الحكمة جوهر القيم الإنسانية التي تجمع بين الإيمان والعمل والعقل، تتجلى في النصوص الدينية والفلسفة والمجتمع، مع تعدد وجوهها بين شرع إلهي وتجربة بشرية، هذا المقال يستعرض معناها ومكانتها بين التراث الديني والفكري عبر العصور.
الحكمة جوهر القيم الإنسانية التي تجمع بين الإيمان والعمل والعقل، تتجلى في النصوص الدينية والفلسفة والمجتمع، مع تعدد وجوهها بين شرع إلهي وتجربة بشرية، هذا المقال يستعرض معناها ومكانتها بين التراث الديني والفكري عبر العصور.
المعنى اللغوي: ذكر مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي في كتابه "القاموس المحيط"، لفظ الحكمة من الناحية اللغوية وتصرفاتها، فقال:
وهذا محل الشاهد: والحِكمة بالكسر هي: العدل، والعلم، والحلم، والنبوة، والقرآن، والإنجيل، وأحكمه أتقنه فاستحكم ومنعه من الفساد كحكمه حكمًا، وحَكَمَه الفرس جعل لِلجَامِه حكمة، والحكمة بالحاء الكاف المحركين ما أحاط بحنكي الفرس من لِجَامِه، ويقال: سورة محكمة، أي: غير منسوخة، والآيات المحكمات هي التي تدل بظاهرها على معانيها فلا تحتاج إلى تأويل، والمحكِمُون بفتح الكاف وكسرها المنصفون من أنفسهم، والحكم (محركة الحاء والكاف) الرجل المسن: ثم ذكر صاحب القاموس المحيط معاني مشتقة من الحكم بمعانيها المرادفة، لا داعي لذكرها خشية التطويل. [الفيروز آبادي: القاموس المحيط: ص ٣٨٨، ٣٨٩ ط القاهرة سنة ٢٠٠٨].
والمدقق فيما ذكر هنا، يلاحظ أن المعاني اللغوية المتعددة للفظ "الحكمة" لا تخرج عن كونها "عقل الأمور" مادية كانت أم معنوية، حتى لا يكون هناك شطط في الفهم بين إفراط أو تفريط من باب قوله - صلى الله عليه وسلم - لصاحب الناقة: «اعْقِلْها وتوكَّلْ»
المعنى الاصطلاحي للفظ الحكمة:
لفظ الحكمة من الألفاظ ذات المعاني التي يحدد كل معنى منها السياق الذي وردت فيه، أو ما يغلب على الظن أنه مراد المتكلم من هذا اللفظ، وقد جاء تعريف الحكمة على سبيل الإجمال في كتاب "التعريفات" للجرجاني فقال: "علم يبحث فيه عن حقائق الأشياء على ما هي عليه في الوجود بقدر الطاقة البشرية" [الجرجاني: التعريفات ط دار الكتاب المصري اللبناني ص ١٠٤ بيروت ١٩٩١م]، وحقائق الأشياء هي ماهياتها التي هي عليها في ما وراء الحس، بذاتياتها وعوارضها، ولمَّا كانت كذلك، فإن طبيعة الحكمة بهذا المعنى تكون علمًا نظريًا، لا علاقة له بالأفعال، وأما إذا أردنا بمعناها ما يشمل القول والفعل، فإن تعريفها" بأنها الإصابة في القول والعمل" يكون أشمل وأعم، وهذا أحد تعريفاتها عند بعض الكاتبين، لشمولها الجانبين: النظري (العلم بماهيات الأشياء) والعملي (الفعل الذي يصدر عن الإنسان)، من ثم رأينا القرآن وهو تنزل من لدن حكيم عليم، يربط بين الإيمان، وهو حقيقة قلبية نظرية، ومقتضى هذا الإيمان، وهو العمل في مثل قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا} [الكهف: ٣٠].
وهذا هو ما أجمع عليه سلف الأمة، ومن المعروف أن العمل والسلوك الظاهرين، هما دليل واضح على ما لدى الإنسان من اعتقاد أو إيمان - الجانب النظري - ثم ندرك لماذا أراد حبر الأمة عبد الله بن عباس أن من معاني الحكمة أن تعلم الحلال والحرام والعمل بمقتضى هذا العلم، والمتأمل في هذا المعنى، الذي أراده ابن عباس، يلاحظ أن الأحكام الإلهية التكليفية، في الجانبين النظري والعملي، إنما تصدر من خالق الإنسان الذي يعلم ما فيه صلاحه في الحال والمآل، سواء أكانت هذه التكليفات متعلقة بالأوامر أم بالنواهي وما بينهما من الأحكام الشرعية التي تهدف في شمولها إلى تحقيق المقاصد الشرعية: من حفظ المال، والعقل، والنفس، والعرض، والدين، كما يرينا هذا الفهم لمعنى الحكمة لدى ابن عباس أيضًا أن الجانب الاجتماعي الواقعي الذي تطبق فيه الأحكام الإلهية هو المنظور إليه حتى تستقيم الحياة البشرية، ولولا ذلك لتحولت الحكمة إلى إدراك نظري لا يظهر أثره الاجتماعي، بل يظل كامنًا داخل الإنسان المدرك لمعنى الحكمة، وهذا المعنى يسري في القرآن الكريم ليعبر عن طبيعة الإسلام، تلك التي تقرن بين الإيمان والعمل وتمزج بينهما كأنهما شيء واحد يعبر عن هذه الطبيعة، والقرآن الكريم ينعي على الذين يقولون ولا يفعلون، وبيَّن أن ذلك أكبر مقتًا عند الله سبحانه وتعالى، وذلك في قوله جل شأنه: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفۡعَلُونَ * كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفۡعَلُونَ} [الصف:٢- ٣]، وقد أشرنا سلفًا إلى أن لفظ الحكمة ذو دلالات واسعة ومعان رحبة، نذكر هنا مجملها استكمالًا للحقيقة، وقد قرر جمهور المفسرين في بيان قوله تعالى: {يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} [البقرة: ٢٦٩].
معاني كثيرة منها:
١- القرآن الكريم نفسه، لأنه {كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: ١] (سورة هود: الآية الأولى)، فالآية صريحة الدلالة على حكمة القائل وحكمة القول، والعلاقة بين حكمة القائل، وهو الله سبحانه وتعالى، وبين القرآن الكريم لازمة لزومًا بيّنًا، والقرآن الكريم فيه من الآيات ما يتحدث عن كل منهما على حدة ما يغني عنه ما ذكرنا خشية الإطناب والإطالة فمن أصدق من الله قولًا وحديثًا؟ وقد قال بدلالة هذا المعنى على القرآن الكريم: ابن مسعود، ومجاهد - الضحاك.
٢- والمعنى الثاني من معاني الحكمة:
السنة النبوية الصحيحة، كما يدل على ذلك قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ} [الجمعة: ٢]، وقوله: {وَٱذۡكُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِكۡمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا}. [الأحزاب: ٣٤].
٣ - والمعنى الثالث من معاني الحكمة: معرفة ناسخ القرآن ومنسوخه ومحكمه ومتشابهة ومقدمه ومؤخره، وقد روي ذلك طلحة عن ابن عباس.
٤ - والمعنى الرابع: النبوة: وقد روى ذلك أبو صالح عن ابن عباس أيضًا.
٥ - والمعنى الخامس: الفهم للقرآن الكريم: وقد قال به أبو العالية، وقتادة، وإبراهيم النخعي.
٦ - والمعنى السادس: العلم والفقه، رواه ليث عن مجاهد.
٧ - والمعنى السابع: الإصابة في القول، وقد رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد.
٨ - والمعنى الثامن: الورع في دين الله، وقد قال به الحسن بن علي رضي الله عنه.
٩ - والمعنى التاسع: الخشية لله، قاله الربيع بن أنس.
٠ ١ - والمعنى العاشر: العقل في الدين، وقد قاله ابن زيد.
١١ - والمعنى الحادي عشر: الفهم، قاله شريك.
١٢ - والمعنى الثاني عشر: العلم والعمل، وقد قاله ابن قتيبة وآخرون.
والمدقق في هذه المدلولات للفظ "الحكمة" على النحو الذي ذكرنا أخذا من كلام ابن الجوزي يلاحظ التداخل الواضح بينها، وجماعها هو ما ذكرناه آنفًا من الإصابة في القول والعمل، كما أشار إليه صاحب التعريفات (الجرجاني).
كما يدخل في المعنى المذكور في جانبه النظري والعلمي، تلك المحاولات التي يبذلها الفكر الإنساني في إيجاد تعليل يصح به الوجود كله بدءًا ومصيرًا وغاية، فضلًا عن الوجود الإنساني، وهذه هي المحاولات العقلية التي بذلها ويبذلها الإنسان العاقل في تفلسفه منذ عرف معنى الفلسفة حتى الآن، وهو ما سنتكلم عنه بشيء من التفصيل بعد ذلك.
وقد قسم بعض الكاتبين "الحكمة" قسمين:
١- الحكمة المنطوق بها، وهي: علوم الشريعة والطريقة.
