بالنظر تتجلى أولى بوادر التكليف في الفكر الإسلامي، حيث يبدأ العقل رحلته نحو اليقين، فهو أداة الوصول إلى الحق، وأساس الحُجّة، ومفتاح فهم الوحي وإقامة الدليل.
بالنظر تتجلى أولى بوادر التكليف في الفكر الإسلامي، حيث يبدأ العقل رحلته نحو اليقين، فهو أداة الوصول إلى الحق، وأساس الحُجّة، ومفتاح فهم الوحي وإقامة الدليل.
المعنى اللغوي: تحمل كلمة (النظر) في اللغة معاني مختلفة ذكرها كثير من المحققين أكثرها إيضاحًا وشمولًا ما ذكره صاحب (شرح الأصول الخمسة) بقوله: "إن النظر لفظة مشتركة بين معان كثيرة: فقد يذكر ويراد به تقليب الحدقة الصحيحة نحو المرئي التماسًا لرؤيته تقول العرب: نظرت إلى الملال فلم أره، وقد يذكر ويراد به الانتظار، قال الله تعالى: {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: ٢٨٠] أي انتظار، وقال: {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل: ٣٥] أي: منتظرة، وقال العبدي أو الممزق:
فإن يك صدر هذا اليوم *** ولّى فإن غدًا لناظره قريب
أي: لمنتظره، وقال الفقعسي: فإن غدا للناظرين قريب، أي للمنتظرين، وقد يذكر ويراد به العطف والرحمة، قال الله تعالى: {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: ٧٧] أي لا يرحمهم ولا يثيبهم، ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «مَن جَرَّ إزارَهُ بَطَرًا، لَا يَنظُرِ اللهُ إليه يَومَ القيامةِ» [أخرجه البخاري (٥٧٨٨)] أي لا يرحمه.
وقد يذكر ويراد به المقابلة، تقول العرب: داري تنظر إلى دار فلان أي تقابلها، وتقول: إذا أخذت في طريق كذا فنظر إليك الجبل أي قابلك فخذ عن يمينك أو شمالك.
"وإنما تتميز هذه الأنظار بعضها من بعض بما يقترن بها من القرائن، وينضاف إليها من الشواهد، على أن النظر إذا قيد بالعين لا يحتمل إلا تقليب الحدقة الصحيحة نحو المرئي التماسًا لرؤيته، كما أنه إذا قيد بالقلب لا يحتمل إلا التفكير" [القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة ص٤٤ -٤٥ تحقيق د. عبد الكريم عثمان، مكتبة وهبة، بالقاهرة سنة ١٩٦٥م، والمغني ٤/١٢].
وإلى نفس هذه المعاني ينظر الآمدي حيث يقول: "والنظر في وضع اللغة قد يطلق بمعنى الانتظار، والرؤية، والرأفة، والمقابلة، والتفكر، والاعتبار" [نفسه، والآمدي: أبكار الأفكار١/ ١٢٥ تحقيق د. أحمد محمد المهدي، مطبعة دار الكتب المصرية سنة ٢٠٠٢م]، وإن كان المعنيان الأخيران يدخلان وأمثالهما عند غيره من المحققين في المعنى الاصطلاحي.
المعنى الاصطلاحي: قبل تعريف النظر بمعناه الاصطلاحي يجب أن نقدم شيئًا في تصوره كما بينه السعد التفتازاني حيث يقول: "إذا حاولنا تحصيل مطلوب، فالنفس تتحرك منه في معقولاتها طلبًا لمبادئه وتعيينًا، ثم ترجع هاهنا ترتيبًا وتأديًّا إلى المطلوب، فهاهنا حركتان وملاحظات وترتيب وإزالة للموانع، وتوجه إلى المطلوب وغاية للحركة، وحقيقة النظر مجموع الحركتين، لكن قد يكتفي ببعض الأجزاء أو اللوازم، فتفسر بالحركة الأولى أو الثانية، أو ترتيب المعلومات للتأدي إلى مجهول، أو ملاحظة المعقول لتحصيل المجهول، أو تجريد الذهن عن الغفلات أو تحديق العقل نحو المعقولات..." [ المقاصد وشرحه ١/٢٢٧، وانظر شرح الجرجاني على المواقف ١/ ٢٠١].
وهذا الذي أوضحه السعد في (المقاصد وشرحه) هو ما أوجزه الرازي قبله بقوله: "النظر والفكر عبارة عن ترتيب مقدمات علمية أو ظنية، ليتوصل بها إلى تحصيل علم أو ظن" ويسوق مثالًا لذلك "إنه إذا حضر في عقلنا أن هذه الخشبة قد مستها النار، وحضر أيضًا أن كل خشبة قد مستها النار فهي محترقة، حصل من مجموع العلمين الأولين علم ثالث بكون هذه الخشبة محترقة، فاستحضار العلمين الأولين لأجل أن يتوصل بهما إلى تحصيل هذا العلم الثالث هو النظر...".
ويقول أيضًا: "حاصل الكلام في النظر هو أن يحصل في الذهن علمان، وهما يوجبان علمًا آخر، فالتوصل بذلك الموجب إلى ذلك الموجب المطلوب هو النظر هذا من حيث تصوره [الرازي: معالم أصول الدين ص٥ على هامش المحصل، الطبعة الأولى].
ويخص القاضي عبد الجبار النظر بنظر القلب، حيث يقول في بيان حقيقة النظر: "فالمقصد بها بهذا الموضع ذكر نظر القلب دون غيره، وحقيقة ذلك هو الفكر؛ لأنه لا ناظر بقلبه إلا مفكرًا، ولا مفكر إلا ناظرًا بقلبه، وبهذا تعلم الحقائق..." [المغني ٤/١٢، وانظر: شرح الأصول الخمسة ص ٤٥]، ونجد تعريفًا مماثلًا لهذا لدى المتولي الشافعي (٤٧٨ هـ)، حيث يقول: "وأما النظر فهو فكر القلب، والتأمل في حال المنظور لطلب حقيقة العلم أو غلبة الظن" [الغنية في أصول الدين ص٥٢، تحقيق عماد الدين حيدر، ط أولى سنة ١٤٠٦هـ].
