجل ذلك أن يتمتع بكل الحقوق التي لكل عضو في الأمة الإسلامية، اللهم إلا في حالات ضئيلة.

ويضيف "نلينو" قوله: "في هذه المسألة التي كانت موضوع مناقشات عنيفة في النصف الثاني من القرن الأول لما لها من نتائج سياسية وعملية، كان خلاف واصل وعمرو بن عبيد مع أهل السنة، وبسببها كان اعتزالهما إياهم؛ ذلك أنهما وقفا موقفًا وسطًا شبه حيادي بين الرأيين المتعارضين: رأي الخوارج ورأي أهل السنة، وقالا: "إن الفاسق، أو صاحب الكبيرة، أو مرتكب الكبائر ليس بمؤمن ولا كافر، وإنما هو في منزلة بين المنزلتين". [نلينو -كرلو ألفونسو-: بحوث في المعتزلة، ص١٨٠-١٨١ من كتاب: التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية ترجمة د. عبد الرحمن بدوي، ط النهضة العربية ٢٣٩/٤].

  • ومصطلح المنزلة بين المنزلتين هو الوجه الآخر لمسألة الأسماء والأحكام:

والمقصود بذلك أن كل من ارتكب كبيرة ما اسمه وما حكمه، هل هو مؤمن، أم كافر، أم فاسق، أم عاصي، أم مخطئ... ومن ثَمَّ ما هو الحكم الذي يترتب على ذلك أو إن شئت ما توابع هذا الحكم على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي ...إلخ.

كذلك فإن مشكلة المنزلة بين المنزلتين لا يمكن علاجها إلا من خلال مفهوم الإيمان الذي اختلف المتكلمون فيما بينهم في تحديده، فقد تساءلت كل الفرق عن حقيقة الإيمان هل هو معرفة الله فقط أم معرفة الله والإقرار بذلك، هل الإيمان إقرار بالقلب فحسب، أم إقرار بالقلب واللسان، وهل الإيمان إقرار مجرد أم أنه قول وعمل... إلخ. [راجع أصول الدين: أبو اليسر البزدوي، ص ١٤٨ وما بعدها، المكتبة الأزهرية للتراث، حققه هانز بينزلنس، القاهرة ١٤٢٤ هـ -٢٠٠٣ م، وراجع د. سميرة فرحات: معجم الباقلاني في كتبه الثلاثة: التمهيد، الإنصاف، البيان، ص ٦٥، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، ط١ بيروت لبنان، ١٤١١هـ -١٩٩١م]

ونحن من جهتنا لن نتوسع في الحديث عن الإيمان حيث يمكن الرجوع إلى ذلك في هذه الموسوعة.

نعود لنقول: إن الأصل في الحديث عن عبارة "المنزلة بين المنزلتين" أنها تستعمل في شيء بين شيئين ينجذب إلى كل واحد منهما بشبه... هذا هو المعنى اللغوي.

  • أما المعنى الاصطلاحي فهو:

إن لصاحب الكبيرة اسمًا بين اسمين وحكمًا بين حكمين، وقد تباينت وجهة نظر علماء الكلام في مسألة الأسماء والأحكام أو لِنَقُل في مرتكب الكبيرة... وهل هو في منزلة بين المنزلتين أم لا؟

رأي الخوارج والمرجئة والمعتزلة في المسالة

الخوارج: يرى الخوارج أن مرتكب الكبيرة كافرٌ؛ لأن الإيمان عندهم قولٌ وعملٌ ليس هناك فصلٌ بين الأعمال وبين الإيمان لا ينبغي أن يقف الإيمان عند حدود القلب وشهادة اللسان، بل ينبغي - وهذا أساسُ الإيمان - أن يمتد إلى الجوارح.

والإيمان علم كما قلنا، وعمل بحسب العلم، ومن الواضح أن الخوارج تقول: إن الفاسقَ كافرٌ وليس في منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان، وينبغي أن يطبق على الفاسق ما يطبق على الكافر. [علم الكلام ومدارسه: فيصل عون، ص ٨٦-٨٧، مكتبة الأنجلو المصرية، ط القاهرة ٢٠٠٨ م]

إن من ينحرف في عمله عن الصراط المستقيم فهو كافرٌ ومن زَلَّ زَلَّةً فقد مَرَقَ من الإسلام ولا يجدد إيمانه إلا بتوبةٍ علنيةٍ وعودةٍ قويةٍ إلى الإسلام.