٢- الحكمة المسكوت عنها، وهي: أسرار الحقيقة التي لا يطلع عليها علماء الرسوم (الحقائق الظاهرة) والعوام على ما ينبغي - فيضرهم ذلك أو يهلكهم - وقد استصحبوا موقفًا يبين معنى الحكمة المسكوت عنها مما ذكرته كتب السنة من أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يجتاز مع أصحابه سكك المدينة، فأقسمت عليه امرأة أن يدخلوا منزلًا، فدخلوا فرأوا نارًا مضرمة وأولاد المرأة يلعبون حولها، فقالت يا نبي الله، أتراني أحب أن ألقي ولدي في النار، قال: لا، قالت: فكيف يلقي الله عباده فيها وهو أرحم بهم، قال الراوي: فبكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم، وقال: هكذا أُوحِيّ إليِّ. [جاء في الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: « لا حَسَدَ إلّا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ مالًا، فَسَلَّطَهُ على هَلَكَتِهِ في الحَقِّ، وآخَرُ آتاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهو يَقْضِي بها ويُعَلِّمُها»، وقد نقل عن كثير من سلف هذه الأمة وتابعيهم ومن بعدهما كثير من الأقوال التي تقرر أن العمل بالفروع من الأحكام التي جاءت بها الأوامر والنواهي وما بينهما من المستحبات والمندوبات والمكروهات والمباحات ينبغي العمل بكل حكم يشمل هذه التوجيهات، وأن الخلاف فيها يبرر العذر للجدل والاجتهاد فيما بين الحلال والحرام، وأما الثوابت من أصول الاعتقاد والأصول المتعلقة بالشريعة فلا ينبغي أن تكون محل خلاف، وقد ساق ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله كثيرًا من الأقوال تؤكد ذلك، ومنها أن مالك بن أنس كان يقول: وأكره من الكلام ما ليس عمل].
ولا شك في أن تعذيب العصاة بالنار يوم القيامة - مع تفاوت دركاته - لم يكن أمرًا عبثًا، يتنافى مع الحكمة الإلهية بعد أن أقام الحق - سبحانه وتعالى - الحجة على ذلك في قوله تعالي: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا} [الإسراء: ١٥]، بل إن بعض الفرق الإسلامية المبالغة في تقدير العقل الإنساني كالمعتزلة ترى أن العقل وحده كاف في تكليف الإنسان قبل ورود الشرع؛ لأنه بذاته يدرك ما في طبيعة الأشياء من حسن وقبح وخير وشر، وأيًّا ما كان الأمر، فقد حسم القرآن الكريم تلك القضية في قوله تعالى: {مَّا يَفۡعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمۡ إِن شَكَرۡتُمۡ وَءَامَنتُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمٗا} [النساء: ١٤٧].
الحكمة مضافة إلى الحكيم:
ما ذكرنا سلفًا كان يعنى مجرد المصطلح لذاته، سواء أكان في جانبه اللغوي أم جانبه الاصطلاحي، غير مضاف إلى الحكيم، وهنا نقرر أن الحكمة بمفهومها السابق إذا أضيفت إلى ما تتعلق به كان لا من المعاني والدلالات - الشيء الكثير، فمثلًا: تضاف إلى الحق - سبحانه وتعالى - فيقال الحكمة الإلهية، كما جاء في قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [يوسف: ٦]، وتضاف إلى الأنبياء عليهم - الصلاة والسلام، لقوله تعالى في حق داود عليه السلام: {وَشَدَدۡنَا مُلۡكَهُۥ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحِكۡمَةَ وَفَصۡلَ ٱلۡخِطَابِ} [ص: ٢٠]، وقوله تعالى في حق لقمان: {وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا لُقۡمَٰنَ ٱلۡحِكۡمَةَ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِلَّهِۚ} [لقمان: ١٢].
وقد تضاف إلى أشخاص دون ذلك، غير أنهم يتمتعون بقدر من التعقل والتوازن ومعرفة عواقب الأمور أكثر من غيرهم، وأدق منهم في الإصابة في القول والعمل، وهؤلاء موجودون في كل حضارة راقية تقريبًا، كما يقال عن إنسان متفوق إنه حكيم، مثل: الحكيم الترمذي، والحكيم التبريزي، والحكيم العربي وهكذا، والحكمة الغربية وحكماء الغرب، وهكذا، بحيث يستخلص الدارس لكل هذه الحضارات سواء أكانت للأشخاص أم للجهات الخصائص المميزة لكل منها، مضافة إلى ما ينفع البشر، وسنتكلم عن كل نوع من أنواع الحكمة المضافة إلى معلقها بشيء من التفصيل: حتى تكون أكثر بيانًا وإيضاحًا للقارئ.
أولًا: الحكمة الإلهية: (المطلقة)
من المستقر في أذهان العقلاء من الباحثين في كل زمان ومكان أن الحق - سبحانه وتعالى - مالك الملك والمانع المانح لكل شيء، وأن ذاته العلية تختلف عن ذوات المخلوقين، وكذلك صفاته وأفعاله، ضرورة التباين بين العلة والمعلول أو السبب والمسبب، فهو سبحانه وتعالى علة الوجود كله كما يقول الفلاسفة الإلهيون، وهو الخالق للأشياء كلها من العدم المحض ودون مثال سابق يقول علماء العقائد من المتدينين.
وقد جاء في صريح القرآن الكريم قوله تعالى: {لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ} [الشورى: ١١]،
لتؤكد تلك الضرورة المشار إليها، وهي: ضرورة "التباين" بين الحق سبحانه وتعالى "كعلة" أو "خالق" وبين المعلولين أو المخلوقين، وإذا كان هذا ما ينطق به العقل والفطرة والواقع، فإن "الحكمة الإلهية" بناء على ذلك تكون معنى متفردًا لا يستطيع العقل الإنساني إدراك كنهها وحقيقتها إلا بقدر طاقته البشرية، وقد أدركت البشرية ذلك في فجر وجودها المبكر جدًا في قصة آدم - عليه السلام - حين كان يسكن وزوجه الجنة فنهاهما الحق سبحانه عن الأكل من الشجرة - كنوع من الاختبار والابتلاء - فظنا أن النهي وارد على شجرة بعينها فأكلا من أخرى، ولكن من جنسها، بناء على وسوسة الشيطان لمما كما هو معروف في القرآن الكريم، فكان ما كان من إخراجهما من الجنة، غير أنهما ندما وتابا وعرفا الحقيقة التي كانت غائبة عليهما، ولم يدركا الحكمة من هذا النهي إلى أن أبان الله لهما هذه الحكمة، ومن قبل هذه الواقعة يحكي القرآن الكريم مشهدًا آخر من مشاهد الحديث عن آدم - عليه السلام - حين أمر الملائكة بالسجود له واختياره خليفة له في أرضه، فقالوا – كما حكى القرآن ذلك - قال تعالى: {أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ} [البقرة: ٣٠].
ومما يؤكد المعنى الذي نحن بصدده ما ورد في القرآن - كذلك - من أن الحكمة الإلهية فوق أي تصور لحقيقتها وكنهها ما جاء في بعض الآيات من بيان أن تلك الحكمة لا تدرك بالأفهام القاصرة التي يتلبس بها البشر، سواء أكان في ذلك في جانب النواهي - كما قدمنا في قصة آدم حين نهاه عن الأكل من الشجرة- أم الأوامر كما كان الحال في أمر الملائكة بالسجود له.
وتظهر تجليات الحكمة الإلهية في الواقع الاجتماعي، في عدة وجوه:
الأول: في ضبط السلوك الاجتماعي على مستوى الفرد والأسرة والعائلة والمجتمع كله، الظاهر في الأوامر والنواهي، فالحق سبحانه إنما يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، ويأمر الدعاة إلى دينه من الأنبياء والمرسلين ومن بعدهم من الأنصار والحواريين بذلك، كما يوضحه قوله تعالى: {قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ} [يوسف: ١٠٨].
ومن المعلوم أن المعروف المأمور به شامل لكل الفضائل الإيمانية والخلقية والعملية، والمنكر المنهي عنه شامل لكل الرذائل والموبقات الاجتماعية.. الخ.
الثاني: ما به قوام الحياة بكل مستوياتها كذلك، يأتي التوجيه الإلهي بحل الطيبات من الأكل والشرب، وما يحفظ النوع البشري من الممارسات المشروعة - الزواج - بشروطه المعروفة، وجعل من هذه الظاهرة سكنًا للنفس ومودة ورحمة حين التعامل بين طرفي العلاقة الزوجية، وأن ذلك آية من آيات الله تعالى في استقرار المجتمع على أساسٍ صحيح، كما جاء ذلك في قوله تعالي: {وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: ٢١].
