العلة من المفاهيم الأساسية التي تحظى بأهمية بالغة في الفكر الإسلامي والفلسفي، ويختلف مفهوم العلة باختلاف التخصصات بين الفقه والعقيدة والفلسفة؛ مما يفتح آفاقًا واسعة للتأمل والتحليل.
العلة من المفاهيم الأساسية التي تحظى بأهمية بالغة في الفكر الإسلامي والفلسفي، ويختلف مفهوم العلة باختلاف التخصصات بين الفقه والعقيدة والفلسفة؛ مما يفتح آفاقًا واسعة للتأمل والتحليل.
العلة كلمة تدور على ألسنة كثير من المتخصصين كل في مجال تخصصه، فضلًا عن أنها كلمة قد وضعها الواضع اللغوي بإزاء المعنى الذي أراده لها وخصصها للدلالة عليه.
وهذه الكلمة (العلة) لها علاقة ببعض الكلمات التي لها دلالات تقرب أو تبعد من دلالات هذه الكلمة، يستحضرها الذهن حين تصافح الآذان كلمة (العلة) من نحو السبب، والشرط، والمانع، والحكمة، وهي كلمات تعرف مدلولاتها في أماكنها في هذه الموسوعة فراجعها كل في مكانه.
المعنى اللغوي (للعلة):
ولنبدأ - هنا - بتحديد المعنى اللغوي للعلة على نحو ما وضعه الواضعون لها، وربطوه بها، ونقله مؤرخو اللغة والراصدون لتطورها.
ويكاد يجمع الباحثون على أن المعنى الوضعي أو اللغوي للعلة هو كما يقول الجرجاني: (عبارة عن معنى يحل بالمحل فيتغير به حال المحل بلا اختيار، ومنه يسمى المرض علة؛ لأنه بحلوله يتغير حال الشخص من القوة إلى الضعف). [الجرجاني: التعريفات ص ١٣٤].
وتتوسع الموسوعة الفقهية الكويتية حين يرد فيها التعريف اللغوي للعلة على هذا النحو الذي حملته عبارة الموسوعة هكذا: (العلة لغة: تطلق على المرض، وتطلق على السبب) [الموسوعة الفقهية الكويتية ٣/ ٨٦]، وهو أمر يحملنا على أن نرجع إلى القدماء الذين نظروا في هذا الموضوع لما يتمتعون به من دقة في التعبير، وإحاطة في النظر.
وإذا كنا قد نقلنا عبارة السيد الشريف الجرجاني فإنه من المستحسن أن ننقل عبارة (البحر) لصاحبه بدر الدين محمد بهادر الزركشي نجتزئ منها ما يشبه عبارة معاصره باختصار وتركيز قال: (والعلة في اللغة، قيل: هي اسم لما يتغير حكم الشي بحصوله، مأخوذة من العلة التي هي المرض؛ لأن تأثيرها في الحكم كأثر العلة في ذات المريض). [الزركشي: البحر المحيط ٥/١١١].
ولنا أن نبحث عن المجال المعنوي أو الأصل الأصيل الذي وضعت الكلمة لتعمل فيه.
وما ذكرناه يؤكد لنا أن هذه المادة (ع ل ل) إنما أخذت من الفعل (علَّه) بمعنى أمرضه وأضعفه فاعتل بهذا المرض وضعف بسببه.
وهذا الأصل الذي ترجع المادة إليه على هذا النحو قد ذكره الزركشي شارحًا له ومبينًا أنه كان موضع الرضا من بعض العلماء، قال (ويقال: اعتل فلان إذا تغير حاله من الصحة إلى السقم، وهذا المعنى اعتمده القاضي أبو بكر في كتاب الإخبار عن أحكام العلل). [السابق ٥/١١١].
وهذا المعنى الذي ارتضاه القوم يمكن اعتماده ولكن مع تغيير في التوجيه بحيث بالإمكان أن نقول مع الزركشي: (وقيل: لأنها ناقلة بحكم الأصل إلى الفرع كالانتقال بالعلة من الصحة إلى المرض، حكاه ابن السمعاني، وقال: الأول أحسن).