 إن الأمور كلها حلال أو حرام، وليس ثمة أمورٌ لا هي حلالٌ ولا هي حرامٌ كيف؟ [الخوارج والشيعة: يوليوس فلهوزن، ص ٤٦، ترجمة د. عبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت، ط٣ ١٩٧٨م].

ولهذا فإن الفضيلة عند الخوارج ليست وسطًا بين طرفين، إن الفعل إما أن يكون فاضلًا أو غير فاضلٍ، ثمة صوابٌ وخطأ فحسب، يوجد مؤمنٌ وكافرٌ، حلالٌ وحرامٌ، أما غير ذلك فلا، إن الخطأ خطأ فحسب، ليس ثمة خطأ كبيرٌ وخطأ صغيرٌ؛ لذلك كفرت الخوارج كل من ارتكب إثمًا أيًّا كان هذا الإثم، وأيًّا كان من ارتكبه فلا ينبغي أن نتهاون في أي حق من حقوق الله؛ لأن معظم النارِ كانت من صغار الشررِ، وكل حسنة تأكلها وتمحوها سيئة.

وفي هذا يرى الخوارج أن كل من خالفهم الرأي مُشركٌ، وأن مرتكب الكبيرة مشركٌ، وأن من رفض القتال معهم وفضل البقاء في بيته (قعد عن القتال) فهو مشركٌ، بل إن كل من ترك شيئًا من الطاعات التي أمر الله بها فهو مشركٌ، ومن ثم يُعَدُّ كافرًا مصيره النار". [أصول الدين: عبد القاهر البغدادي، ص ٣٣٢، إستانبول، ط١ ١٣٤٦هـ -١٩٢٨م]، وزعموا أن مرتكبي الكبائر مخلدون في النار.

ومن تحصيل الحاصل القول: إن الخوارج ترفض مبدأ التَّقِيَّة؛ لأنها ترى فيه لونًا من ألوان الشرك بالله؛ لأن الخوف عندها مرتبط فحسب بالله، أما غير ذلك فإن لديهم من الإرادة والقوة والشجاعة ما يجعلهم يواجهون الدنيا كلها ما داموا مؤمنين بعدالة قضيتهم.

المُرْجِئَة: جاء في (الملل والنحل) أن الإرجاء في اللغة على معنيين:

 أحدهما: بمعنى التأخير.

والثاني: بمعنى إعطاء الرجاء.

أما إطلاق اسم المُرْجِئَة على الجماعة بالمعنى الأول فصحيح؛ لأنهم كانوا يؤخرون العمل عن النية والعقد.

وأما المعنى الثاني فظاهر، فإنهم كانوا يقولون: لا تَضُرُّ مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة.

وقيل: الإرجاء تأخير عليٍّ - رضي الله عنه - عن الدرجة الأولى إلى الرابعة. [الملل والنحل: الشهرستاني، ص ١٤٢، نشره: عبد اللطيف العبد].

يقول مؤلف كتاب (مسائل في الإمامة): "إن المُرْجِئَةَ جَماعةٌ وقفوا في أهل الصلاة لما رأوا اختلافهم وتباينهم في مذاهبهم وسفكهم دماءهم، وإكفار بعضهم بعضًا، وأرجأوا أمرهم في الثواب والعقاب إلى الله - عز وجل - وطمعوا في معرفته والدخول في جنته والمجاورة لأنبيائه، وزعموا أن أهل الصلاة كلهم - على إكفارهم بعضهم بعضًا، وسفك دمائهم واختلافهم في مذاهبهم - مؤمنون، مستكملون حقيقة الإيمان، وأن إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل، والملائكة المقريين، والأنبياء المرسلين، وهؤلاء هم المُرْجِئَة، وتأولوا في مذهبهم هذا قول الله - عز وجل -: {إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا} [النساء آية٤٨]، وقوله سبحانه: {فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ * وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ} [الزلزلة: ٧-٨]  ، قالوا: فأهل الصلاة مؤمنون بالله ورسوله وكتبه والبعث والحساب والثواب والعقاب.