وحتى تتم صورة البناء الاجتماعي وتماسكها يسد الحق - سبحانه وتعالى - بحكمته كل منافذ الشرور والآثام المتجلية في الخبائث أنواعها ومظاهرها، وفي هذا وذاك تتجلى الحكمة الإلية بكل ألوانها، ثم يجسد القرآن الكريم هذين النمطين- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- في صورة موحية أخاذة فيما قرره من وصايا، كما جاء في قوله تعالى: {قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ*وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۖ وَإِذَا قُلۡتُمۡ فَٱعۡدِلُواْ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰۖ وَبِعَهۡدِ ٱللَّهِ أَوۡفُواْۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} [الأنعام: ١٥١-١٥٣].
تلك إشارات موجزة إلى تجلي الحكمة الإلهية في مجال التشريع والأخلاق - الأحكام التكليفية - قد تغني عن التطويل، وأما المجال الكوني فهو أرحب من ذلك بكثير، لأن الكون هو كلام الله تعالى المنظور، الذي يقابل به كلامه المسطور، في كتابه الخاتم، القرآن الكريم، وبينهما من وثاقة الصلة ما يجعل كلًا منهما كأنه الآخر؛ لأن مُنزِّل الكتاب هو نفسه خالق الكون، وحسبنا أن نقرأ بشيء من التركيز والتكثيف قوله تعالى: {سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ} [فصلت: ٥٣].
ويلحق بهذا النوع من الحكمة ما ألمَّ الله بها أنبياءه ورسله في تبليغ رسالته إلى أقوامهم، فهو سبحانه أعلم حيث يجعل رسالته، وهو يصنع رسله وأنبياءه على عينه، ويعصمهم من الزلل حال كونهم كذلك، وأما في أحوالهم البشرية فإن أخطأوا فإنه سبحانه يعاتبهم ويوجههم، وما عليهم حينئذ إلا تبرير تجاوزهم، كما عاتب محمدًا – صلى الله عليه وسلم - في بعض اجتهاداته كالسماح للمخلفين عن الجهاد... الخ، وكما عاتب نوحًا - عليه السلام - حين قال: إن ابني من أهلي وإبراهيم - عليه السلام - حين استغفر لأبيه.. الخ.
ثانيًا: الحكمة البشرية (النسبية) [يذكر أن فيثاغورس هو الواضع الأول للفظ " فلسفة" حيث قال: لست حكيمًا، فإن الحكمة لا تضاف إلا إلى الآلهة وإنما أنا فيلسوف]:
جرت عادة كثير من الباحثين في تاريخ الحكماء والحكمة أن يجعلوا من الفكر اليوناني بداية لذلك، وهذا خطأ جسيم في منهج البحث، لأن دعواهم أن الفكر الشرقي القديم إنما كان من وحي الديانات الوضعية دعوى باطلة، لأن هذه الديانات هي - غالبًا - من وضع البشر، وبينها وبين الفكر الفلسفي صلة وثيقة، ثم ما المانع أن تكون الأديان السماوية فيها أنظار عقلية، تكون أساسًا لفلسفة صحيحة، ثم ما بال هؤلاء قد تغافلوا حقيقة هامة في تاريخ الفكر الفلسفي الغربي، وهي أن فلسفة العصور الوسطى في أوروبا كانت أغلب الأفكار مستوحاة من الدين المسيحي.
من ثم لزم أن نتجاوز هذا الحكمة لبيان ملامح الحكمة في بعض الحضارات الشرقية القديمة؛ لأنها ليست مقصورة على شعوب بعينها وأن من سواها ليس كذلك.
أ - الحكمة عند المصريين القدماء: ما دام هناك شبه إجماع على أن الفلسفة هي محبة الحكمة تحليلًا للفظة اليونانية "فيلو سوفيا" فإنه لا يعنينا - حينئذٍ - الألفاظ والدلالات بقدر ما تعنينا المفهومات والمعاني، من ثم يمكن أن نقول إن الحكمة ظاهرة إنسانية عامة، تجلت في كل عصور التاريخ الإنساني ولكن بدرجات متفاوتة حسب تطور التفكير الإنساني ودواعيه حتى انتهى إلى التفكير المنظم لدى المصريين القدماء، ففي القرن الخامس قبل الميلاد، وجد المصريون أساسًا للتوقيت ولمساحة الأراضي.. وكانت مصر في نظر مفكري اليونان الأقدمين، بلد علم ومعرفة يقصدونها للاطلاع على ما أنتجته من علوم ومعارف، كالهندسة التي أوجدتها ضرورة إعادة تخطيط الأراضي الزراعية عقب كل فيضان للنيل، ووضع تصميم الهياكل والأهرامات ومعرفة قياسات السطوح والأحجام، وعنهم أخذ العالم كله تقسيم السنة إلى ٣٦٥ يومًا وربع اليوم، وتقسيم السنة إلى اثنى عشر شهرًا وتقسيم الشهر إلى أربعة أسابيع، والأسبوع إلى سبعة أيام، واليوم إلى أربع وعشرين ساعة، كما عرفوا كروية الشمس والقمر، وأن النجوم من عنصر ناري وفسروا الكسوف والخسوف.
وفي مجال العلوم الطبيعية قرروا أن العناصر الكونية أربعة: الماء، والنار، والتراب، والهواء، وقد أفاد اليونانيون من هذه المعارف حين تفسيرهم لنشأة الكون [انظر: حنا الفاخوري وخليل الجر: تاريخ الفلسفة العربية، ١/١٨، ١٩منشورات دار الجيل بيروت]، ويمكن أن نطلق على هذا النشاط الحكمة العملية.
وفي مجال المعرفة النظرية كانوا أول من نظم الآلة وحددوا العلاقات بينهم وبين البشر، كما آمنوا بالحياة الآخرة، وبمبدأ الثواب والعقاب، كما آمنوا بخلود النفس، وثنائية الإنسان المركب من روح ومادة.. الخ، يمكن أن نسمَّى هذه بالحكمة النظرية.
ب- الحضارة البابلية والآشورية والسومرية: (ما بين النهرين)
يرى كثير من الباحثين أن هذه الحضارة هي التي شع نورها، فأضاء العَالَمَين اليوناني والروماني وكذلك الشرق الأقصى، وتتجلى الحكمة فيها في البحث عن أصل الكون، الذي انتهت فيه إلى أن الماء والتراب هما العنصران الأساسيان في تفسير أصل الكون، وهي بهذا أسبق من آراء بعض حكماء اليونان في هذا المقام، مثل: تاليس الذي قال بذلك، ولعل من أشهر رموز هذه الحضارة هو "حَمُورَابي" العظيم الذي أسس أول سلالة في بابل، وقد حدد مؤرخ الفلسفة الفرنسي "ماسون أورسيل" أثر بلاد ما بين النهرين في الفكر العالمي، وأرجعه إلى ما يلي:
١ - نظرية الزمان المبنية على النظام الكوني، وكثيرًا من المعارف الناجمة عن رصد النجوم ومراقبة حركات الأفلاك.
٢ - الاعتقاد بالقدر المسيطر على نظام الكون وعلى مصير الإنسان، وهو ناموس إلى يسير كل كائن ويعين اتجاه تطوره، وقد تأثر بهذا القول اليونانيون وجعلوا عنه الكلمة المولدة كما تأثر به الهنود، فأصبح عندهم المرسوم الإلهي، كما وجدت هذه العقيدة لدى فرقة الإسماعيلية بعد صبغها بالصبغة الدينية الإسلامية، كما أخذ الرواقيون حتميتهم عن نظرية القدر ونظرية الزمان التي قال بها الكلدانيون.
ج- الحكمة الإيرانية: لقد وجدت في إيران مذاهب فكرية كثيرة فالديانة المزدكية أصبحت الديانة السائدة في إيران نسبة إلى الإله مزدك الحكيم الذي برز من بين الآلة المتعددة، كما برز إله آخر هو "أهورا" الذي كان رمزًا للقوة العاقلة لديهم، ثم امتزج الإلهان أهورا ومزدك، حتى أصبحا إلهًا واحدًا هو أهورا مزدك، ولما كان هذا الإله في نظرهم مثالًا للعقل والخير، ولما كان الشر أمرًا يقره الواقع، فقد قالوا بإله آخر، هو إله الشر، من ثم تبلورت في حكمتهم القديمة فكرة "الثنوية".
وفي منتصف القرن السابع قبل الميلاد جاءت الزرادشتية، فدعت إلى ما يشبه التوحيد، وإلى تمجيد أهورا مزدك ومقاومة مبدأ الشر واستئصاله، ومساعدة مبدأ الخير بأعمال يكون من ورائها الفوز والانتصار والتطهير الداخلي الذي تعود إليه السعادة.
وفي القرن الرابع قبل الميلاد أصبحت المزدكية دين إيران الوحيد، وأضحى أهورا مزدك الإله الأسمى، كما أصبح أهرمان زعيم الأبالسة الأشرار، وغدا زرادشت رسول أهورا مزدك ونبيه، وظل الأمر هكذا حتى جاء الإسلام. [أفدنا كثيرًا في تصوير الحكمة المشرقية لدى نماذج تلك الحضارة، من كتابات: (أ) المؤرخ الفرنسي "ماسون أورسيل" مترجمة لدى حنا الفاخوري وخليل في كتابهما تاريخ الفلسفة العربية. ب) الفلسفة الشرقية للدكتور محمد غلاب، ج ۲، ط القاهرة ١٩٥٠م].