ومن أقدم تعريفات النظر ما ذكره الباقلاني: "النظر هو الفكر الذي يطلب به من قام به علمًا أو غلبة ظن" [الجويني: الإرشاد ص٣، الإيجي: المواقف ص ٢١، الآمدي: أبكار الأفكار١/ ١٢٥]، ونقل إمام الحرمين نفس تعريف الباقلاني بلفظه [الإرشاد ص٣]، وهذا التعريف يجعل الفكر أعم من النظر؛ لأنه يشمل النظر وحديث النفس، كما أنه يجعل الظن مطلوبًا للناظر وهدفًا من النظر، ومن أجل هذا انتقده الآمدي في بعض جوانبه معللًا أن الظن إما أن يكون مطابقًا للواقع فهو العلم، وإما أن يكون غير مطابق فهو الجهل، وعليه فلا مدخل لغلبة الظن، ويرى الآمدي أن النظر في اصطلاح المتكلمين موضوع لبعض مسمياته في اللغة: وهو التفكر والاعتبار؛ فالمعنى واحد، وإن كان اللفظ مختلفًا، ويرى - أيضًا - أن أقرب ما قيل فيه من العبارات ما قاله القاضي أبو بكر، من أن النظر: "هو الفكر الذي يطلب به من قام به علمًا أو غلبة ظن، وهو شرح لمعنى الفكر" [أبكار الأفكار ج١ /١٢٥]، أو هو "عبارة عن تصرف العقل في المعلومات أو المظنونات السابقة المناسبة للمطلوب؛ بترتيب بعضها إلى بعض، توسلًا بذلك إلى تحصيل ما ليس حاصلًا في العقل" [إحكام الأحكام ١/ ٨ -٩]، ومن التعريفات التي انطلقت من مذاهب معينة ما ذكره (أرباب التعاليم) القائلون بالتعليم والتعلم للمجهولات من المعلومات بقولهم: "النظر: اكتساب المجهول بالمعلومات السابقة على ذلك المجهول، أو هو ترتيب أمور معلومة أو مظنونة للتأدي إلى أمر آخرًا [الإيجى: المواقف ص٢٢ ، والمواقف بشرح الجرجاني ١ /١٩٦] وهذا التعريف - فيما ذكره الإيجي - عليه إشكالان:
وبشيء من التعديل أوجز الإيجي تعريفًا للنظر - على مذهبهم - بحيث يتناول جميع أقسامه في التصورات والتصديقات بلا إشكال، فقال: "هو ملاحظة العقل ما هو حاصل عنده لتحصيل غيره" [نفسه ص ٢٢، المواقف بشرح الجرجاني ١/ ٢٠٠].
وأوضح الجرجاني تعريف أصحاب مذهب التعليم، فقال: "واعلم أن الظاهر مذهب أصحاب التعليم وهو أن النظر: اكتساب المجهولات من المعلومات، وحينئذٍ نقول: لا شبهة في أن كل مجهول لا يمكن اكتسابه من أي معلوم اتفق، بل لا بد له من معلومات مناسبة إياه، ولا شك أيضًا في أنه لا يمكن تحصيله من تلك المعلومات على أي وجه كانت، بل لا بد هناك من ترتيب معين فيما بينها، ومن هيئة مخصوصة عارضة لا بسبب ذلك الترتيب، فإذا حصل لنا شعور ما بأمر تصوري أو تصديقي، وحاولنا تحصيله على وجه أكمل، فلا بد أن يتحرك الذهن في المعلومات المخزونة عنده منتقلًا من معلوم إلى آخر حتى يجد المعلومات المناسبة لذلك المطلوب، وهى المسماة بمباديه، ثم لا بد أيضًا أن يتحرك في تلك المبادئ ليرتبها ترتيبًا خاصًا يؤدي إلى ذلك المطلوب" [ المواقف بشرح الجرجاني ٢٠١١ -٢٠٢].
اتفق معظم من تكلموا في النظر من المحققين على أنه ينقسم إلى صحيح وهو الذي يؤدي إلى المطلوب، وفاسد يقابله أي لا يؤدي إلى المطلوب، فالصحة والفساد صفتان عارضتان للنظر حقيقة لا مجازًا، والسبب في اتصافه بهما أنه لما كان المختار عند المتأخرين هو تعريف أصحاب مذهب التعليم؛ وهو أنه "ترتيب العلوم بحيث يؤدي إلى هيئة مخصوصة للتأدي إلى مجهول، ولا شك أن هذا الترتيب يتعلق بشيئين: أحدهما: تلك العلوم التي يقع فيها الترتيب، وهي بمنزلة المادة له، والثاني: تلك البيئة المترتبة عليه، وهي بمنزلة الصورة له؛ فإذا اتصفت كل واحدة منهما بما هو صحتها فينفسها، اتصف الترتيب قطعًا بصحته فينفسه، أعني تأديته إلى المطلوب، وإلا فلا" [المواقف بشرح الجرجاني١/٢٠٢ - ٢٠٤، وانظر: الجويني: الإرشاد ص٧، الآمدى: أبكار الأفكار١/١٣٦]، وهذا ما لخصه صاحب المقاصد بقوله: "النظر إن صحت مادته وصورته فصحيح، وإلا ففاسد"، ثم شرح ذلك بقوله: "اتفق المحققون على أنه إن صحت المادة والصورة، فالنظر صحيح يؤدي إلى المطلوب، وإلا ففاسد لا يؤدي إليه" [شرح المقاصد ١/ ٢٣٤]، ومع هذا فإن صاحب المقاصد وشرحه لم يرتض هذا التقسيم: "فظهر في تقسيم النظر إلى الصحيح والفاسد باعتبار المادة والصورة تجوزًا، ويرى أنه يمكن تقسيم النظر إلى "الجلي والخفي بهذا أيضًا؛ فإن أجزاء كل من المعرف والدليل قد تكون ضرورية تتفاوت في الجلاء والخفاء، وقد تكون نظرية تنتهي إلى الضروري بوسائط أقل أو أكثر، وكذا الصورة القياسية للأشكال" [نفسه١/ ٢٣٥].