وقد قال الله - عز وجل: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ} [البقرة:١٤٣] [مسائل في الإمامة: الناشئ الأكبر، ص ١٩ - ٢٠].  

إنه يصعب على المرء أن يفهم موقف المُرْجِئَة دون أن يحيط علمًا بحقيقة الإيمان.

{إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ}[البقرة: ٢٧٧]، هنا نجد أن الإيمان شيء وعمل الصالحات شيء آخر.

إن المُرْجِئَة ترى أنه لو كان الإيمانُ منقولًا من اللغة إلى الشرع على الحد الذي يدعونه، لكان لا يثبت لهذا العطف معنى وليتنزل منزلة قوله: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذلك مما لا وجه له [شرح الأصول الخمسة: ص٧٢٩]؛ لذلك قال: الإيمان لا ينتزع عند المُرْجِئَة بارتكاب المعصية ولا تُخرج الكبيرة صاحبها من دائرة الإيمان.

والإيمان عند أهل السنة: قول وعمل والإيمان يزيد وينقص: {لِيَزۡدَادُوٓاْ إِيمَٰنٗا مَّعَ إِيمَٰنِهِمۡۗ} [الفتح: ٤]، وقال تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى وَءَاتَىٰهُمۡ تَقۡوَىٰهُمۡ} [محمد: ١٧] كذلك ينبغي أن يكون معلومًا أن الإيمان مختلف عن الإسلام {قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ} [الحجرات: ١٤]، إن كل مؤمنٍ مسلم، لكن ليس كل مسلم مؤمنًا.

ولما كان الإيمان يزيد وينقص ترتب على ذلك أن يكون الثواب كذلك، المهم هو أن الإيمان - وبوجه عام - تصديق بالقلب وإقرار باللسان والعمل بمقتضى التصديق والإقرار.

والسؤال الآن ما موقف المُرْجِئَة من قضية الإيمان؟

رفعت المُرْجِئَة شعارًا يدل على رأيها: هو أنه لا يضر مع الإيمان معصية، ولا ينفع مع الكفر طاعة؛ لأن مرتكب الكبيرة عند المُرْجِئَة مؤمنٌ مُقر بوجودِ الله ورسوله وبكتابه، وبما جاء به الرسول... ولهذا فإن من لم يعمل بما يؤمن به أو من يعمل بعض المعاصي مع الإيمان فإن هذا لا يعني أن المؤمن لم يعد مؤمنًا؛ لأن المعصية لا تخرج صاحبها عند المرجئة من دائرة الإيمان.

وقد ذكر صاحب: (الفَرْقُ بَيْنَ الفِرَق) أن المُرْجِئَة ثلاثة أصناف:

صنف منهم قالوا: بالإرجاء في الإيمان وبالقدر على مذهب القدرية المعتزلة.

وصنف منهم قالوا: بالإرجاء في الإيمان وبالجبر في الأعمال على مذهب جهم...

وصنف ثالث خارجون عن الجبرية والقدرية. [الفرق بين الفرق: عبد القاهر البغدادي، ص ٢٠٢، محمد محي الدين عبد الحميد، مكتبة محمد علي صبيح وأولاده، القاهرة [د.ت]

لقد كان موقف المُرْجِئَة من مرتكب الكبيرة أو المعصية موضع نقد من فئات غير قليلة من المسلمين، ولعل أبلغ من عبَّر عن هذا النقد واستهجن، بل واستنكر موقف المُرْجِئَة الإمام محمد أبو زهرة حيث قال: "إنهم – المُرْجِئَة - تجاوزوا الحد في الاستهانة بالعمل من حيث اتصاله بأصل الإيمان، ومن حيث أثره في دخول الجنة إن كان صالحًا، ودخول النار إن كان غير صالح، بل كان إثمًا منفيًا فاستهانوا أيضًا بأصل الإيمان فحرفوا حقيقته وجعلوه مجرد الإذعان القلبي، وإن خالفته الجوارح وكانت كل الظواهر منه تدل على أنه لم يدخل قلبه إيمان وإذعان، بل تجاوز ذلك إلى القول بأن الإذعان القلبي الذي اعتبروه وحده ركن الإيمان إلى الشك في حقائق من المعلومات البدهية، على أنها ليست من جوهر الإيمان فادعوا أن الجهل بالكعبة غير ضار بالإيمان، والجهل بحقيقة الخنزير غير ضار... إلخ". [تاريخ المذاهب الإسلامية: محمد أبو زهرة ١٢٥/١، دار الفكر العربي [د.ت].