وأنبه هنا إلى شيء مهم جدًا هو أن الأفكار الواردة في تلك الحضارات لم تكن أفكارًا شعبية ساذجة، بل كانت رؤى علمية دقيقة إذا قيست بسواها من الأفكار العامية في تفسير نشأة الكون والطبيعة البشرية والوجود الكوني والإنساني من حيث مصدره ومصيره والغاية من وجوده، وهذا كله جعلنا ندرج هذه المباحث تحت ما يمكن أن يسمى بالحكمة الشرقية القديمة، كمعين للحكمة الغربية، متمثلة في الحكمة اليونانية، وهذا ما سنتكلم عنه الآن.
د - الحكمة اليونانية: الحكماء السبعة: يحدثنا تاريخ اليونان أن القرن السابع قبل الميلاد قد نبغ فيه رجال معدودون، أشهرهم الحكماء السبعة، منهم "سولون" و"طاليس" أول الفلاسفة الحكماء بالمعنى الدقيق كان مقصدهم الأكبر هو إصلاح النظم والأخلاق، وقد جاءت حكمتهم في عبارات مركزة صاغوها من تجاربهم العملية، حتى صارت أمثالًا، مثل: اعرف نفسك - لا تسرف - الصلاح أمر عسير، فكانوا بذلك مصلحين اجتماعيين أكثر من كونهم فلاسفة متأملين، كما ظهر في هذه الحقبة من تاريخ اليونان ما عرف بالشعر الحكمي، في أمثال منظومة ونقد للأخلاق الإنسانية، حتى جاء دور الفلسفة بالمعنى الدقيق، ومر بأطوار ثلاثة هي:
١- دور النشوء المسمى فجر الفلسفة اليونانية.
٢-دور النضوج، المسمى ربيع الفكر اليوناني.
٣- ودور الذبول والاضمحلال، وهو المسمَّى بخريف الفكر اليونان.
والدور الأول نقسمه إلى مرحلتين: ما قبل سقراط - سقراط والسوفسطائية.
وأما الدور الثاني، فإنه يمثل عصر أفلاطون وأرسطو.
وأما الدور الثالث فقد كان تجديدًا للمذاهب القديمة والعود إلى الأخلاق، والتأثر بالشرق والميل إلى التصوف والعناية بالعلوم الواقعية. [يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية، ص٨، ط١ القاهرة ١٩٣٦].
والمرحلة الأولى من الدور الأول تظهر فيها ثلاث اتجاهات متعاصرة تؤلف ما يمكن أن يسمى بالفلسفة الموضوعية، هي: الاتجاه الطبيعي، والاتجاه الرياضي، والاتجاه الميتافيزيقي.
فالأول من هذه الاتجاهات يمثله: طاليس - أنكسمندريس - أنكيطانس - هيراقليطس.
والثاني من هذه الاتجاهات يمثله: فيثاغورس صاحب الرياضيات، كما ظهرت المدرسة الإيلية القائلة بالوجود الثابت، ثم نشأ فلاسفة حاولوا التوفيق بين الاتجاهات الثلاثة وهم: أنبادوقليس - ديمقريطس - أنكساغورس.
والمرحلة الثانية من الدور الأول اجتازت العقلية اليونانية أزمة عصيبة هي وجود السوفسطائية، التي أخذت تشكك في العقل ومبادئ الأخلاق، حتى حاربهم سقراط ومن تبعه من التلاميذ، حيث ظهرت الفلسفة المعرفية والأخذ بالأسلوب المنطقي في الجدال والمناظرة. [نفس المصدر ص ٢٠].
ويرى مؤرخو الفلسفة أن الكتب التي ألفها رجال هذه المرحلة قد ضاعت، ولا سبيل إلى معرفة أفكارهم إلا من خلال الشذرات التي توجد في مؤلفات أفلاطون وأرسطو.
أما فلسفة أفلاطون الذاتية فقد مزجت بين الحقيقة والخيال والبرهان والقصة، وأما أرسطو فقد عالج القضايا الفلسفية بالعقل المحض، حتى أصبحت على وجهها النهائي الذي هي عليه حتى اليوم. [نفس المصدر ص٨].
وقد ظلت هذه الفلسفة عند كل من أفلاطون وأرسطو محل أخذ ورد منذ ظهورها في الشرق والغرب على السواء، وإن كان السبق لفلسفة أرسطو لما فيها من معطيات العقل والمنطق الشيء الكثير، إذا قيست بفلسفة أفلاطون للسبب الذي ذكرناه منذ قليل، حيث أخذت تلك الفلسفة نصيبًا وافرًا لدى الفلاسفة المخالفين، وبخاصة فلاسفة الإسلام وبصفة أخص لدى كل من الفارابي، وابن سينا، وابن رشد، سنتناول بشيء من التركيز الحكمة عند هذين العلمين وأثرها في الفلسفة الإسلامية وعقائد المسلمين.
الحكمة عند أفلاطون: يمكن أن ندرك حكمة أفلاطون في دراسته للموضوعات الآتية:
ا - المعرفة.
ب - الوجود.
ج - الأخلاق.
وهي التي تشكل المقومات الأساسية لكل فلسفة، غير أن أفلاطون له فهم خاص في بعض قضايا هذه الموضوعات، حتى تتميز فلسفته عن غيرها من الفلسفات الأخرى السابقة عليه، ولعل أبرز القضايا المعرفية لديه هو أنه تجاوز نظرة السوفسطائيين والاتجاه الحسي عمومًا، تلك التي قصرت المعرفة على جانبها الحسي فقط، أما هو فقد تابع سقراط في أن موضوع المعرفة هو الماهيات المجردة التي تدرك بالعقل، وهذا يعني أن حقائق الأشياء ثابتة، وأن العلم بها متحقق، بخلاف ما ذهب إليه السوفسطائيون حين زعموا أن المعارف حسية نسبية، وإن الإنسان الفرد هو مقياسها، بل إن هذا التوجه لدى هذه المدرسة قد تخطى نطاق المعرفة إلى مجال السياسة والأخلاق، واستخدم في منهجه في هذه القضية ما يعرف بالجدل الصاعد والجدل النازل.
ولعل أطرف ما في نظرية المعرفة عند أفلاطون ما ذهب إليه من أن المعارف الإنسانية إنما تنبع من داخل الإنسان نفسه لا من الخارج، وحتى تتضح هذه الفكرة يرى أن النفس وهي في عالم المجردات قبل حلولها في البدن كانت عالمة بحقائق الأشياء، فلما نزلت إلى عالم الأرض، ولبست جسم الإنسان، أصابها نوع من النسيان، ولم يعبأ كثيرًا بما وجه إلى نظريته هذه من معارضة تقوم على أساس أن الإنسان إذا كان يجهل تامًا كل ما يبحث عنه، فإن البحث حينئذٍ يكون مستحيلًا، وإذا كان يعلمه فإن ذلك من قبيل تحصيل الحاصل؛ حيث ذهب إلى أن النفس عندما تلبست البدن لم تفقد كل صلاتها بالعلم الذي كانت تدركه في عالم لمجردات، بل كانت تتذكر ما نسيته كلما كان هناك داع لذلك من المثيرات والدوافع.
ولا شك في أن هذا التفسير لنظرية المعرفة لم يسبق إليه أحد قبل أفلاطون، وأن قوله هذا وإن كان فيه بعض الخيال، إلا أنه جديد إذا قيس بما ذهب إليه غيره، وهذا قريب جدًا من نظرية عالم الذر التي قررها القرآن في آية الميثاق: وهي قوله تعالى: {وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ} [الأعراف: ١٧٢].
كما أن نظريته في المثل تعد من أطرف النظريات، وإن كان يمزج فيها بين العقل والخيال الشعري كما أشرنا،
وأما نظريته في الوجود فهي تحاكي نظريته في المعرفة، حيث يستخلص من الوجود الحسي المتغير الوجود الثابت للحقائق المجردة، ويبرهن على الوجود الإلهي بالحركة والنظام، فأما الحركة فإنها تكون على سبع صور، أولاها الحركة الدائرية المنظمة، وهي أعراض للأجسام يستحيل أن تكون علة لذاتها، بل إنها معلولة لعلة خارجية عنها، هي العلة الأولى أو الله، كما يستحيل - أيضًا - أن يكون النظام والجمال الكوني قد جاء على سبيل الاتفاق أو المصادفة، ولكنه صنع عاقل كامل، كما أن تفاوت المحسوسات في صفاتها وتنوعها إنما يدل على صانع حكيم، والخير المحض هو طبيعته الفائض على كل شيء والرابط له، وينتهي إلى أن العالم قد وجد في زمان، وهذا يعني حدوثه بعد عدم [نفس المصدر ص١١٨]، ولعل هذه الفكرة وغيرها من الأفكار الأخرى في مجال الأخلاق والنفس هي التي جعلت أفلاطون أقرب إلى الروح الإسلامية أكثر من أرسطو، على ما هو معروف لدى فلاسفة ومتكلمي الإسلام، ذلكم لأنه يقول بخلود النفس وبالجزاء في عالم آخر.. الخ
ومن المستحب هنا أن أسوق بعض أقوال مؤرخي الفكر الإنساني من العرب المسلمين، وأخص منهم اثنين:
١ - أبو سليمان السجستاني: الشهير بأبي سليمان المنطقي المتوفى في نهاية القرن الرابع تقريبًا.
