الإيمان بالحوض النبوي ركيزة عقائدية ثابتة بالنصوص المتواترة التي أجمع أهل السنة على وجوب التصديق بها ظاهرًا دون تأويل أو اختلاف، وللحوض تعريف وأوصاف وموضع في الآخرة، وكذلك ورد ذكر الكوثر وصفات الواردين عليه والمحرومين منه.
الإيمان بالحوض النبوي ركيزة عقائدية ثابتة بالنصوص المتواترة التي أجمع أهل السنة على وجوب التصديق بها ظاهرًا دون تأويل أو اختلاف، وللحوض تعريف وأوصاف وموضع في الآخرة، وكذلك ورد ذكر الكوثر وصفات الواردين عليه والمحرومين منه.
الحوض لغة: حاض الماء وغيره حوضًا وحَوَّضه: حاطه وجمعه، وحضت أحوض: اتخذت حوضًا، واستحوض الماء: اجتمع، والحوض: مجتمع الماء معروف، والجمع: أحواض وحياض، وحوض الرسول -صلى الله عليه وسلم - الذي يسقي منه أمته يوم القيامة. [لسان العرب مادة (حوض)].
والحوض في الشرع: هو حوض نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو الحوض المورود.
حكمه: قال القاضي عياض - رحمه الله - أحاديث الحوض صحيحة، والإيمان به فرض، والتصديق به من الإيمان، وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة لا يتأول ولا يختلف فيه.
وقال أيضا - رحمه الله - فيما يذكر الإمام النووي: وحديثه متواتر النقل رواه خلائق من الصحابة.
وقد جمع الإمام البيهقي ذلك كله في كتابه (البعث والنشور) بأسانيده وطرقه المتكاثرات، قال القاضي: وفي بعض هذا ما يقتضي كون الحديث متواترًا. [صحيح مسلم بشرح النووي ١٥/٥٣، دار الفكر سنة ١٤٠١هـ/١٩٨١م، وكذلك ابن الهمام وابن أبي شريف: المسايرة وشرحها المسامرة ص٣٢٣].
ويقول اللقاني:
إيماننا بحوض خير الرسل *** حتم كما جاءنا في النقل
ويشرح البيجوري هذا البيت بقوله: "تصديقنا بالحوض الذي يعطاه في الآخرة أفضل المرسلين وهو نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - واجب لكن لا يكفر من أنكره، وإنما يفسق". [جوهرة التوحيد، ص ١٨٤، ط، دار الكتب الحديثة القاهرة، بدون تاريخ].
الدليل عليه: قوله تعالى: {إِنَّآ أَعۡطَيۡنَٰكَ ٱلۡكَوۡثَرَ}. [الكوثر: ١].
قال الإمام الرازي: المشهور والمستفيض عند السلف والخلف أن (الكوثر) نهر في الجنة. [الرازي: التفسير الكبير ١٢٤/٣٢].
وقال القرطبي: اختلف أهل التأويل في الكوثر الذي أعطيه النبي - صلى الله عليه وسلم - على ستة عشر قولًا:
الأول: أنه نهر في الجنة، رواه البخاري عن أنس، والترمذي أيضًا عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «الكَوْثَرُ نهرٌ في الجنةِ حافَتاهُ من ذهبٍ ومَجْراهُ على الدُّرِّ والياقوتِ، تُرْبَتُهُ أَطْيَبُ من المِسْكِ، وماؤُهُ أَحْلى من العَسَلِ وأَبْيَضُ من الثَّلْجِ». هذا حديث حسن صحيح.
الثاني: أنه حوض النبي - صلى الله عليه وسلم - في الموقف، قاله عطاء، وفي صحيح مسلم عن أنس قال: بينما نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم «إذْ أغْفى إغْفاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا»، فَقُلْنا: ما أضْحَكَكَ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: «نزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ {إِنَّآ أَعۡطَيۡنَٰكَ ٱلۡكَوۡثَرَ} [الكوثر: ١]، ثُمَّ قالَ: «أتَدْرُونَ ما الكَوْثَرُ؟» فَقُلْنا اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، قالَ: «فإنَّه نَهْرٌ وعَدَنِيهِ رَبِّي عزَّ وجلَّ، عليه خَيْرٌ كَثِيرٌ، هو حَوْضٌ تَرِدُ عليه أُمَّتي يَومَ القِيامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ». [تفسير القرطبي، ص ٧٣٠٦، ٧٣٠٧، ط. دار الشعب].
وقال الإمام الرازي: "القول الثاني في تفسير الكوثر أنه حوض، والأخبار فيه مشهورة"، ثم قال: ووجه التوفيق بين هذا القول والقول الأول أن يقال: "لعل النهر يصب في الحوض أو لعل الأنهار إنما تسيل من ذلك الحوض، فيكون ذلك الحوض كالمنبع".
وقال القرطبي: يجوز أن يسمى ذلك النهر أو الحوض كوثرًا؛ لكثرة الواردة والشاربة هناك من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. [التفسير الكبير ٣٢ / ١٢٤].