المعنى الاصطلاحي والشرعي: وإذا ما انتهينا من المعنى اللغوي على هذا النحو وعدنا إلى المعنى الاصطلاحي، كان لزامًا علينا - والحالة هذه - أن نقف وقفة تأمل لمعرفة المعنى الحقيقي للعلة في استعمالات الشرع أو استعمالات العلماء في مجالاتهم المتعددة.
والعلة: عبارة شائعة الاستعمال على ألسنة كثيرين من الأصوليين، والفقهاء، وعلماء العقائد، والفلاسفة والعقليين، وعلماء العروض من الذين لهم اهتمام بموازين الشعر ومعايير النظم.
ومع هذا الشيوع في هذا الاستعمال لكلمة (العلة) وجدنا كل طائفة من الطوائف تحاول أن تضبط مصطلح (العلة) على ما يناسب توجهاتها الفكرية، وانتماءاتها الثقافية، وأصولها العقدية، وهي أمور تجعل من يتصدى لتعريف العلة ملتزمًا بالوقوف مع كل طائفة ليتعرف على معنى العلة عندها منضبطة على أصولها وتوجهاتها ومنطلقاتها العقدية والثقافية.
١- أما عند الفلاسفة والعقليين عمومًا، فإن العلة يكون لها مفهوم آخر غير الذي ذكرناه، خلاصته أن (العلة) "هي ما يتوقف عليه وجود الشيء ويكون خارجًا عنه ومؤثرًا فيه" [السابق ص١٣٤] فتكون علة الشيء على هذا هي ما يتوقف عليه وجود الشيء وليس جزءًا منه، وهوما انتهى إليه العقليون والفلاسفة.
٢- ويبقى الحديث عن (العلة) عند علماء العقائد وأصول الفقه والفقهاء، وهم ما يمكن أن نجمعهم تحت عنوان واحد كأن نقول: معنى العلة في الشرع أو كما قال الجرجاني تعريف العلة في الشريعة.
وعلماء الشريعة والعقائد في الإسلام تحكمهم في قضيتي العلة والمعلول، والسبب والمسبب، مسألة عقدية، وهي أن الله - عز وجل - هو الخالق لكل ما يقع في الكون، بحيث لا يقع فيه إلا ما يريده، ولا يوجد فيه إلا ما هو خاضع لمشيئته فـ(ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن)، وهذا قول عام يشمل جميع المسلمين علماءهم ودهماءهم على السواء إلا أنه من الممكن أن نجد لبعضهم شيئًا من التوجه يظهر في أن الله - عز وجل - قد أطلق قانون العلية في الأمور العقلية، كما يظهر في أن بعضهم قد أطلق قانون العلية أو السببية في المسائل الطبيعية أو الحيوية، وتبقى المسائل الشرعية، وما يتصل بها من أحكام يكون الله - عز وجل - هو السبب المباشر فيها، وما نسميه سببًا أو علة لا يعدو أن يكون علامة ينصبها الشرع ليقع الحكم عندها لا بها؛ فهي ليست مؤثرة فيه، وحتى هذا المفهوم لم يكن محل اتفاق لدى جميع علماء العقائد والشريعة، بل إن بعضهم كالمعتزلة وغيرهم لهم وجهات نظر يرون أنها تتفق مع أصول مذاهبهم.
ونظرًا إلى هذه الخلفية تعدد تعريف العلة عند الأصوليين وعلماء العقيدة، وكثر التعبير عنها بما يناسب هذه التوجهات، ومع كثرة هذا التعدد يمكن أن يحصر التعبير عن هذه التوجهات في خمسة أوجه على النحو التالي:
أ - الوجه الأول: عند الفقهاء والأصوليين: إن العلة: هي المعرف للحكم.
ومعنى هذه العبارة أن العلة قد جعلت علمًا على الحكم، بحيث إذا ما وجد المعنى وجد الحكم.
وهذا التعريف على هذا النحو قد نسبه الزركشي إلى كثرة من العلماء منهم الصيرفي في كتاب الأعلام، وابن عبدان في شرائط الأحكام، وأبو زيد، وهو من الحنفية، وذكره سليم في التقريب، كما اختاره صاحب المحصول والمنهاج وغيرهم كثير.