٢ - الوزير جمال الدين أبو الحسن علي بن القاضي الأشرف يوسف القفطي المتوفى سنة ٦٤٦ هـ.
فأما الأول (السجستاني) فإنه يعتبر أن الحكمة اليونانية هي البداية الحقيقية للتأريخ الفلسفي، حيث بدأ بتاليس الذي يعده المؤرخون أول مفكر بحث عن أصل الكون بطريقة علمية.
وهو هنا يبالغ جدًا في تقدير هؤلاء، كما جاء في كتابه "صوان الحكمة" ثم ينسب إلى أفلاطون القول إنه عندما فشا الوباء وتضرع القوم إلى الله سبحانه أن يرفع عنهم البلاء: "إنكم كنتم تزجرون عن الحكمة والهندسة فابتلاكم بالوباء عقوبة لكم فإن للعلوم الحكمية عند الله مقدارًا " [هذا القول أحد القولين المنسوبين إلى أفلاطون في قضية العالم، وقد ذكره في محاورة "تيماوس" والقول الآخر إليه أن قال بقدم العالم في "محاورة السياسي"، انظر أبو سليمان السجستاني: صوان الحكمة ص ۸۹، تحقيق د/ عبد الرحمن بدوي طهران ١٩٧٤م].
فلما سمع القوم كلامه وأحبوا الحكمة والهندسة رفع الله البلاء عنهم، ولا شك في أن هذه مبالغة من أبي سليمان؛ إذ يستحيل أن يكون اليونانيون، وهم أصحاب الاتجاه الوثني تقريبًا، على هذه الدرجة من معرفه كيف ينزل الله البلاء وكيف يرفعه.
وأما الثاني (القفطي) فيذهب إلى أن أفلاطون أحد أساطين الحكمة الخمسة في بلاد اليونان، وكان كبير القدر شريف النسب، وصنف كتبًا كثيرة في فنون الحكمة، وأنه بعد أن توقف عن التدريس في الأكاديمية في آخر حياته تفرغ للعبادة، ثم ذكر من بين كتبه التي تركها، كتاب التوحيد، وقد جمع القفطي كثيرًا من أقوال المؤرخين فيه إلى درجة تجعل منه الرجل الحكيم الإلهي [القفطي: اخبار العلماء بأخبار الحكماء ص١٥، ط دار الأنصار، لبنان بيروت ]، وهذه مبالغة لا تقل عن مبالغة السجستاني، وبعض الكتب التراثية عندنا، كالملل والنحل للشهرستاني، يعظمونه بل يصل بعضهم به إلى أن يلقبه بالشيخ اليوناني، وحسبنا تلك المحاولة المتساهلة التي عقدها الفارابي في الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطو، لنعرف مقدار هذه المبالغات إلى درجة تتجاوز المنهج العلمي الصحيح.
الحكمة عند أرسطو:
كانت فلسفته في أغلبها مناهضة لمذهب أستاذه أفلاطون، وبخاصة في نظريته في المثل، وكان يغلظ القول في حقه، فلما عوتب في ذلك قال: أحب أفلاطون وأحب الحق، ولكني أوثر الحق على أفلاطون، ويعنينا من تراثه الجانب الميتافيزيقي، حيث سمَّى موضوعه: العلم الإلهي أو الفلسفة الأولى، جاءت كتبه المنطقية موزعة على ثلاثة أقسام: المقولات – العبارة- التحليلات الأولى والتحليلات الثانية.
وأما الميتافيزيقا فأعلاها العلوم النظرية(الحكمة) وهي التي تدرس الوجود بما هو موجود ولما كنا نطلب المبادئ الأولى وأعلى علله، فهناك بالضرورة موجود ترجع إليه هذه العلل والمبادئ، وهو لا يحتاج في اليقين به إلى برهان، لأنه المبدأ الأعلى الذي يرجع إليه كل برهان، وكل ما نستطيعه في هذا المقام أن نقيم برهان الخلف ضد منكريه، وعلى هذا فموضوع العلة الأولى هو الموجود الثابت، ويمكن أن نطلق عليه اسم "الجوهر الأول" وأما الجواهر الثانية فهي معان كلية وموجودات ذهنية لا أعيان لها قائمة بأنفسها، كما ذهب إلى ذلك أفلاطون في نظرية المثل.
ثم ينتقل أرسطو إلى الحديث عن المحرك الأول الذي يتحرك بذاته، لا بمحرك آخر قطعًا للتسلسل، والمحرك الأول ليس جسميًا، وأنه يحرك كناية، وأنه معقول ومعشوق، وهو بهذا التحليل يستبعد على العالم فكرة الخلق، وقصر فعل المحرك على التحريك فقط، كما قرر أن المحرك الأول عقل وعاقل ومعقول، من ثم لا يعلم إلا ذاته، لأن المعلوم لا بد أن يكون في مستوى العالم والعلم ضرورة، ثم هو من جانب آخر: عشق وعاشق ومعشوق.
وهذا التحليل لمعنى المحرك الأول أو العلة الأولى إذا وضع تحت مخبار العقل الصريح والدين الصحيح فإنه يؤدي إلى نتائج بعكس ما انتهى إليها أرسطو، لأن القول بالحركة الطبيعية وشوق المتحرك إلى محركه يعني عدم إرادة المحرك لما يحركه، والقول بأن الله لا يعلم إلا ذاته يعني: أن ما يجري في الكون ليس داخلًا تحت علمه إلى غير ذلك من الإشكالات العقلية والدينية، الأمر الذي جعل أرسطو نفسه يقول إن الحقيقة الكاملة في هذا المقام لا تنال إلا بتعاون الجهود. [ما بعد الطبيعة: نقلًا عن يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية، ص٢٣٨].
في مجال الأخلاق:
معلوم أن الأخلاق في جانبها النظري يطلق عليها الحكمة النظرية، وخير ما يميز مذهب أرسطو الأخلاقي أنه حلل سلوك الإنسان من خلال الواقع، ومن خلال هذا التحليل رسم الطريق لما ينبغي أن يكون عليه، فلم يجنح إلى الخيال الشعري كما كان الحال عند أفلاطون، كما لم يكن لنزعة الزهد والتصوف مكان لديه، ولم يحتقر عالم الشهادة ويمجد العالم الآخر هروبًا من هذه الحياة كما فعل أستاذه، بل يذهب إلى أن الحياة الفاضلة في نظره لا تكون إلا حيث يكون الإنسان مقيمًا في صميم تلك الحياة الواقعية، راسمًا لنفسه غاية محددة يتطلع إليها، واضعًا أحسن الوسائل لتحقيقها.
إن هذا المنهج في تقرير فلسفة الأخلاق أقرب المناهج إلى الكمال الإنساني، مقيسًا بتلك المناهج المسرفة في الواقعية، كمذهب اللذة الرخيصة، أو المسرفة في المثالية، كمذهب المثالية الصارم عند أصحاب مذهب الواجب، إنه إرادة للنفوذ إلى ما ينبغي أن يكون من خلال ما هو كائن، وهذا يرينا كيف كان مذهب أرسطو الأخلاقي أكثر علمية من المذاهب الأخرى في هذا المقام، حيث أراد تشييد بناء مذهبه في الأخلاق بمنهج طبيعي يتطلع من الواقع إلى ما هو أعلى، أما أفلاطون فقد شيد بناء مذهبه الأخلاقي بمنهج متعال، بمعنى: أن الإنسان الذي يريد لنفسه أن يكون أخلاقيًا ينبغي أن يكون متعاليًا على طبيعته البشرية.
وهذا المنهج الأرسطي في بناء الحكمة الخلقية، كان معبرًا بأمانة وصدق عن الروح اليونانية القديمة وما طبعت عليه من عمق وحيوية ونشاط.
ولا عجب في ذلك، فقد كانت فكرة الجمال والانسجام والسعادة هي التي تسيطر على تفكيره في الجانب الأخلاقي.
والحكمة الخلقية عند أرسطو مبنية على مذهبه في الوسطية للفضائل، حيث ذهب إلى أنها وسط بين رذيلتين متى كانت قابلة لذلك، كالشجاعة - مثلًا - التي هي وسط بين الجبن والتهور، والكرم الذي هو وسط بين التبذير والتقتير، والوسطية في حقيقتها هي: ملكة عمل الفرد على أحسن الوجوه ما يعتبر خاصًا بطبيعته الإنسانية كمخلوق عاقل، وعبارته في ذلك واضحة، حيث قال:" إن الإفراط بالأكثر خطيئة والتفريط بالأقل هو كذلك مذموم، وما بينهما وحده هو الحقيق بالثناء". [الأخلاق نيقوماخوس، ج١ ص٢٤٦].