وتعددت الأقوال في تأويل الكوثر، والأصح من هذه الأقوال - فيما يذكر القرطبي الأول والثاني (أي نهر في الجنة، والحوض)؛ لأنه ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص في الكوثر، وسمع أنس قومًا يتذاكرون الحوض، فقال: ما كنت أرى أن أعيش حتى أرى أمثالكم يتمارون في الحوض، لقد تركت عجائز خلفي، ما تصلي امرأة منهن إلا سألت الله أن يسقيها من حوض النبي - صلى الله عليه وسلم.
وجميع ما قيل بعد ذلك في تفسيره (أي الكوثر): قد أعطيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيادة على حوضه - صلى الله عليه وسلم - تسليمًا كثيرًا. [تفسير القرطبي ص٧٣٠٧].
وأما السنة:
أفردت كتب السنة أبوابًا خاصة في إثبات حوض نبينا - صلى الله عليه وسلم - ففي صحيح مسلم: باب إثبات حوض نبينا - صلى الله عليه وسلم - وصفاته، باب (٩) من كتاب الفضائل، وفي سنن أبي داوود: (باب في الحوض) باب (٢٦) من كتاب السنة، وفي سنن ابن ماجه: باب ذكر الحوض من كتاب الزهد، وفي صحيح البخاري: (كتاب التفسير، تفسير سورة الكوثر)، وكذلك الترمذي (أبواب التفسير، تفسير سورة الكوثر).
وقد روى أحاديث الحوض أربعون صحابيًّا، ومن هذه الأحاديث ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَزَواياهُ سَواءٌ (أي طوله كعرضه)، وَماؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ الوَرِقِ (بكسر الراء أي الفضة)، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ المِسْكِ، وَكِيزانُهُ كَنُجُومِ السَّماءِ، فمَن شَرِبَ منه فلا يَظْمَأُ بَعْدَهُ أَبَدًا». [صحيح مسلم ٤/١٧٩٣، ١٧٩٤، كتاب الفضائل، باب في إثبات حوض نبينا - صلى الله عليه وسلم، القسطلاني: شرح صحيح البخاري ٩/٣٧٣].
ولقد وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حوضه بصفات كثيرة، ذكرها أصحاب الصِّحاح والسنن، السالف ذِكرهم.
وخص القرطبي بابًا من (تذكرته) فيما جاء في حوض النبي - صلى الله عليه وسلم - في الموقف وسعته وكثرة أوانيه وذكر أركانه ومن عليها. [التذكرة في أحوال الموتى والآخرة ص ٥٨٢، ٥٩٤، دار الصحابة للتراث بطنطا].
أما الدليل العقلي:
فإن ما جاء به الشرع من الصراط والميزان والحساب وقراءة الكتب، والحوض المورود، وشهادة الأعضاء، كلها حق بلا تأويل عند أكثر الأمة، والعمدة في إثباتها إمكانها في نفسها؛ إذ لا يلزم من فرض وقوعها محال لذاته مع إخبار الصادق عنها، وأجمع عليه المسلمون قبل ظهور المخالف، ونطق به الكتاب. [المواقف بشرح الجرجاني ٨/ ٣٢٠].
اختلف العلماء في موضع حوضه - صلى الله عليه وسلم - وترتيبه، فقد ذكر القرطبي في (التذكرة) أن صاحب القوت وغيره (يقصد قوت القلوب لأبي طالب المكي) ذهب إلى أن حوض النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الصراط، والصحيح أن للنبي - صلى الله عليه وسلم - حوضين: أحدهما في الموقف قبل الصراط، والثاني في الجنة، وكلاهما يسمى كوثرًا ... واختلف في الميزان والحوض أيهما قبل الآخر، فقيل: الميزان قبل، وقيل: الحوض، قال أبو الحسن القابسي: والصحيح أن الحوض قبل، قلت (القرطبي): والمعنى يقتضيه، فإن الناس يخرجون عطاشًا من قبورهم، فيتقدم قبل الصراط والميزان. [القرطبي: التذكرة في أحوال الموتى والآخرة ص ٥٨٢].
واستدل القرطبي بما رواه البخاري عن أبي هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «بَيّنا أنَا قائمٌ عَلى الحَوضِ إذَا زُمرةٌ، حتى إذَا عَرفتُهم خَرجَ رَجلٌ مِن بَيني وبَينَهم فَقال: هَلُمَّ. فقلتُ: إلى أين؟ قَال: إلى النّارِ. واللهِ قلتُ: مَا شَأنُهم؟ فقال: إنهم ارتدُّوا عَلى أَدبَارِهم القَهْقَرى ثم إذا زُمرةٌ أخرى، حتى إذا عرفتُهم خَرَجَ رجلٌ مِن بَيني وبَينهم، فَقال لَهم: هَلُمَّ. قلتُ: إلى أين؟ قال: إلى النّارِ. واللهِ قلتُ: ما شأنُهم؟ قال: إنهم ارتدُّوا عَلى أَدبَارِهم، فَلا أراه يَخلُصُ مِنهم إلا مثلُ هملِ النَّعَمِ». [أخرجه البخاري في صحيحه ٨/١٥٠، ح رقم ٦٥٨٧، ومسلم بمعناه ح رقم ٢٣٠٤، والتذكرة ص ٥٨٢، ٥٨٣].