وقسم صاحب (شرح الأصول الخمسة) النظر باعتبار موضوعه المنظور فيه، خاصة عند تقييده (أي النظر) بالقلب حيث يقول: "كما أن النظر إذا قيد بالقلب لا يحتمل إلا التفكير، ثم إن النظر بالقلب له أسماء من جملتها: التفكير، والبحث، والتأمل، والتدبر، والروية وغيرها، وهو على قسمين:
- أحدهما: النظر في أمور الدنيا، كالنظر في العلاجات والتجارات.
- والثاني: النظر في أمور الدين، وذلك أيضًا على قسمين:
- أحدهما: النظر في الشبه لتحل.
- والثاني: النظر في الأدلة ليتوصل بها إلى المعرفة" [شرح الأصول الخمسة ص٤٥، والمغني٤/ ١٢]، وخص النظر هنا بالنظر في طريق معرفة الله عندما ذكر في أول الكتاب أن أول واجب على المكلف هو النظر في طريق معرفة الله تعالي، وسنتطرق إلى هذه المسألة (أول واجب على المكلف) لارتباطها بالنظر.
وفي (المغني) قسّم النظر إلى (ما يكون صحيحًا، وإلى ما لا يصح): "إن في النظر ما يكون صحيحًا، وفيه ما لا يصح؛ لأنه لا يولد العلم، كالنظر في أمور الدنيا؛ وفيما ليس بدليل، وفيما لا يعلمه المستدل وإن كان دليلًا؛ لكنه لا يكون فاسدًا، وقد دل الدليل على أن لا نظر يوجب جهلًا أو ظنًا" [المغني ١٢/٦٩].
وإلى جانب تقسيم الجويني للنظر إلى الصحيح والفاسد في (الإرشاد)، فقد قسمه قسمة أخرى في (الشامل) إلى الجلي والدقيق، فقال: افصل بين جلي النظر ودقيقه، وقال: "فإن قال قائل: تفصلون بين جلي النظر ودقيقه، فافصلوا بينهما وأوضحوا حقيقتهما، قلنا: ذهب بعض المنتمين إلى الأصوليين إلى أن النظر ينقسم إلى الجلي والخفي، واستروح فيما صار إليه وارتضاه، إلا أنا وجدنا رتب النظر متفاوتة: فمنها ما يلوح ويتضح من غير بحث حتى يتسرع إلى دركه الشادي والمنتهى، ومنها ما يدق ويتخصص بدركه كل بازل من النظار، فاستبان بذلك تفاوت رتب النظر" [الشامل، ص ١٠١، وانظر: أبكار الأفكار١/ ١٥٤].
ذكر الآمدي أن شرائط النظر "منها ما يعم الصحيح، والفاسد، ومنها ما يخص الصحيح دون الفاسد، فأمَّا الشروط العامة: فالعقل، وانتفاء أضداد النظر، أما اشتراط العقل: فلتعذر النظر دونه... وأما اشتراط انتفاء أضداد النظر: فلأن وجود كل واحد من الضدين، متوقف على انتفاء الضد الآخر، لاستحالة الجمع بينهما، وأضداد النظر: العلم المنظور فيه" [الآمدى: أبكار الأفكار١/ ١١٧ -١١٩]، "لأن النظر لتحصيل العلم بالمنظور فيه، وذلك يستدعي عدم العلم بالمنظور فيه؛ فإن طلب تحصيل الحاصل محال، والاعتقاد بأن المنظور فيه على خلاف ما هو عليه، والنوم، والغفلة، والموت، وأما الشروط الخاصة بالنظر الصحيح، فأن يكون النظر في الدليل دون الشبهة، وفي الوجه الذي منه يدل الدليل دون غيره، وإن اختل شيء من ذلك؛ فالنظر يكون فاسدًا [نفسه ١/ ١٢٨ -١٣٥، وانظر: الإرشاد ص ٦، ٧ ، المواقف ٢٢ -٢٣]، ويرى صاحب المقاصد وشرحه أن "للنظر صحيحًا كان أو فاسدًا بعد شرائط العلم من الحياة والعقل وعدم النوم والغفلة ونحو ذلك، أمرين: أحدهما: عدم العلم بالمطلوب إذ لا طلب مع الحصول.
ثانيهما: عدم الجهل المركب به، أعني عدم الجزم بنقيضه، لأن ذلك يمنعه من الإقدام على الطلب"[التفتازاني: شرح المقاصد ١/ ١٥٥- ١٥٦]، ومن الأمور التي يجب توفرها في النظر، وإن كانت لا ترقى إلى أن تكون شرائط له، ولذا عنونها القاضي عبد الجبار بـ (فصل في ذكر جملة من أحوال النظر) [المغني ٩/١٢ - ١٣] أن النظر كالاعتقاد في أنه يجب أن يتعلق بغيره، وفي أنه يتعلق بالأشياء على سائر وجوهها؛ وإن كان يخالف الاعتقاد في أنه يتعلق بكون الشيء على صفة، والنظر لا يتعلق بصفة واحدة، بل يتعلق بهل هو على صفة، أو على ضدها، آو ليس هو عليها، ومن حقه (أي النظر) ألا يتعلق إلا والناظر غير ساه عن المنظور فيه، فهو في هذا الوجه يخالف الاعتقاد، ويوافق الإرادة والكراهة، وإن كان لا فرق بين العلم، وبين غالب الظن والاعتقاد في أنه يصح معها أجمع أن ينظر في الشيء، أنه لا يصح أن ينظر في الشي إلا وهو يطلب بذلك الظن أو العلم أو غيرهما؛ إلا إذا علم أن النظر يولد العلم خاصة، فلا يصح إلا أن يطلب ذلك دون غيره ومن حقه (أي النظر) أن يتعلق بالشيء الذي له تعلق بما نلتمس، بالنظر، العلم به أو الظن به من دليل أو أمارة، ومن حقه أن يتعلق بعضه ببعض، كتعلق العلوم بعضها ببعض، لأنه لا يصح أن ينظر في حدوث الأعراض إلا بعد النظر في إثباتها، ومن حق النظر أن يكون فيه ما يولد العلم، إذا كان نظرًا من عاقل في دليل معلوم له على الوجه الذي يدل، ويكون فيه ما لا يولد العلم، بل يقتضي غالب الظن في أمور الدنيا، وقد يكون فيه ما لا يحصل عنده الوجهان جميعًا، ولا يصح أن يكون فيه ما يولد الشبهة أو الجهل، ومن حق النظر أن "لا يصح إلا مع الشك في المدلول" [ السابق نفسه].