وأصحاب هذا الرأي يؤكدون أنه لا يجوز أن تكون العلة مؤثرة في الحكم الشرعي، وإنما هي كالعلامة عليه وحيثية هذا الرأي وحجته في أمرين:
أحدهما: أن المؤثر في الحكم على الحقيقة هو الله، كما هو الشأن في جميع الكائنات؛ إذ المؤثر في الكل هو الله وحده.
وثانيهما: أن الحكم قديم باعتباره راجعًا للأمر والنهي؛ وهما من كلام الله القديم فلا تؤثر فيه العلة الحادثة.
إشكال وارد:
وهذا التعريف ينقضه أنه إذا تأملنا فيه وجدناه غير مانع لدخول السبب في تعريف العلة؛ إذ السبب عند الفقهاء كما هو في الوضع اللغوي إنما هو هذه العلامة التي يقع الشيء عندها لا بها، وهي في عرف الشرع علامة قد نصبها الشارع لتدل المكلف على الحكم الذي يمكن انتزاعه من الدليل إذا غم الأمر على المجتهد، وعزَّ عليه أن يدرك الدليل، وهو من رحمة الله - سبحانه وتعالى - بعباده.
قال الزركشي معلقًا على هذا التعريف: ونقض – التعريف - بالعلامة، فإن الحد صادق عليها وليست الأحكام مضافة إليها.
والكثيرون من أصحاب هذا الرأي يحاولون أن يلفتوا نظر قرائهم إلى أنهم يريدون تعريف العلة في مجال الشرعيات، ويؤكدون أن تعريفهم في هذا المجال ليتخففوا من تعريف العلة في مجال العقليات؛ إذ إن العلة في مجال العقليات مؤثرة بحيث إذا وجدت بمعناها وحقيقتها وجد المعلول، وإذا غابت غاب المعلول! فتأمل.
ويبدو أن هذا التفريق بين العلة في مجال الأحكام الشرعية، والعلة في مجال المعقولات مبني على أن الأحكام الشرعية قد يدخل عليها التعبد وهو أمر فوق الفهم، أما المعقولات فهي أمور مفهومة يمكن لأرباب العقول والنهى أن يدركوا العلاقة بين العلة والمعلول بسهولة، وهذا اللون من التبرير أكده الصيرفي فيما نسبه الزركشي إليه؛ حيث قال: هذا بالنسبة إلى العلل الشرعية كما قاله الصيرفي، أما العقلية فموجبة، والفرق بينهما أن الشرع دخله التعبد الذي لا يعقل معناه، بخلاف العقل فإن أحكامه معقولة المعاني فمن ثم كانت علله مؤثرة، وعلل الشرع معرفات والمؤثر إنما هو خطاب الشرع.
ب - الوجه الثاني: وهو لا يبعد كثيرًا عن الأول؛ إذ إن مداره على أن العلة أمر مؤثر في المعلول، لكن بجعل الله له كذلك، وعبارتهم في هذا التعريف هي أن العلة هي الموجبة للحكم على معنى أن الشارع جعلها موجبة لذاتها.
وقد نسب الزركشي هذا الاتجاه في تعريف العلة إلى الغزالي.
ج - الوجه الثالث: وخلاصة القول فيه أن العلة هي الموجبة للحكم بذاتها لا بجعل الشارع لها، وهذا اتجاه المعتزلة بناء على قاعدتهم العامة في التحسين والتقبيح العقليين.
فالعلة عندهم وصف ذاتي لا يوقف على جعل جاعل، وهم يعبرون عنه - أحيانًا - بالمؤثر.
د - الوجه الرابع: وقد مال إليه الفخر الرازي، وخلاصة القول فيه أن العلة هي الموجبة بنفسها، ولكن طبيعة الارتباط بينها وبين المعلول قائمة على العادة لا على العقل.
ويبدو أن التعريف الذي اختاره الرازي هنا يخالف التعريف الثاني؛ إذ طبيعة الارتباط في التعريف الثاني عقلية، ولكنها إنما وجدت بإيجاد الله لها، وأما ما هنا فطبيعة الارتباط عادية، والطبيعة العادية لا تتأبى على الانفكاك ولا تستعصى على التخلف.
هـ - الوجه الخامس: ومداره على اعتبار أن العلة وصف غائي للحكم، فيما يعني أن الحكم إنما وجد لتحقيق هذا الوصف.