ويذكر القفطي من أتى بعد أرسطو من الحكماء، ويبين أن فلسفتهم وحكمتهم كانت في أغلبها ترديدًا لكلام السابقين، فيشير إلى الإسكندر الأفردويسي وجالينوس الطبيب الحكيم وفلسفة كل منهما.
وقد اتبع في منهجه في تاريخ الحكماء طريقة المعاجم اللغوية: التي تجعل الحروف الأبجدية هي الأساس في التعريف بهؤلاء الحكماء، حتى ينتهي إلى عصره في منتصف القرن السابع الهجري، ويعد كتابه هذا مرجعًا مهمًا في تاريخ الحكماء، يستوي في ذلك حديثه عن الأفراد أو الجماعات، ومن أشهر الجماعات التي ذكرها جماعة إخوان الصفا، فأبان حكمتهم، وأنهم اجتمعوا على تصنيف كتاب في أنواع الحكمة الأولى، ورتبوه مقالات عدتها إحدى وخمسون مقالة، خمسون منها في خمسين نوعًا من الحكمة، ومقالة حادية وخمسون جامعة لأنواع المقالات على طريق الإيجاز والاختصار، ثم يحكم عليها بأنها مشوقات غير مستقصاة ولا ظاهرة الأدلة والاحتجاج، وكأنها للتنبيه والإيماء إلى المقصود الذي يحصل عليه الطلب لنوع من أنواع الحكمة. [نفس المصدر ص٥٨].
ويذكر أبو حيان التوحيدي أنه دفع بهذه الرسائل إلى أستاذه أبي سليمان السجستاني فلما قرأها قال: تعبوا وما أغنوا، ونصبوا وما أجدوا، وحاموا وما وردوا، وغنوا فما أطربوا، ونسجوا فهلهلوا، وظنوا أنهم يمكنهم أن يدسوا الفلسفة التي هي علم النجوم والأفلاك والمقادير وآثار الطبيعة والموسيقى في الشريعة، وأن يربطوا الشريعة في الفلسفة، وهذا مرام دونه حود... فلما سمع البخاري ابن العباس، قال: ولم ذلك أيها الشيخ؟ رد عليه قائلًا: إن الشريعة مأخوذة عن الله عزوجل بوساطة السفير بينه وبين خلقه من طريق الوحي، وباب المناجاة، وشهادة الآيات وظهور المعجزات. [نفس المصدر ص ٠ ٦].
إن الناظر في رسائل إخوان الصفا يحس بأنها حكمة تلفيقية - إن صح التعبير - حاولت جاهدة أن تجمع بين الدين والفلسفة في منظومة واحدة، هي: علاج الإنسان من كل أدوائه في صحته بالوقاية، وفي مرضاه بعلاجه، حيث كان من أشهر أقوالهم: إن الفلسفة طب الأصحاء والشريعة طب المرضى، وهذه غاية حكمتهم، والحكم عليهم بعد هذا البيان متروك لأولي النهى، وأما ما حكم به أبو سليمان السجستاني على هؤلاء، فإني أقدره حق التقدير.
وتاريخ الفلسفة والحكمة يحدثنا عن كثيرين من الأفراد كانوا حكماء أو على الأقل ادعوا ذلك، ويطول بنا المقام لو نشير ولو بإيجاز إلى نوع حكمتهم، فلنتجاوز إيراد تاريخهم لمن يريد المزيد، ونتكلم على واحد يعتبره المؤرخون بداية للفلسفة والحكمة الإسلامية، وأعني به: فيلسوف العرب "الكندي".
ومن الطبيعي أن تختلف الآراء حول فلسفته والآثار التي تركها، فابن النديم [الفهرست ص ٢٧٠]، يعتبره من كبار الفلاسفة الموسوعيين، ويذكر آثاره بأنها مائتان واثنان وأربعون، وهي غالبًا - رسائل صغيرة، وأما موضوعات فلسفته فقد دارت حول: المنطق - الفلسفة الأولى - الحساب – الكرويات- الموسيقى - الفلك - الهندسة - الطب - التنجيم - الكلام - علم النفس - السياسة - الآثار العلوية - طبيعة الأقاليم - التكهنات - الكيمياء، وأما السجستاني فقد اعتبره عالمًا طبيعيًا ورياضيًا فقط، [تاريخ حكماء الإسلام ص٤٧]، وقد وصفه بعضهم [صاعد الأندلسي - طبقات الأمم ص ٥٢]، بالتقصير والسطحية، وبخاصة في المنطق، وكلمة الحق في هذا الحكم الأخير تتأكد أو تنتفي لو أن كتبه في المنطق تحت أيدينا.
وقد عارض فلسفة أرسطو في عدد من المسائل الفلسفية، وظل ممسكًا بالروح الإسلامية، ولكن في نطاق الفكر الاعتزالي، حيث نسبت إليه آراء هي كلها من صميم تفكير هؤلاء، مثل: العدل، وأن أفعال الله تعالى كلها كذلك، كما تكلم عن الاستطاعة وزمان كونها، ودافع عن فكرة الحدوث من العدم التي يقول بها المتكلمون، والتي تتفق مع نظرية الخلق القرآنية، ورد على الملحدين من المانوية وغيرهم، كما دافع أيضًا عن حشر الأجساد، وإمكان حدوث المعجزات، وصحة الوحي، وقدرة الله تعالى على إحداث العالم وإفنائه.
وأما الفلسفة من حيث موضوعها فقد كان أرسطيًا، لأنها: العلم بحقائق الأشياء على قدر الطاقة الإنسانية، ويتأتى العلم بها من العلم بعللها الأربع: المادية - الصورية - الفاعلة - الغائية.
وأما الفلسفة الأولى، التي حررها في رسالته إلى المعتصم فقد قرر أنها: علم الحق الأول الذي هو علة كل حق، وهو الواحد الحق الذي لا يمكن تصور عدمه، أو وجوده عن علة غير ذاته، ويعني هذا أنه لا جنس له ولا نوع ولما كان كذلك فإنه لا يتغير ولا يفسد، لأنهما ينجمان عما يلحق الشيء من الأضرار التي هي تابعة لجنس واحد كالحار والبارد، والرطب واليابس، وهي تابعة لجنس واحد، ولما كان الأول غير جنس فقد لزم عدم قبوله للتغير والفساد.
ويثبت الكندي تناهي جرم العالم بطريقة رياضية لا تقبل الجدل، مما يعرف بقياس الخلف، ولما كان الجرم والحركة والزمان أمورًا متلازمة، فإن هذا يعني أن العالم متناه، وبهذا ينتهي إلى ما انتهى إليه المتكلمون في العالم، غير أنه استخدم المنطق الرياضي لا النظري في إثبات ذلك، مما جعل برهانه هنا أقوى من برهانهم [يرى كثير من المؤرخين - أن القائلين بحدوث العالم من مفكري الإسلام كانوا متأثرين إلى حد كبير بآراء يحيى النحوي في رده على أرسطو وبرقلس من بعده اللذين قالا بقدم العالم وأزليته، وهذا كلام يحتاج إلى تحقيق لا يحتمله هذا المقام]، وهذه مقدمات برهانية لإثبات وجود الله تعالى وأزليته.
وأما حديثه عن الصفات الإلهية وعلاقتها بالذات، فقد كان فيها معتزليًا صرفًا، وهذا أمر طبيعي لمفكر يتمتع بقدرة فائقة في الرياضيات التي تعتمد على الحقائق الموضوعية لا الجدلية، حتى إنه ليعد أحد أعلام الإنسانية البارزين في هذا المجال حتى عصره [يرى بعض الباحثين أن الكندي صاحب المحاولة الأولى للتوفيق بين الدين والفلسفة (انظر: د/ أبو ريدة في تقديمه لرسائل الكندي الفلسفية ج ۱ ص ۹۷ وصفحات أخرى]، ومن المناسب ونحن نتكلم في الحكمة أن ننقل بعض المأثورات الحكمية التي نسبها إليه أبو سليمان السجستاني صاحب "صوان الحكمة".
ومنها قوله: إذا كانت العلة الأولى - الله ٠ متصلًا بنا لفيضه علينا، وكنا غير متصلين به إلا من جهة فيضه، فقد يمكن فينا ملاحظته على ما يمكن المقاض عليه أن يلحظ الفائض فيجب ألا ننسب قدر إحاطته بنا إلى قدر ملاحظتنا له، لأنها أعز وأوفر وأشد استغراقًا لنا، فإذا كان هذا هكذا، فقد بعد عن الحق بعدًا كثيرًا من ظن أن العلة الأولى لا تعلم الجزئيات.
وقال أيضًا: أحسن الكلام ما كان صفو العقل من ناحية المعنى، وعفو الطبع من جهة التأليف، فيجتمع فيه صواب الراد وحلاوة الإيراد، وقال: النظر في كتب الحكمة أعياد النفوس الناطقة.