أو كيفية إفادة النظر العلم: فقد تنازعت الطوائف واختلف حتى رجال الطائفة الواحدة في اقتضاء النظر العلم: هل هو بطريق التضمن الذي يمنع الانفكاك عنه عقلًا، أو بطريق إجراء العادة التي يمكن نقضها؟ وهل حصول العلم عن النظر يقع بالتوليد أم بالطبع أم يقع وجوبًا أم فيضًا؟ ذكر المحققون في هذه المسألة خمسة مذاهب [يرى صاحب المواقن أن المذاهب التي يعتد بها - في هذا - ثلاثة مبنية على أصول مختلفة].
المذهب الأول: مذهب المعتزلة:
لقد أوجب المعتزلة على الإنسان النظر، وعدوه محاسبًا إن لم ينظر، أو لم يعلم، "فالنظر في طريق معرفة الله أول الواجبات التي لا ينفك المكلف عنه بوجه من الوجوه" [القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة ص ٧]، ولاءموا بين حرية التفكير وضرورة الإيمان بالله وتوحيده وعدله، وجعلوا معرفة الله يقينًا أول المعارف الضرورية لنفسه، ثم أقاموا على معرفة الله يقين الالتزام بالواجبات العقلية أو الخلقية، ومعرفة وجه أداء ما افترضه الله عليه، ورغم أن المعتزلة أثبتوا إرادة حرة للإنسان تجعله مسئولًا عن الأفعال الصادرة عنه، لكن هناك من الأفعال ما تقع بسببه وإن خرجت عن اختياره، من هنا كان قولهم بالتوليد، وأفرد القاضي عبد الجبار فصلًا (في أن النظر يولد العلم) "يدل على ذلك أن عند النظر في الدليل يحصل اعتقاد المدلول على طريقة واحدة، إذا لم يكن هناك منع. [المغني ج١٢/ ٧٧ - ٩٩، الجويني: الإرشاد ص٦، المواقف ص٢٧]، واشتهر قولهم بأن النظر يولد العلم في معظم الكتب الكلامية، فقد ورد في (المواقف وشرحه) أن مذهب المعتزلة: حصول العلم بعد النظر بالتوليد، وذلك لما أثبتوا لبعض الحوادث مؤثرًا غير الله تعالى، قالوا: الفعل الصادر عنه إما بالمباشرة وإما بالتوليد [شرح المواقف ١/٢٤٣، الآمدي: أبكار الأفكار١/١٥٠]. فالعلم يحصل من الناظر بتوسط النظر على سبيل التوليد، فهو متولد واجب وقوعه بعد النظر، وقوع المعلول.. العلة التامة، وجاء هذا من منطلق تمسكهم بفكرة الضرورة العلية في العالم الفيزيائي، وخلعوا ذلك على بعض أفعال الإنسان، لكنه وإنصافًا للحق، فإن قول المعتزلة بوجود مؤثر لبعض الحوادث غير الله تعالى، وتمسكهم بفكرة الضرورية العلية في العالم الفيزيائي، لا يعني أنهم تجاهلوا القدرة الإلهية؛ إذ إن ذلك كله بموجب ما طبع الله الأجسام والموجودات عليه [انظر: د أحمد محمود صبحي: في علم الكلام ج١ (المعتزلة)].
المذهب الثاني: هو مذهب أصحاب الطبائع والمعارف الضرورية:
كان على رأس القائلين بالطبع أبو عثمان الجاحظ، وكان يقول في المعارف: "إنها تقع ضرورة بالطبع عند النظر في الأدلة"، ويقول في النظر: "إنه ربما وقع طبعًا واضطرارًا، وربما وقع اختيارًا، فمتى قويت الدواعي في النظر، وقع اضطرارًا بالطبع؛ وإذا تساوت، وقع اختيارًا، فأمّا إرادة النظر، فإنه مما يقع باختيار كإرادة سائر الأفعال" [انظر: المغني ١٢/٣١٦، شرح الأصول الخمسة ص٥٦]، أي أن المعرفة عند الجاحظ تقع ضرورة وطبعًا عند إرادة النظر، أما النظر نفسه فربما يقع طبعًا واضطرارًا، وربما يقع اختيارًا، لكن إرادة النظر تقع باختيار دائمًا، وعلى هذا فإن الإدراك والنظر والمعرفة كلها تقع بالطبع، ويمكن القول إن معظم الأفعال الإنسانية ليس للإنسان فيها إلا الإرادة، والعلم يجري مجرى الإحراق الواقع بالنار، مثله في ذلك مثل سائر سنن الله الكونية، واعتبار أبي عثمان حصول المعرفة عند النظر بالطبع شأنها في ذلك شأن حوادث الطبيعة كان سببًا في اتهام بعض مؤرخي الفرق الإسلامية له، ومنهم الشهرستاني والبغدادي بأنه أخذ هذا القول عن أصحاب الطبائع من فلاسفة اليونان، الذين قالوا: إن الأفعال جميعها ومنها الفكر والمعرفة تتم بفعل طبيعتها). [الشهرستاني: الملل والنحل ١/٧١ تخريج محمد بن فتح الله بدران - مكتبة الأنجلو المصرية، طبعة ثانية]، لكن الإنصاف يقتضينا أن نكون مع من قالوا: إن أبا عثمان خالف أصحاب الطبائع بإقراره بوجود فعل للإنسان يتمثل في الإرادة، وما يحصل بعد ذلك من علم ومعرفة فهو من فعل الله بعد إرادة الإنسان.