المعتزلة:

ترى المعتزلة أن صاحب الكبيرة لا يكون مؤمنًا ولا كافرًا ولا منافقًا، بل يكون فاسقًا.

وهذا المذهب أخذه واصل عن أبي هاشم عبد الله بن محمد ابن الحنفية. [راجع شرح الأصول الخمسة: ص١٣٧-١٣٨].

ويقول القاضي عبد الجبار: إن الحديث عن المنزلة بين المنزلتين هو كلام في الأسماء والأحكام، كلام في أن صاحب الكبيرة له اسم بين الاسمين، وحكم بين الحكمين، لا يكون اسمه الكافر ولا اسمه اسم المؤمن، وإنما يُسمى فاسقًا.

وكذلك فلا يكون حُكمهُ حُكمُ الكافر، ولا حكم المؤمن، بل يفرد له حكم ثالث، وهذا الحكم هو سبب تلقيب المسألة بالمنزلة بين المنزلتين، فإن صاحب الكبيرة له منزلة تتجاذبها هاتان المنزلتان، فليست منزلته منزلة الكافر، ولا منزلة المؤمن بل له منزلة بينهما. [المرجع السابق: ص٦٩٧]

على ضوء ذلك فإن المكلف إما أن يستحق الثواب بدرجاته حسب الأعمالِ الصادرةِ عنه، أو يستحق العقاب بدرجاته، إن استحق العقاب العظيم فهو كافر: إما منافق أو مرتد، أي: خرج عن الإيمان إلى الكفر كأن يتهود أو يتنصر أو يتمجس (يصير مجوسيًا)، أما إذا استحق مرتكب الكبيرة عقابًا دون العقاب العظيم فإنه يسمى فاسقًا، ويتبعه قولنا: متهتكٌ، ملعونٌ، فاجرٌ... [المرجع السابق: ص٧١٧]

يؤكد ما نقوله من أن صاحب الكبيرة لا يُسمى مؤمنًا ما ثبت أنه يستحق بارتكاب الكبيرة الذم واللعن والاستخفاف والإهانة، وثبت أن اسم المؤمن صار بالشرع اسمًا لمن يستحق المدح والتعظيم والموالاة... وعلى ذلك فإن صاحب الكبيرة لا يجوز أن يُسمى مؤمنًا.

ولقد أكد ذلك الإسفرائيني في كتابه (التبصير في الدين): إن الفاسق عند المعتزلة لا هو مؤمنٌ ولا هو كافرٌ، وأنه إذا خرج من الدنيا قبل أن يتوب عن ذنوبه يخلد في النار، ولا يجوز أن يغفر الله له البتة أو يرحمه، أي: إن مرتكب الكبيرة يُشبه المؤمن في عَقده، ولا يُشبهه في عمله، ولكونه يُشبه الكافر في عمله ولا يُشبهه في عَقْده أصبح وسطًا بين الاثنين، أي: وسطًا بين الكفر وبين الإيمان، ولهذا ذهب المعتزلة إلى أن عذابه سيكون أقل من عذاب الكافر. [راجع علم الكلام ومدارسه: فيصل عون ص ٢٦٤، وراجع د. علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ٤٣٩/١، دار المعارف، الطبعة التاسعة].

لقد رفضت المعتزلة أن تطلق على صاحب الكبيرة اسم "كافر" لعدة أسباب لعل منها:

أن الصحابة جميعًا اتفقوا على أن صاحب الكبيرة لا يُحرم من الميراث، ولا يُمنع من المُنَاكَحة والدَّفْن في مقابر المسلمين.