والعلة هنا أشبه ما تكون بالمصلحة التي إنما يأتي الحكم لتحقيقها أو في أقل القليل مرتبطة به.
وعبارات القوم الدالة على ما ذكرناه مهما تنوعت فهي إنما تدور في فلك واحد.
قال ابن القطان: العلة عندنا هي: المعنى الذي كان الحكم على ما كان عليه لأجلها، وهو الغرض والمعنى الجالب للحكم، ثم قال: والعلة ما جلب الحكم، قال: وإلى هذا كان يذهب أبو علي بن أبي هريرة.
ولم يتردد الماوردي في حكاية المعنيين جميعًا، فالعلة فيما حكاه يجوز أن تكون من أجلها كان الحكم على ما نحن بصدده، ويجوز أن تكون هي المنتجة للحكم على ما ذكر في بعض الأقوال السابقة، وعلى ما هو معتمد عند المعتزلة.
قال: "العلة هي التي لأجلها ثبت الحكم. وقيل: الصفة الجالبة للحكم" [الزركشي ٥/١١٢].
هكذا يتضح لنا تعريف العلة على ما ورد عند الطوائف المختلفة، وقد توخينا في عرضه الاختصار حتى يمكن استيعابه والانتفاع به.
ونحن إذا تحدثنا عن العلة من حيث مفهومها، ومن حيث التعريف الضابط لدلالاتها ومعناها، وما يندرج تحتها من أفراد، وما يجب أن ينحى عنها، إننا إذا تحدثنا عن هذا كله يجب علينا أن نتحدث عن أقسام العلة، وما يختص بكل قسم من أقسامها من قول أو حديث، غير أننا قبل ذلك يجب أن ننبه إلى أن المتحدث عن العلة ربما يكون في ذهنه العلة في مجال العقليات، وربما يكون في ذهنه العلة في مجال الطبيعيات، وربما يكون في ذهنه العلة في مجال الأحكام الشرعية.
ونحن حين نقسم العلة ناقلين هذا التقسيم عن الأقدمين من العلماء من عرب ويونان؛ فإننا سنحاول أن نفصل فصلًا تامًّا هذا الحديث عن مجال العقيدة؛ إذ أن العقيدة ستفرض علينا.
ولا شك - إن كنا في مجال الأحكام الشرعية نقول: إن ما نسميه علة في مجال الأحكام هو في أرجح الأقوال لا يعني أن يكون سببًا أو علامة نعرف به الحكم الشرعي ونتمكن من التقاطه، ذلك أنه من رحمة الله أنه حين صعب على المكلف إدراك الحكم وغم عليه فهمه، نصب فيه الشارع علامة تدل عليه، ولا ضير علينا بعد ذلك - كما أرى - أن نسمي هذه العلامة (علة) أو نسميها سببًا كما أنه لا ضير علينا بعد ذلك أن نقول: إن الله – عز وجل - قد صيرها بعد ذلك لتكون مؤثرة بنفسها أو أن المرتبط بها قد تحصَّل عندها لا بها على نحو ما مر بك قريبًا من أقوال أهل العلم.
ونحن في مجال العقيدة إذا كنا سنتناول العلة في الطبيعة فإنا سنجزم – ولا شك - باعتبارنا مسلمين بأنه ليس في مجال الطبيعة شيء حتمي انطلاقًا من الحتمية التي يؤمن بها اليونان وعلى رأسهم شيخ حكمائهم أرسطو، إذ الارتباط في الفكر اليوناني بين العلة والمعلول أو السبب والمسبب ارتباط عقلي يصعب أن لا نتصور السبب والمسبب أو العلة والمعلول معه؛ وقد انفصل بعضهما عن بعض.
إننا في الإسلام نعلم أن الارتباط بين المؤثر والمتأثر أو بين السبب والمسبب؛ إنما هو ارتباط عادي يمكن تخلفه بحيث يوجد ما يسمى سببًا أو علة – اصطلاحًا - ولا يوجد التالي له الذي يمكن أن نسميه مسببًا.
وما أدركه المسلمون وأدخلوه في عقيدتهم قد أدركه بعض الطبيعيين من علماء الغرب على نحو ما قاله ديفيد هيوم في نظريته العامة في السببية، رأينا أن ننبه إلى ذلك كله لنعلم أن تقييمنا القادم للعلة ربما يوحي بشيء من الظلال التي لا تقبلها عقيدتنا والتي لا يرتاح إليها كثير من علمائنا.