وانتقد القاضي عبد الجبار أصحاب الطبائع والمعارف الضرورية في أمور أهمها:
الثالث: مذهب الأشاعرة: "مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري أن حصول العلم عقيب النظر بالعادة من غير وجوب عنه أو عليه تعالى، وإنما ذهب إلى ذلك بناء على أن جميع الممكنات مستندة عنده إلى الله سبحانه ابتداء بلا واسطة، وعلى أنه قادر مختار، فلا يجب عنه صدور شيء منها، ولا يجب عليه أيضًا، ولا علاقة بوجه بين الحوادث المتعاقبة إلا بإجراء العادة بخلق بعضها عقيب بعض؛ كالإحراق عقيب مماسة النار، والري بعد شرب الماء، فليس للماسة والشرب مدخل في وجود الإحراق والري، بل الكل واقع بقدرته واختياره تعالى..... وإذا تكرر صدور فعل منه، وكان دائمًا أو أكثريًّا، يقال: إنه فعله بإجراء العادة، وإذا لم يتكرر أو تكرر قليلًا فهو خارق للعادة أو نادر" [المواقف وشرحه ١/ ٢٤١- ٢٤٣]، ويختم الجرجاني شرحه لمذهب الشيخ الأشعري بقوله: "ولا شك أن العلم بعد النظر ممكن حادث محتاج إلى المؤثر، ولا مؤثر إلا الله تعالى، فهو فعله الصادر عنه بلا وجوب منه ولا عليه، وهو دائمي أو أكثري فيكون عاديًّا [شرح المواقف ١/ ٢٤٣] والذي عليه الشيخ الأشعري هو مذهب معظم الأشاعرة من بعده، بيد أن بعضهم نحا منحى آخر كالإمام الرازي، وسنشير إليه بعد قليل.
الرابع: مذهب الحكماء: أنه (أي كيفية إفادة النظر العلم) بسبيل الإعداد، فإن المبدأ الذي تستند إليه الحوادث في عالمنا هذا موجب عندهم، عام الفيض، ويتوقف حصول الفيض منه على استعداد خاص يستدعيه ذلك الفيض، والاختلاف في الفيض إنما بحسب اختلاف استعدادات القوابل؛ فالنظر يعد الذهن إعدادًا تامًا، والنتيجة تفيض عليه من ذلك المبدأ وجوبًا، أي: لزومًا عقليًّا [المواقف وشرحه ١/ ٢٤٦].
الخامس: مذهب الإمام الرازي: "لم يرتض الإمام الرازي جميع الآراء التي قيلت في كيفية إفادة النظر العلم، فلم يوافق المعتزلة في قولهم بالتولد، ولم يأخذ برأي الأشعري في قوله بالعادة، فالأصح عنده هو القول بوجوب العلم بعد النظر، لا على سبيل الإيجاب والتولد كما هو رأي الحكماء والمعتزلة، بل على سبيل (اللزوم العقلي) فكل من علم أن العالم متغير، وكل متغير ممكن، فمع حضور هذين العلمين في الذهن، يستحيل ألا يعلم أن العالم ممكن، والعلم بهذا الامتناع ضروري" [المحصل ص١٣٦ تحقيق د. حسين أتاي، شرح المواقف ١/ ٢٤٦]. ويعقب الطوسي على مذهب الرازي بقوله: "لقد وافق الرازي الأشعري في كون العلم من فعل الله تعالى، إذ يقول: "الصحيح أن النظر يستلزم العلم اليقيني، لما ذكرنا أنه مع حصول تينك المقدمتين (العالم متغير، وكل متغير ممكن) يمتنع ألا يحصل العلم بالمطلوب، إلا أنه غير مؤثر فيه، لأنا سنقيم الأدلة على أن المؤثر ليس إلا الواحد وهو الله تعالى، ووافق المعتزلة في كونه واجب الوقوع بعد النظر، فقوله بالوجوب يقترب من قولهم: "فهو متولد واجب وقوعه بعد النظر"، وخالف الأشعري في قوله: "ليس بممتنع ألا يخلقه، وخالف المعتزلة في أنه من فعل الناظر" [الطوسي: شرح المحصل ص٢٩ ط أولى]، يقول مولى حسن جلبي: "إن مراد الإمام نفي التوليد من فعل العبد؛ لأن في التوليد من النظر من حيث هو؛ لأن عدم وقوع العلم بقدرة العبد لا ينافي تولده من النظر الذي هو فعل الله تعالى عنده أيضًا، فلو قال الشارح (أي الطوسي) في تحرير مذهب الإمام: غير متولد من فعل العبد، وقال هاهنا: فيكون النظر وكذا العلم الحاصل عقيبه واقعًا بقدرته لا بقدرة العبد؛ لكان أظهر [حاشية مولى حسن جلبي على شرح المواقف ١/ ٢٤٦]، ويضيف الطوسي أن الإمام الرازي استدل على الوجوب بالمثال الذي ذكره، وله أن يدّعي ذلك في جميع اللوازم مع الملزومات، وللأشعري أن يمنع قوله: "فمع حضور هذين العلمين في الذهن يستحيل ألا يحصل العلم بالنتيجة بخوارق العادات، فإن العاقل يحكم باستحالة وقوع النطق من الجمادات، وقد يحدث ذلك عند ظهور المعجز من الأنبياء" [شرح المحصل ص٩ ٢ ط، أولى].
وترجع جذور مذهب الإمام الرازي في كيفية إفادة النظر العلم إلى إمام الحرمين بل إلى الباقلاني قبله، وقد أشار إلى ذلك صاحب المواقف ونصير الدين الطوسي في عجالة، وعبارة إمام الحرمين تفيد ذلك صراحة: "إذا كان النظر لا يولد العلم، ولا يوجبه إيجاب العلة معلولًا، فما معنى تضمنه له؟ قلنا: المراد بذلك أن النظر الصحيح إذا استبق، وانتفت الآفات بعده، فيتيقن عقلًا ثبوت العلم بالمنظور فيه؛ فثبوتهما كذلك حتم من غير أن يوجب أحدهما الثاني أو يوجده أو يولده [الإرشاد ص ٦ - ٧، وانظر: د محمد عبد الفضيل القوصي: هوامش على العقيدة النظامية، ص٢٢، ط ثانية مكتبة الإيمان سنة ٢٠٠٦].