ومنها أيضًا: أن عَليًّا بن أبي طالب حينما قاتل الخوارج قال في حقهم: "كانوا إخواننا بالأمس بَغُوا علينا" ولهذا أطلق الإمامُ عليٌّ عليهم أنَهم بُغاة، وأضاف أنهم ليسوا مسلمين؛ لأنهم لو كانوا كذلك ما قاتلناهم!!

أضف إلى هذا أن آية اللعان تؤكد عدم كفر أحد الزوجين؛ لأن القذفَ لو كان كُفرًا لكان لا بُدَ من أن يخرج أحد الزوجين بفسقه عن الإسلام فتنقطع بينهما عصمة الزوجية، ومن ثَمَّ لا يحتاج إلى اللعان. [راجع عن اللعان بشيء من التفصيل: كشاف اصطلاحات الفنون: التهانوي ٩/١٣٢، دار قهرمان للنشر والتوزيع، ١٤٠٤هـ ١٩٨٤م]

ويبدو أن القاضي عبد الجبار أدرك أن المنزلة بين المنزلتين لم تعد مشكلة وحسب، ولكنها أيضًا أضحت إشكالية كبيرة، لقد بان أنها من جملة المسائل الشائكة التي يصعب - إن لم يكن من المحال على العقل - الإدلاء فيها برأي يكون هو فصل المقال.

لذلك قال القاضي: "اعلم أن هذه مسألة شَرعيةٌ لا مجال للعقل فيها؛ لأنها كلامٌ في مقادير الثواب والعقاب، وهذا لا يُعلم عقلًا، وإنما المعلوم عقلًا أنه إذا كان الثواب أكثر من العقاب فإن العقاب مُكفر في جنبه، وإن كان أقل منه فإنه يكون مُحْبِطًا في جنب ذلك العقاب...

فأما أن ثواب بعض الطاعات أكبر من ثواب البعض أو عقاب بعض المعاصي أعظم من بعض، فإن ذلك مما لا مدخل للعقل فيه، بل لو خلينا وقضية العقل، لجوَّزنا أن يكون ثواب الإحسان إلى الغير بدرهمٍ أعظمُ من ثواب الشهادتين، وأن يكون عقابُ شُرْبِ الخمر أعظمُ من عقاب استحلالها، فحصل من هذه الجملة أن هذه المسألة مما لا سبيل للعقل فيها وإنما هي مسألة شرعية على ما قلناه". [شرح الأصول الخمسة: ص٣٨ ١-٣٩ ١]

وسؤالنا الآن للقاضي ولمن تابعه: إذا كانت المنزلة بين المنزلتين هي مسألة شرعية لا دخل للعقل فيها... فلماذا خاضت المعتزلة كل هذه المعارك الفكرية وكتبت عشرات الكتب في قضية انتهت إلى أنها شرعية، وأن الأمر فيها يعود لله سبحانه، وباختصار إنها فوَّضت الأمر لله حينما مضت إلى أن هذه المسألة لا تُعْلَم عقلًا... وأنها مما لا دخل للعقل فيها!!!

رأي أهل السنة" الأشاعرة والماتريدية" في مرتكب الكبيرة

الأشاعرة:

أما عن موقف الأشاعرة فإنه مُبَاينٌ لما قاله الخوارج والمعتزلة بوجه خاص.

يقول الأشعري: "إن الإيمان هو التصديق بالله... وأن الفاسق عنده مؤمنٌ بإيمانه فاسقٌ بفسقه وكبيرته، فمن كان منه الإيمان فهو مؤمن، ولوكان الفاسق لا مؤمنًا ولا كافرًا لم يكن منه كفرٌ ولا إيمانٌ، ولكان لا مٌوحدًا ولا مٌلحدًا، ولا وَليًّا ولا عَدوًا، فكما استحال ذلك استحال أن يكون الفاسق لا مؤمنًا ولا كافرًا كما قالت المعتزلة". [كتاب اللمع: أبو الحسن الأشعري، ص ١٢٣-١٢٤، تحقيق د. حمودة غرابة، مكتبة الخانجي، القاهرة ١٩٥٥م]

ويقول الجويني: "إن من مذهب أهل الحق (الأشاعرة) وصف الفاسق بكونه مؤمنًا، والدليل على تسميته مؤمنًا من حيث اللغة أنه مُصدِّق على التحقيق، وآية ذلك في الشرع أن الأحكام الشرعية المقيدة بخطاب المؤمنين تتوجه على الفسقة توجهها على الأتقياء إجماعًا.