والحق أن هذه المأثورات في الحكمة لم توجد إلا عند أبي سليمان السجستاني - فيما أعلم - كما لم يشر إليها المرحوم الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة، وهو الذي عاش معه كثيرًا في تحقيق رسائله الفلسفية.
الفارابي:
إذا كان الكندي قد شق طريق الفلسفة، وكان له الفضل الأكبر في نشر الفلسفة اليونانية بين العرب، فإن الفارابي كان أول الفلاسفة المسلمين بكل ما للكلمة من معنى، وإذا كان الكندي لم يترك مذهبًا فلسفيًا، بل كان حاكيًا للفلاسفة المتقدمين إلا في نطاق الفكر الإسلامي الاعتزالي - كما أشرنا - فإن الفارابي كان أكبر فلاسفة الإسلام كما قال عنه ابن خلكان، وقام في العالم الإسلامي بالدور الذي قام به أفلاطون في العالم الغربي، فقد أخذ عنه تلميذه ابن سينا، كما أخذ عنه ابن رشد، وقد استحق بكل جدارة لقب المعلم الثاني، كما كان أرسطو يلقب بالمعلم الأول.
وقد عالج في منهجه الفلسفي كثيرًا من الموضوعات الفلسفية، غير أن كتبه لم يتح لها الانتشار مثل كتب ابن سينا إما لأنها مغلقة كما يقول بعض المؤرخين، بخلاف كتب ابن سينا، التي كانت رائقة الأسلوب ظاهرة المعنى، وإما لأنها رسائل صغيرة، وليست كتبًا مطولة ككتب الشيخ الرئيس، وقد نال شهرة في القرون الوسطى جعلت اليهود يكتبون عن آثاره، ونقلها إلى اللغة العبرية.
والناظر في مؤلفاته يلحظ أن القسم الأكبر منها شروح وتعليقات على فلسفة أفلاطون وأرسطو، وقد نقل عن ابن سينا أنه قال: قرأت كتاب أرسطو في ما بعد الطبيعة أربعين مرة، فلم أفهمه، حتى وقع في يدي كتاب الفارابي في أغراض هذا الكتاب، فلما قرأته فتح علي ما كان مغلقًا منه.
وفلسفته في أساسها تقوم على المزج والتلفيق مع صبغة إسلاميته أحيانًا، فهو أرسطي في المنطق والطبيعيات، أفلاطوني في الأخلاق والسياسة، أفلوطيني فيما بعد الطبيعة، مع نزعة شيعية إمامية، كما أنه من المؤمنين إلى حد بعيد بوحدة الفلسفة، المدافع عنها، من ثم كانت هي الأساس في نزعته التوفيقية بينها وبين الدين، ولعل إيمان الفارابي بوحدة الفلسفة كان وراء اهتمامه بالجمع بين الآراء المتباعدة أحيانًا، وكان من بين أعماله الظاهرة كتابه المعروف "الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطو"، ويظهر أنه لم تتضح لديه حقيقة الدراسات المعمقة، وهذا هو الذي جعل واحدًا مثل "ديبور" يصفه في هذا المقام بأنه كان يتشرب المذاهب الفلسفية تشربًا سطحيًا، كما لم تكن نفسه تنزع إلى النقد الذي يميز الأشياء بعضها من بعض، وإنما كان يشعر بحاجة لأن يحصل في نفسه صورة شاملة للعالم، وهذه الرغبة فيها من روح الدين أكثر مما فيها من روح الفلسفة والعلم [ديبور: تاريخ الفلسفة والإسلام ص٢٠٠، ط بيروت١٩٨١م].
والآثار التي تركها الفارابي لتأكيد قضية التوفيق بين المذاهب والآراء تدعيمًا لوحدة الفلسفة، قد طواها الضياع، ولم يبق منها إلا كتاب "الجمع بين رأيي الحكمين"، و"فصوص الحكم" و"عيون المسائل" و"إحصاء العلوم" وغيرها.
ومن خصائص منهجه في التأليف أنه كان يعمد إلى القضايا الجوهرية فيجعلها مجالًا لبحثه ويتغاضى عن القضايا الفرعية أو الهامشية، وكان لا يميل إلى الإسهاب والتكرار، ويستعمل الأسلوب الملغز المركز، ويرى أن التعبير عن القضايا الفلسفية ينبغي أن يمتاز بالحكمة، وقد أعجب الفارابي بفلسفة إخوان الصفا، وكان معهم على القول بوحدة الحقيقة الفلسفية، وأن الاختلاف بين الآراء والمذاهب إنما ينحصر في الصورة الظاهرة، وأما الحقيقة الباطنية فواحدة، لا يدركها إلا الحكماء والراسخون في العلم.
التوفيق بين الدين والفلسفة
تظهر هذه القضية بوضوح في حديث الفارابي عن الله - سبحانه وتعالى - وعلاقته بصفاته، ثم علاقته بالعالم.
حيث يقسم الوجود قسمين:
أحدهما: إذا اعتبر ذاته وجب وجوده لذاته ويسمى "واجب الوجود".
وثانيها: إذا اعتبر ذاته لم يجب وجوده ويسمى "ممكن الوجود لذاته" أو "واجب الوجود لغيره"، وهو "العالم"،
وهذا القسم من قسمي الوجود، لا بد له من علة أخرجته من دائرة الإمكان إلى دائرة الوجود والتحقق، ولما كان من المستحيل عقلًا أن يكون ممكن الوجود قد تحقق بممكن مثله، ضرورة تسلسل الممكنات، ولما كان التسلسل باطلًا عقلًا فقد دل ذلك على أن الممكن لا بد أن يستند في تحققه ووجوده إلى واجب الوجود، وهو الذي يلزم من افتراض عدم وجوده محال.
وواجب الوجود هذا بسيط غير مركب، وهو في نفس الوقت لا شريك له ولا ند، وهو مبرأ من المادة والصورة، وكونه بسيطًا يعني أنه لا ماهية له خارجة عن ذاته، لأن الماهية إنما تكون للموجودات التي يجمعها جنس ويميزها فصل.
وأما صفاته سبحانه، فهي لا تختلف عن جوهره نظرًا لبساطته، إذ هو بجوهره عقل بالفعل، ولما كان كذلك فإن صفاته الكمالية والجلالية إنما هي لذاته، لا تقتضي مع تلك الذات تكثرًا ولوفي التصور الذهني، وقد صدر العالم عنه بطريق الفيض، ولما كان واحدًا فإن ذلك يقتضي أن لا يفيض عنه إلا واحد مثله، هو العقل الأول، وهو مبرأ عن المادة، وبتصور هذا العقل لذاته ولمصدره يصدر عنه العقل الثاني والفلك الأول، وهكذا تستمر مسألة التعقل والفيض حتى تنتهي إلى العقل الفعال المتصرف فيما دون فلك القمر، وهو الذي يسميه الفارابي بالروح الأمين أو الروح مقابلًا باللوح المحفوظ الذي جاء به الشرع والمدقق يلاحظ أن الفارابي واقع تحت تأثير عدة مصادر عليه، فنظام العقول فكرة أرسطية وأفلوطينية كما وجدت لدى الإسماعيلية من الباطنية، والأفلاك عنده هم الملائكة، وهي فكرة إسماعيلية، ومحاولة إيجاد ترابط بين عالم العقول والأفلاك بعالم الملائكة الذي تحدث عنه الشرع، محاولة غير صحيحة، لأن عالم العقول والأفلاك في الفلسفة وعند الإسماعيلية له تأثير في عالم الخلق (العالم السفلي) وأما -الملائكة - فهم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون بنص القرآن الكريم.
من ثم يظهر أن الجهد الذي بذله الفارابي ومن على شاكلته في التوفيق بين الدين والفلسفة كان جهدًا ضائعًا إلى حد بعيد، وكان تعليق المرحوم الدكتور محمد البهي على هذا الجهد بأنه كان على حساب كل من الدين والفلسفة كان حكمًا صحيحًا وأمينًا، كما قرر صاحبا كتاب تاريخ الفلسفة العربية أن الفارابي قد بذل جهودًا جمة في التقريب والتفسير والتوفيق، ولكنه لم يترك لنا في هذا الباب ما يرضي العقل البصير. [انظر: د/ البهي - الجانب الإلهي من التفكير الإسلامي ص١٥٠، د/ حنا الفاخوري وزميله: تاريخ الفلسفة العربية ج ٢ص ١٢١].
وحسبنا هذه الأحكام التي جاءت متسرعة إلى حد ما، وبخاصة ذلك الحكم الأخير على عمله في الجمع بين رأيي الحكيمين.