النظر في معرفة الله تعالى واجب إجماعًا من المعتزلة، والأشاعرة، والماتريدية، وغيرهم من طوائف الأمة، خلافًا لطائفة قليلة منهم لا ينخرق الإجماع بمخالفتها وهم الذين أطلق عليهم وصف الحشوية، أما معرفته تعالى فواجبة على الأمة.
واختلف في طريق ثبوت وجوب النظر، أي طريق الثبوت أو مدرك وجوبه، فهو عند الأشاعرة السمع، خلافًا للمعتزلة في قولهم: "إن مدرك وجوبه العقل دون الشرع، واحتج الأشاعرة على وجوبه من جهة الشرع بمسلكين:
المسلك الأول: التمسك بظواهر النصوص الدالة على وجوب النظر، من مثل قوله تعالى: {قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ} [يونس: ١٠١]، وقوله تعالى: {فَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ ءَاثَٰرِ رَحۡمَتِ ٱللَّهِ كَيۡفَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ} [الروم: ٥٠]، وهذا أمر بالنظر، والأمر للوجوب، كما هو الظاهر المتبادر منه، وأيضًا لما نزل قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ} [آل عمران: ١٩٠]، قال النبي – صلى الله عليه وسلم-: «وَيْلٌ لِمَنْ لاَكَهَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا»، وهذا وعيد لمن يترك الفكر والنظر فيها وهو دليل الوجوب؛ إذ لا وعيد على ترك غير الواجب [الآمدي: أبكار الأفكار١/ ١٥٥، المواقف وشرحه١/ ٢٥١].
المسلك الثاني: وهو المعتمد في إثبات وجوب النظر: "إن معرفة الله تعالى واجبة إجماعًا من المسلمين كافة، وهي لا تتم إلا بالنظر، وما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب كوجوبه" [المواقف وشرحه١/٢٥٢، الجويني: الشامل ص١١٩ - ١٢٠، الإرشاد ٨ - ١١، شرح المواقف١/ ٢٦٢]، وقد أورد الآمدي على هذا المسلك عدة إشكالات وفنّدها واحدًا واحدًا [أبكار الأفكار ١/ ١٥٦ - ١٦٩، وانظر: المحصل ص ١٣٤ -١٣٦ تحقيق حسين أتاي]، وتبعه فيها صاحب (المواقف وشرحه) [المواقف وشرحه ١/ ٢٥٢ - ٢٧٥].
أول واجب على المكلف: تنازع العلماء في أول واجب على المكلف بعد سن البلوغ والعقل، هل هو النظر أو المعرفة؟ فذهب بعضهم إلى أن أول واجب على المكلف معرفة الله، وذهب المحققون إلى أن أول واجب عليه هو النظر والاستدلال المؤديان إلى معرفة الصانع.
وسوف نتناول آراء الفرق الكبرى في الإسلام:
أولًا: عند المعتزلة: ذهب أبو الهذيل العلاف إلى أن أول واجب على الإنسان من حيث هو مكلف – أي: مسئول مسئولية أخلاقية ودينية - التخلي عن الاعتقادات والظنون السابقة؛ لأن الظن لا يغني من الحق شيئًا، وبعد تجريد الإنسان عقله من الاعتقادات الباطلة المبنية على الظن والتقليد الأعمى؛ فإن أول واجب على العاقل المكلف النظر المؤدي إلى معرفة الله، ولا يجوز أن يصل أحد سن البلوغ حتى يعرف الله، ولا شك أن الإنسان بعد الشك والنظر، سيصل إلى درجة من المعرفة أفضل مما لو بقي على تقليده واعتقاداته، ذلك أن القول (بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا) غير مقبول عقلًا، ولن يعفى صاحبه من أن يكون آثمًا، والشك عنده من الأمور المباحة، إن لم يكن من الأمور المستحسنة، وليس إثمًا ولا قبحًا، وإنما يقبح الشك لو ظل الإنسان على حالة من الشك، وإنما يحسن في ابتداء الطريق حتى يصل إلى المعرفة التي عندها تسكن نفسه، ولم يكن يقين قط إلا وسبقه شك، ولم ينتقل أحد من اعتقاد إلى اعتقاد غيره، حتى كان بينهما حال شك، ومن ثم وجب الشك، ووجبت معرفة مواضع الشك، وحالاته الموجبة له، ليعرف بها مواضع اليقين وحالاته الموجبة له [انظر: المغني ١٢ /٣٤٧ وما بعدها]، وجه وجوب الشك: إن حال الإنسان في سلوكه واعتقاده، كحال المسافر عليه أن يسأل ويبحث قبل أن يقدم على السفر، حتى لا يضل أو يسلك طريقًا فيه هلاكه، ولمَّا كانت الدواعي العملية عند المعتزلة هي التي تفرض على المكلف الشك في الاعتقادات والعادات الأخلاقية، كان الغرض من الشك أن يتحرز الإنسان من الضرر، ليصل إلى معرفة تمكنه من أداء الواجبات العقلية والشرعية، ويكون عندها أقرب إلى الإيمان والصلاح؛ فالعلم بأن طعامًا لذيذًا، ولكنه مسموم، صارف له عن تناوله، ولن يتسنى للإنسان المكلف أداء ما يجب عليه إلا بعلم توصل إليه بالنظر بعد مرور بشك"[انظر: المغني ١٢/٣٤٧ وما بعدها]، وذهب أبو هاشم الجبائي إلى مثل ما ذهب إليه العلاف، حيث قال: أول واجب على المكلف الشك في الله، إذ لا بد على أصله من تقديم الشك على قال: الشك في الله حسن [الجويني: الشامل في