والفاسق يَجري مجرى المؤمن في أحكامه: فيُسهَم له من المغنم، ويصرف إليه سهم المصالح، ويذب عنه، ويدفن في مقابر المسلمين، ويُصلى عليه، وكل ذلك يقطع بكونه منهم". [الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد: الجويني، ص٣٩٧، تحقيق د. محمد يوسف موسى، ١٠٦٥ وعلي عبد المنعم، مكتبة الخانجي، القاهرة ١٣٦٩ هـ ـ ١٩٥٠م].

إن المؤمن إذا ارتكب عند الأشاعرة معصية فإنها لا تجعله كما أشرنا كافرًا، بل إنه يظل مؤمنًا مخطئًا... ويميز الأشعري بين خروج الإنسان من الكفر وبين أن يكون مؤمنًا فعنده أن من اعتقد الحق ليس بكافرٍ؛ لأن الاعتقاد في الحق وفي التوبة مُنافٍ للكفر، لكن اعتقاده هذا وحده لا يكفي لكي نَعُدُّه مُؤمنًا، ولذلك يقول: إن المرء لا يستحق اسم المؤمن وحده إلا إذا عرف الحق في حدوث العالم، وتوحيد خالقه وصانعه، وفي صحة النبوة ببعض أدلته سواء أحسن صاحبها العبارة عن الدلالة أو لم يحسنها... وليس المعتقد للحق بالتقليد عنده مشركًا ولا كافرًا، وإن لم يسمه على الإطلاق مؤمنًا، وقياس أصله، يقتضي جواز المغفرة له؛ لأنه غير مشرك ولا كافر. [أصول الدين: البغدادي، ص٢٤٨ - ٢٤٩، وراجع: تحقيق فيصل عون، علم الكلام ومدارسه ص :٣٢١]

الماتريدية:

ترى الماتريدية أن المرء إما أن يكون مؤمنًا أو كافرًا... {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ فَمِنكُمۡ كَافِرٞ وَمِنكُم مُّؤۡمِنٞۚ} [التغابن: ٢]، أما غير ذلك من أسماء فإن الماتريدية لا ترى ما تراه بعض الفرق الأخرى.

وموقف الماتريدية هنا ينطلق من تحديدها لمفهوم الإيمان الذي هو عندها تصديق بالقلب: أحق ما يكون الإيمان بالقلب وبالسمع والعقل جميعًا.

أما السمع فنجد قول الحق: {قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ} [الحجرات: ١٤]، هذه الآية تدل على أن الإيمان ليس قولًا باللسان ولكن بالقلب في المقام الأول.

وكذلك قول الحق سبحانه {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ مُهَٰجِرَٰتٖ فَٱمۡتَحِنُوهُنَّۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِهِنَّۖ} [الممتحنة: ١٠]، والمغزى: أن الله أعلم إذا كُنَّ مُؤمنات أم لا، مع أنهن - أمام الناس جميعًا - مُؤمنات مُهاجرات. [علم الكلام ومدارسه: فيصل عون، ص٣٨]

يقول البزدوي: إن الإيمان قولٌ وعملٌ ولا يكفرُ أحدٌ بترك الطاعات؛ لأن الإيمان هو التصديق، والتصديق كما يكون بالقلب يكون باللسان، وباللسان أبلغ، فيكون كل واحد منهما ركنًا من الباب، فلا يوجد الإيمان إلا بهما، إلا عند الضرورة والعجز فإنه يكتفي بأحدهما [أصول الدين: أبو اليسر البزدوي، ص١٥١، تحقيق: هانز بينزلنس، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة ٢٠٠٦م]

ويقول النسفي: "الإيمان هو التصديق، فمن كان مُصدِّقًا كان مُؤمنًا سواءٌ وُجِدَ منه التصديق عن الدليل أو عن غير الدليل". [تبصرة الأدلة: أبو المعين النسفي ج١، ص ٢٥، تحقيق كلود سلامة ج١ المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية، دمشق ١٩٩٠م وراجع الفرق بين الفرق للبغدادي، ص٣٥]