قال القرطبي: فهذا الحديث - مع صحته - أول دليل على أن الحوض يكون في الموقف قبل الصراط؛ لأن الصراط جسر على جهنم فمن جازه سلم من النار، وكذا حياض الأنبياء تكون - أيضًا - في الموقف. [التذكرة ص٥٨٣].
أما عن مكان الحوض: فعن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أَمامَكُمْ حَوْضًا ما بيْنَ ناحِيَتَيْهِ كما بيْنَ جَرْباءَ وَأَذْرُحَ»، وفي رواية ابن المثنى «حوضي». [أخرجه مسلم، كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم].
وفي حديث أبي ذر - رضي الله عنه: «... عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ، ما بيْنَ عَمّانَ إلى أَيْلَةَ، ماؤُهُ أَشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلى مِنَ العَسَلِ».
وعن أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما بيْنَ ناحِيَتَيْ حَوْضِي كما بيْنَ صَنْعاءَ والْمَدِينَةِ». [السابق نفسه]، وذكر القرطبي عقيب هذه الأحاديث قوله: ظن بعض الناس أن هذه التحديدات في أحاديث الحوض اضطراب واختلاف، وليس كذلك؛ وإنما تحدث النبي - صلى الله عليه وسلم - بحديث الحوض مرات عديدة، وذكر فيها تلك الألفاظ المختلفة، مخاطبًا لكل طائفة بما كانت تعرف من مسافات مواضعها، فيقول لأهل الشام: ما بين أذرح وجربا، ولأهل اليمن من صنعاء إلى عدن وهكذا، وتارة أخرى يقدر بالزمان فيقول: مسيرة شهر والمعنى المقصود: أنه حوض كبير متسع الجوانب والزوايا، فكان ذلك بحسب من حضره ممن يعرف تلك الجهات، فخاطب كل قوم بالجهة التي يعرفونها، والله أعلم [القرطبي: التذكرة ص٥٨٦]، ويريد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يقرب الفهم من السامعين فيمثل لكل فريق بما يعرف فلا تعارض.
وينبه القرطبي الأذهان: بأن لا يخطر ببالها أو يذهب وهمها إلى أن الحوض يكون على وجه هذه الأرض، وإنما يكون وجوده في الأرض المبدلة على مسامته هذه الأقطار أوفى المواضع التي تكون بدلًا من المواضع في هذه الأرض، وهي أرض بيضاء كالفضة، لم يسفك فيها دم، ولم يظلم على ظهرها أحد قط: {يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُۖ} [إبراهيم: ٤٨]. [الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ح رقم ٦٥٨٥، ٦٥٨٦، ومسلم ح رقم ٢٣٠٢]
أما من يطردون عن الحوض فقد أخرج مسلم عن أسماء بنت أبى بكر - رضي الله عنهما - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إنِّي على الحَوْضِ حتّى أَنْظُرَ مَن يَرِدُ عَلَيَّ مِنكُمْ، وَسَيُؤْخَذُ أُناسٌ دُونِي، فأقُولُ: يا رَبِّ مِنِّي وَمِنْ أُمَّتِي، فيُقالُ: أَما شَعَرْتَ ما عَمِلُوا بَعْدَكَ؟ واللَّهِ ما بَرِحُوا بَعْدَكَ يَرْجِعُونَ على أَعْقابِهِمْ». [أخرجه البخاري ح رقم ٦٥٨٢، ومسلم - كتاب الفضائل - باب إثبات حوض نبينا - صلى الله عليه وسلم - وصفاته، المسند ٣/٢٨١].
الحوض النبوي حقيقة ثابتة بنصوص القرآن والسنة، وهو مقصد عطاش يوم القيامة ومظهر شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته، والجمع بين أقوال العلماء والأحاديث يوضح أن الكوثر نهر في الجنة يصب في الحوض يوم الحساب، وأن الحوض علامة على عدل الله ورحمته، لا يشرب منه إلا المؤمن المستقيم على هدي النبي - صلى الله عليه وسلم.
الصراط هو جسر على متن جهنم يمر عليه الناس كلهم، فالمؤمنون ينجون على حسب حالهم، أي منازلهم
الغيب هو ما استأثر الله تعالى بعلمه أو أطلَعَ عليه من شاء من رسله بوحي صادق.
يقصد بالبرزخ كل ما يحجز بين شيئين أو مكانين، وقد ورد البرزخ بهذا المعنى في القرآن الكريم في غير موضع