أصول الدين ص١٢١، الآمدي: أبكار الأفكار ١/١٧٠]، ويعقب إمام الحرمين على هذا القول بأنه «خروج منه عن قول الأمة، وتوصل منه إلى هدم أصله؛ وذلك أن كل واجب مأمور به، وتقدير الأمر بالشك متناقض؛ إذ لا يثبت الأمر إلا مع العلم بالأمر، واعتقاد ثبوته والعلم به مع التشكيك فيه متناقضان.. وهذا القول مردود لفظًا ومعنى» [الشامل ص ١٢١]، ويرد نصير الدين الطوسي على القائلين بالشك بأن هذا ليس بصحيح؛ لأن الشك لا يكون مقدورًا، وإن كان مقدورًا فلا يكون مرادًا للعاقل [شرح المحصل ص ٢٩ الطبعة الأولى]، وكذلك رد بمثل هذا السعد التفتازاني [شرح المقاصد ١/٢٧٢ - ٢٧٣]، وبرأينا ليس شرطًا أن يكون الشك هو الدافع إلى النظر، فقد يكون النظر - وهذا في الغالب الأعم - لزيادة اليقين، فإبراهيم - عليه السلام - لم يكن شاكًا، أما صاحب «شرح الأصول الخمسة»، فقد بدأ كتابه بقوله - بعد أن حمد الله - إن سأل سائل فقال: «ما أول ما أوجب الله عليك؟ فقل: النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى؛ لأنه تعالى لا يعرف ضرورة، ولا بالمشاهدة، فيجب أن نعرفه بالتفكر والنظر» [القاضي عبد الجبار: شرح الأصول الخمسة ص٣٩]، وذهب إلى أن «سائر الشرائع من قول وفعل لا تحسن إلا بعد معرفة الله تعالى، ومعرفة الله لا تحصل إلا لنظر؛ لأن الشك – في رأيه - هو الذي يدفع إلي النظر ومن هذا الضرب من الشك الواجبات [نفسه ص ٦٩]، ثم بين المراد بقوله: «إن النظر في طريق معرفة الله أول الواجبات أنه من الواجبات التي لا ينفك المكلف عنه بوجه من الوجوه [نفسه ص ٠ ٧]، والواجبات عنده «على ضربين: عقلي وشرعي، فالعقليات نحو رد الوديعة، وقضاء الدين، وشكر النعمة، فما من شيء منها إلا ويجوز انفكاك المكلف عنه بحال من الأحوال، وأما الشرعيات، فالشرط فيها إيقاعها على وجه القربة والعبادة إلى الله تعالى، وذلك لا يحسن إلا بعد معرفة الله تعالى [نفسه] وبعد مناقشة كثير من التساؤلات حول أول واجب على المكلف مثل: «لماذا لا يكون النظر في وجوب النظر أول الواجبات؟ لماذا لا يكون العلم؟ لماذا لا يكون الخوف الذي يحصل عند ترك النظر أول الواجبات؟، لماذا لا تكون مشاهدة الأدلة والنظر في أحوال القادرين أول الواجبات؟ - ينتهي من هذا إلى أن النظر في طريق معرفة الله تعالى أول الواجبات العقلية» [نفسه ص.٧] أما الواجبات الشرعية فقد قسمها إلى قسمين: أحدهما: ما هو من باب الوصف والقول والعبادة، والآخر: ما هو خارج من هذا الباب: أما الأول: فهو كالإقرار بالشهادتين وما يجري هذا المجرى.
والثاني: «هو من باب الصلاة والصيام والحج وما شاكل ذلك، وكلا الوجهين متأخر عن معرفة الله» [السابق صه٧ وما بعدها]، ولعل قول القاضي أقرب إلى رأي كثير من المحققين من أهل السنة والجماعة كالماتريدي، والباقلاني، والبغدادي، وابن فورك، وغيرهم كما سنرى.
ثانيًا: عند الأشاعرة: تباينت عبارات الأشاعرة في أول واجب على المكلف منذ شيخهم الأول، فالأكثر ومنهم الشيخ أبو الحسن الأشعري على أنه معرفة الله تعالى؛ إذ هو أصل المعارف والعقائد الدينية، وعليه يتفرع وجوب كل واجب من الواجبات الشرعية [المواقف وشرحه ١/ ٢٧٥، ٢١٦]، وقال التفتازانى: قال الشيخ: "معرفة الله تعالى لكونها مبنى الواجبات [ شرح المقاصد ١ /٢٧١]، وذكر الطوسي في "شرحه للمحصل"؛ أنه حكى عن أبي الحسن الأشعري أن أول الواجبات هو العلم بالله تعالى[ شرح المحصل ص٢٨ الطبعة الأولى]، وقد أقر الولالي المكناسي أن أول واجب معرفة الله تعالى، وهو قول الشيخ أبي الحسن الأشعري، وإنما كانت أول واجب عنده؛ لأنها هي الأصل، أي: مبنى جميع الواجبات؛ إذ لا يمكن الإقرار بوجوب واجب، ولا العمل به، حتى تحصل المعرفة بالله تعالى [أشرف المقاصد شرح المقاصد ١ /٨٦ الطبعة الأولى ]، لقد فرق الشيخ الأشعري بين أول واجب بالنسبة للمسلم المقر بدين الإسلام، وبين غير المسلم، وهو ما عبر عنه «بمن ورد من الصين». وكذلك كان للقاضي الباقلاني رأيان:
أحدهما: "أول واجب، أول جزء من النظر؛ لأن وجوب الكل يستلزم وجوب أجزائه، فأول جزء من النظر واجب، وهو متقدم على النظر، المتقدم على المعرفة [شرح المواقف١/ ٢٧٦]، وهذا القول فيه تصريح بأنه القصد إلى النظر، يقول الجويني: "والذي اختاره القاضي - رضى الله عنه - التصريح بالمقصد؛ فإنه قال: أول واجب على المكلف أول جزء من النظر على الترتيب المشروط فيه" [الجويني: الشامل ١٢١، وانظر: شرح المقاصد ١/٢٧٢].