ولهذا فإن من هذا حاله إذا أخطأ أو عصى الله، فإن هذه المعصية لا تُخرج صاحبها من دائرة الإيمان، وقد استدلت الماتريدية في هذا الصدد بعدة آيات منها قوله سبحانه: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفۡعَلُونَ} [الصف: ٢]، وقوله سبحانه: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ}[الحجرات: ٩]، فمن المعلوم أن إحدى الطائفتين على حق والأخرى على باطل، وقد تكونان معًا على غير حق، ومع هذا كان خطاب القرآن الكريم لهما بحسبانهما من جملة المؤمنين: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ} [الممتحنة: ١]، إن مُرتكب الكبيرة ومن واقع قراءة النص بفهم من المؤمنين، وإذا كان قد أخطأ فإن هذا الخطأ لا يخرجه من دائرة الإيمان، بل هو "مُؤْمِنٌ كَامِلَ الإِيمَانِ".

وإذا كان هذا المؤمن قد أخطأ فإن الأمر متروك لله: إن شاء حاسبه، وإن شاء عفا عنه؛ لأن الخطأ هنا قد يكون راجعًا لجهلٍ أو سهوٍ، أو سُوء تقديرٍ أو لِغَفْلَةٍ أو لضرورةٍ أو لترصدٍ وسبق إصرار... وهذا كله لا يعلمه حق العلم إلا الله.

بقي أن أشير إلى أن البزدوي قال في كتابه أصول الدين: "إن أهل الكبائر لا يخلدون في النار، وإن خرجوا من الدنيا من غير توبة، ولله تعالى فيهم مشيئة: إن شاء غفر لهم بشفاعة شفيع ولا يدخلهم النار، وإن شاء أدخلهم النار ويحبسون فيها على ما يريد، ثم يخرجهم فيدخلهم الجنة بشفاعة شفيع أو من غير شفاعة شفيع، ولا يخلدهم في النار البتة.

وأما أهل الصغائر فإن صغائرهم تصير مغفورة بالحسنات وهي الصلوات الخمس وغيرها من الحسنات". [أصول الدين: البزدوي ص ١٣٥، وكذلك الأشعري في كتابه "أصول أهل السنة والجماعة"، المسماة برسالة أهل الثغر، ص٨٨-٨٩، المكتبة الأزهرية للتراث، ط١، ١٤١٧هـ ١٩٩٧م.، وراجع فيصل عون: علم الكلام ومدارسه، ص ٣٨١-٣٨٢]

الخلاصة

مسألة "المنزلة بين المنزلتين" تبنّتها فرقة المعتزلة، التي ترى أن مرتكب الكبيرة ليس بِمُؤْمِنٍ ولا كافرٍ، فلا هو مؤمن كامل، ولا كافر مطلق، وهذه "المنزلة بين المنزلتين"، بينما الخوارج يَكفِّرون مرتكب الكبيرة ويعتبرونه كافرًا مخلدًا في النار، أما المرجئة يؤجلون الحكم عليه ويجعلونه مؤمنًا مهما كان ذنبه، أما أهل السنة من الأشاعرة والماتريدية فهم يرفضون هذا التقسيم، ويرون مرتكب الكبيرة مؤمنًا صحيح الإيمان، ويظل في دائرة الإيمان وإن فعل الكبائر أو ما يفسق به، وهذه المسألة تؤكد على أهمية الوسطية والتوازن في فهم الإيمان وعلاقة العمل به، وتحذّر من التطرف الذي قد يقود إلى تكفير الناس.

موضوعات ذات صلة

هم أوّلُ مذهبٍ في علمِ الكلامِ الإسلاميّ، بدأ في النصفِ الأوّلِ من القرنِ الثاني الهجريّ.

كلام الله المعجز المنزل على سيدنا محمد ، هو هداية شاملة للبشرية ومعجزة خالدة تثبت صدق الرسالة.

اللوح المحفوظ من المفاهيم الإسلامية العميقة التي تعكس علم الله المطلق.

موضوعات مختارة