ابن سينا:
يرى كثير من مؤرخي الفلسفة في الشرق والغرب على السواء أن ابن سينا قد أدرك الفلسفة، وقد تعبدت طرقها وتمهدت مسالكها على يد من سبقه - الكندي والفارابي - وبهذا كان شارحًا وموضحًا لفلسفة الفارابي على وجه أخص، ولم يكن ذا مذهب فلسفي مستقل، غير أن أسلوبه في التأليف الفلسفي قد تميز بالشاعرية والوضوح، فانتشرت الفلسفة على يديه أكثر مما كانت لدى أستاذه الفارابي، كما تميزت مؤلفته بأنها كانت مطولة مسهبة، وقد شاء القدر أن يبقى معظمها حتى يومنا هذا، كما كان له من الأتباع والتلاميذ في العالمين الإسلامي والغربي من أعجب بمذهبه الفلسفي وروج له، أمثال: الشهرستاني وفخر الدين الرازي، والنصير الطوسي في الشرق، الذين شرحوا كتبه وعلقوا عليها، وبفضل الترجمات لأمهات كتبه إلى اللغة اللاتينية في الغرب على يد أمثال: ميخائيل اسكوت وهرمان الجرماني، فكان معروفًا قبل ابن رشد لدى الغربيين الذين وجدوا في فلسفته المَعْبر القريب إلى الفلسفة اليونانية وصورتها عن الأفلاطونية المحدثة، الذي اتهم ابن سينا بأنه من الآخذين بها والذائعين لا، فكانت الحملة على هذه الفلسفة، بعد حملة الغزالي عليها في الشرق موجهة إلى ابن سينا في الأساس.
ويقر بعض المؤرخين أن ابن سينا له الفضل في تطوير التعبير الفلسفي وترقيته، سواء أكان ذلك فيما ألفه باللغة العربية أم بالفارسية، التي ألف بها كتاب "دانشنامه" الذي هو أول كتاب فلسفي في الإسلام يؤلف بهذه اللغة [ابن سينا: النجاة ص١٥٨].
كتب ابن سينا:
أشرنا إلى أن كتب ابن سينا بقي معظمها حتى الآن، فقد ورثنا عنه كل مؤلفاته تقريبًا، وبخاصة موسوعتيه في الشفاء، والإشارات والتنبيهات، وقد أصدر "الأب جورج قنواتي "كتابًا عن مؤلفات ابن سينا، حيث بلغت لديه مائتين وستة وسبعين مؤلفًا بين مطبوع ومخطوط، وهي في مجموعها تناولت كل علوم الفلسفة بمعناها الشامل من الطبيعيات والإلهيات والرياضيات والمنطقيات، كما جاء فيها عدد من الرسائل الصوفية، وكذلك في كتابه "الإشارات" ما يكشف عن توجه واضح نحو ما يسمى بفلسفة الإشراق أو الفلسفة المشرقية، وقد كان لذا التوجه أساس لمن قال، إن فلسفة الشيخ الرئيس ذات وجهين، أولهما ما قدمنا، وثانيهما ما أطلق عليه ابن سينا اسم "الفلسفة المشرقية" التي توهم فيها إمكانية وجود فلسفة إسلامية مستقلة عن الفلسفة اليونانية والأفلاطونية المحدثة، وهو توهم لم يتحقق، وبهذا يظهر أن دعوى ثنائيته الفلسفية ليست صحيحة، بل هو مشائي أفلاطوني أفلوطيني مسلم، تأثر إلى حد كبير بفلسفة إخوان الصفا كما فعل الفارابي قبله، وكذا بالمذهب الإسماعيلي الباطني، ولعل هذا كله يرينا أن فلسفته كانت مزيجًا من عدة فلسفات سابقة، مطعمة بنكهة إسلامية واضحة.
وفلسفته الإلهية والكونية، ترتكز على ما جاء لدى أرسطو والأفلاطونية المحدثة مضافًا إليهما البطليموسية، والناظر في كيفية صدور الكثير عن الواحد لديه يلحظ ذلك بسهولة، الذي لم يغادر ما قيل عنها في هذه المدارس تقريبًا إلا ما كان يقتضيه المقام من التوفيق بينها وبين الدين، كما رأينا لدى الفارابي قبله، مما يجعل ذكره هنا تكرارًا لا معنى له.
ابن سينا والنفس:
لهذا الجانب لدى الشيخ الرئيس عناية خاصة، حيث نوع أقسامها إلى نفس إنسانية فحيث تدرك الكليات وتفعل بالاختيار، وإدراك الجزئيات والتحرك بالإرادة هي نفس حيوانية، وأما من حيث التولد والنمو والغذاء فهي نفس نباتية، وهي في حقيقتها نفس واحدة، وهذه هي قواها، وفي حديثه عن قوى النفس تكلم عن قوى هذه الأنواع الثلاثة، فقوى النفس النباتية هي: القوة الغاذية، والقوة المنمية، والقوة المولدة، وقوى النفس الحيوانية هي: المحركة وتحتها القوة الباعثة والقوة الفاعلة، وأما القوة المدركة فإدراكها إما من الخارج (الحواس الخمس) وإما من الداخل وتحتها القوة الحافظة والواهمة، والمركبة، والمصورة، والحس المشترك، وأما النفس الناطقة فقواها: العقل النظري والعقل العملي، وتحت العقل النظري يأتي العقل الهيولاني (الممكن) والعقل بالملكة - والعقل القدس، والعقل بالفعل، والعقل المستفاد.
ودراسة ابن سينا للنفس وقواها بهذا التحليل والعمق، لم يسبق إليها، وهو لم يقتصر في دراسته لها على الجانب الميتافيزيقي، بل انتهى إلى نظريات جديدة في الجانب التطبيقي، تجعله أساسًا للدراسات النفسية المعاصرة لدى كثير من الغربيين، كما كان للعقل القدس لديه، أكبر الأثر في تدعيم نظريته في النبوة.
وأما عن الأخرويات المتعلقة بالنفس الإنسانية، فقد قال بخلودها، وأقام الحجة على ذلك، وعلى روحانيتها، وأما عن سعادتها أو شقائها في الآخرة، فقد كان مترددًا بين مذهب الذين يقولون بالمعاد الروحي، الضرورة بالسعادة أو الشقاوة الروحيين، وبين ما جاءت به الأديان من القول بروحانيتها وماديتها معًا.
وأما عن العلاقة الوجودية بين واجب الوجود والعالم، فإنه يرى أن المتكلمين الذي ذهبوا إلى ما ذهب إليه يحيى النحوي في رده على بروتس القائل بقدم العالم ودحض حججه في هذه المسألة، والانتهاء إلى القول بحدوثه، فإنه يستغرب من هذا القول، ويرده بشدة، وينتهي إلى أن يكون بين الله سبحانه وتعالى كعلة فاعلة وبين العالم كمعلول قابل، تكافؤ ما، ولما كان من لوازم المعلول أن لا تكون معلوليته لذاته، فقد لزم أن تكون لغيره، وهو واجب الوجود، ولما كان وجود الواجب خارج الزمان، فإن معلوله (العالم) كذلك يكون لا أول له، وشرف العلة عن شرف معلولها، إنما ينبغي أن ينحصر في أن العلة واجبة لذاتها وأما المعلول فواجب بغيره ممكن بذاته. [ابن سينا: الشفاء ص٢٧٨].
هذه باختصار فلسفة الشيخ الرئيس، وهي لا تعدو أن تكون انتقاء لرؤى - فلسفة أرسطية بالدرجة الأولى وأفلاطونية وأفلوطينية وإسماعيلية وفارابية وفلسفة إخوان الصفا - في الدرجة الثانية، مع امتزاج واضح برؤيته لمفكر مسلم له دين.
وقد وقف منه ومن المشائية عمومًا مفكر عربي أصيل له قدره في البحث والتقصي، ونعني به أبا البركات البغدادي موقف الناقد البصير، الذي كشف كثيرًا عن عورات المشائية اليونانية والإسلامية على السواء، ويخص هنا ابن سينا، وذلك في كتابه "المعتبر" في الحكمة والإلهيات، الذي ننصح بقراءته.
وحسبنا هذا القدر من الحديث عن الحكمة أو الفلسفة، لدى رموز الحضارتين اليونانية والإسلامية، لتعرف مدى إصابة كل واحد منهم لكبد الحقيقة، وليتأكد لنا في النهاية أن الحكمة البشرية النسبية التي أشرنا إليها في صدر هذا البحث، لا تعدو أن تكون عملًا إنسانيًا يجوز عليه الصواب والخطأ، وأما الحكمة الإلهية المطلقة فهي الجديرة بالتفرد، وصدق الله حيث قال: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِيلٗا} [الإسراء: ٨٥].
الحكمة ليست مصطلحًا لغويًا أو فلسفيًا فحسب، بل منظومة تتكامل فيها الشريعة والعقل والخبرة الاجتماعية، سواء عبر دوافع الدين أو مناهج الفلاسفة، تحمل الحكمة رسالة تصحيح السلوك، تحقيق التوازن الأخلاقي، وبناء واقع إنساني متماسك، ولذا تبقى الحكمة حلقة الوصل بين المعرفة والعمل، وبين المدركات الإلهية والنظرية الإنسانية.
تُشكل أحكام العقل الثلاثة (الواجب، والممكن، والمستحيل) حجر الزاوية في التفكير الفلسفي والمنطقي،
العلة من المفاهيم الأساسية التي تحظى بأهمية بالغة في الفكر الإسلامي والفلسفي
الجدل ظاهرة فكرية واجتماعية تعكس سعي العقل الإنساني نحو الحقيقة