الثاني: وهو أقرب إلى منهج القرآن وقبس منه، يقول في(الإنصاف): على الإنسان أن يعلم أن أول ما فرض الله عز وجل على جميع العباد، النظر في آياته والاعتبار بمقدوراته، والاستدلال عليه بآثار قدرته وشواهد ربوبيته؛ لأنه سبحانه غير معلوم باضطرار، ولا مشاهد بالحواس، وإنما يعلم وجوده وكونه على ما تقتضيه أفعاله بالأدلة القاهرة، والبراهين الباهرة [الإنصاف ص.٢، تحقيق الشيخ زاهد الكوثري، ط سنة ١٩٥٠]، وقد نسب الإيجي إلى القاضي القول بالقصد إلى النظر، وقال القاضي واختاره ابن فورك وإمام الحرمين: إنه القصد إلى النظر؛ لأن النظر فعل اختياري مسبوق بالقصد المتقدم على أول أجزائه[المواقف وشرحه ١/٢٧٦، الآمدي : أبكار الأفكار١/١٧٠]، وتابعه التفتازاني [شرح المقاصد١ / ٢٧٢]، وقال ابن فورك بالقصد أو الإرادة، يقول الجويني: "وقال الأستاذ أبو بكر: أول واجب على المكلف إرادة النظر، إذ الإرادة تتقدم على المراد" [الشامل ص ١٢١ ]، كذلك ذهب إمام الحرمين إلى أن أول ما يجب على العاقل البالغ، باستكمال سن البلوغ أو الحلم شرعًا، القصد إلى النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدوث العالم، [الإرشاد ص ٣]، ويبدو أن القصد عند الجويني لا ينفصل عن فعل النظر، فهذا هو الواقع في معظم الأفعال وخاصة؛ إذا كان الفعل فكريًّا أو وجدانيًّا، يوضح ذلك ما ذكره القاضي عبد الجبار بقوله: "فإن قيل هلا جعلتم العلم بالله تعالي أول الواجبات، فإنه هو المقصود بالباب؟ قلنا: إنه وإن كان كذلك، إلا أنه يتأخر في الحصول عن النظر ولا يحصل إلا به، فيجب أن يكون النظر أول الواجبات، فإن قيل: يلزم على هذا أن يكون القصد إلى النظر واختياره أول الواجبات؛ فإن النظر لا يحصل إلا به، قلنا: ليس كذلك؛ لأن النظر مجرد الفعل، ومجرد الفعل لا يحتاج إلى القصد والإرادة، وحيث يقع مع القصد فالقصد يقع تبعًا له، وصار الحال فيه كالحال في إرادة الأكل مع الأكل، فكما أن الأكل لا يحتاج إلى الإرادة، وحيث تقع معه إنما تقع تبعًا للأكل، والمقصود هو الكل، كذلك هاهنا... فعلم أن مجرد الفعل لا يحتاج إلى القصد والإرادة" [شرح الأصول الخمسة ص٧٢]، ويلمس هذا بوضوح في الأعمال الذهنية والوجدانية، ويرى الرازي أن الاختلاف في أول الواجبات، أهو المعرفة أم النظر أم القصد إلى النظر اختلاف لفظي «اختلفوا في أول الواجبات، فمنهم من قال: هو المعرفة، ومنهم من قال: هو النظر المفيد للمعرفة، ومنهم من قال: هو القصد إلى ذلك النظر، وهو خلاف لفظي؛ لأنه إن كان المراد به أول الواجبات المقصودة بالقصد الأول، فلا شك أنه المعرفة عند من يجعلها مقدورة، والنظر عند من لا يجعلها مقدورة، وإن كان المراد به أول الواجبات كيف كان، فلا شك أنه القصد [المحصل ص ١٣٦، تحقيق حسين أتاي] وإذا كنا مع القائلين بمقارنة أو ملازمة القصد للفعل، فإنه يمكن القول: إذا كان المراد بالقصد: التوجه والتجرد عن العوارض الشاغلة، وتوجيه الفكر والقلب إلى المنظور فيه، بقطع العلائق المنافية له، فلعل هذا ما يقصده القائلون به، وأنه متقدم على النظر، والنظر قد يجب فيحال دون حال، وعلى شخص دون شخص، فوجوبه من العوارض التي تجب على بعض الناس فيبعض الأحوال، لا من اللوازم العامة؛ فكل علم وجب، ولم يحصل إلا بالنظر وجب النظر، وأما إذا حصل العلم ضرورة، أو حصل بطريق آخر؛ لم يجب النظر: "فإذا كان الناس يتنوعون في الوجوب وترتيب الواجبات، ويتنوعون في الحصول وترتيب الحاصلات، لم يمكن أن يجعل ما يخص بعضهم شاملًا لجميعهم".
والقرآن العزيز ليس فيه أن النظر أول الواجبات، ولا فيه إيجاب النظر على كل أحد، وإنما فيه الأمر بالنظر لبعض الناس، ومن هذا يفهم أنه واجب على من لم يحصل له الإيمان إلا به، بل هو واجب على كل من لا يؤدى واجبا إلا به، وإذا صح وجوب النظر، فالواجب على المكلف النظر والتفكر في مخلوقات الله البديعة الصنعة، اللطيفة الحكمة، أي قراءة الكون، أي قراءة كتاب الله المفتوح، فأول آية نزلت من القرآن الكريم: {ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ} [العلق: ١] أي: اقرأ ما خلق الله العالم، الموجودات بأسرها.
يتبين أن العقل في الإسلام ليس مجرد أداة تفكير، بل هو مناط التكليف ومفتاح الهداية به تُقام الحُجج وتُدرَك مقاصد الشريعة، وتُفهم دلائل الإيمان على وجه اليقين ومن هنا، فإن حفظ العقل ورعايته يُعد من أعظم مقاصد الدين وأولويات الخطاب الإلهي.
هم أوّلُ مذهبٍ في علمِ الكلامِ الإسلاميّ، بدأ في النصفِ الأوّلِ من القرنِ الثاني الهجريّ.
هو استنتاج قضية من قضية أخرى، أو استنتاج قضية من قضايا أخرى.
هو إثبات حكم لفرع غير منصوص عليه بناءً على حكم أصلي منصوص عليه، لاشتراكهما في علة واحدة.