وبعد هذا نقول: إن العلة من خلال هذا القول الجامع هي ما يتوقف عليه وجود الشيء ويكون خارجًا مؤثرًا فيه.
ونخلص من ذلك أن العلة بهذا المعنى العام تنقسم إلى قسمين:
الأول: ما تقوم به الماهية من أجزاء ويسمى علة الماهية.
الثاني: ما يتوقف عليه اتصاف الماهية المتقومة بأجزائها بالوجود الخارجي ويسمى علة الوجود.
وهذان القسمان اللذان انتهينا إليهما يمكن تقسيم كل واحد منهما، وهذا ما سنحاوله الآن.
فعلة الماهية يمكن أن نقسمها إلى قسمين؛ إذ هي إما ألا يجب بها وجود المعلول بالفعل بل بالقوة، وهي العلة المادية، وإما أن يجب بها وجوده بالفعل وهي العلة الصورية، وأما علة الوجود فهي الأخرى علة منقسمة كما ذكرنا سلفًا من أن علة الوجود تختلف عن علة الماهية؛ إذ هي ليست عنصرًا من عناصر ماهية المعلول المقومة له؛ بل هي إما يتوقف عليه الوصف بالوجود فحسب أولًا، وعلة الوجود هذه تنقسم مبدئيًّا إلى قسمين رئيسين؛ لأنها إما أن يوجد منها المعلول، أي: يكون مؤثرًا في المعلول موجدًا له وهي العلة الفاعلة أو لا.
أولًا: القسم الثاني من أقسام علة الوجود تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
وبيان ذلك: أن علة الوجود إذا لم تكن مؤثرة في الموجود فإنها لا تخلو من أن تكون هي الهدف والغاية من وجود هذا الموجود، وهي ما نسميه بالعلة الغائية أو تكون هذه العلة الوجودية مؤثرة في الموجود خارجة عنه وليست هي الفاعلة، وهذا النوع من العلل هو ما نسميه بالشرط – وهو أمر وجودي كما ترى - وإما أن تكون هذه العلة أمرًا سالبًا مانعًا من أن يستكمل الموجود هيئته، وهذا النوع المانع.
فهذه ثلاثة أقسام أوجزها السيد الشريف الجرجاني بقوله: "إما أن يوجد منها المعلول أي يكون مؤثرًا في المعلول موجدًا له، وهي العلة الفاعلية أو لا، وحينئذ إما أن يكون المعلول لأجلها وهي العلة الغائية أو لا، وهي الشرط إن كان وجوديًّا وارتفاع الموانع إن كان عدميًّا.
ويتحصل من ذلك أن العلة على الجملة أقسام:
١ -العلة المادية.
٢ - العلة الصورية.
٣ - العلة الفاعلة.
٤ - العلة الغائية.
٥ - الشرط.
٦ - ارتفاع الموانع:
وأضرب - هنا - مثالا يتضح المقال به، وهو مثال توارثه المهتمون بشرح العلل حين تنقل بين أيديهم جيلًا بعد جيل، وهو مثال السرير، وهذا السرير يحتاج إلى المادة الخام من الخشب وغراء، وبغياب هذه المادة الخام لا يمكن صنع السرير، وهذه المادة الخام هي جزء مقوم من ماهية السرير، وتسمى بالعلة المادية.
وهذا السرير إن وجدت مادته الخام فهذه المادة لا تكون سريرًا إلا إذا جاءت على شكل معين؛ ينتهي هذا الشكل إلى أن يكون مستطيلًا مرتفعًا عن الأرض يزيد عن متوسط الإنسان الذي سيستعمله قليلًا أو كثيرًا، وهذا الشكل الذي سينتهي السرير إليه هو مقوم كذلك من مقومات ماهية السرير، ولنتفق على تسميته بالعلة الصورية.
وهذه المادة الخام التي سيصنع منها السرير ينتهي إلى شكله وصورته لا يمكن أن تتحول من شكلها العشوائي إلى صورة السرير المطلوبة إلا بواسطة النجار، وهذا النجار ليس جزءًا من السرير ولا من ماهيته؛ إنما هو مجرد فاعل يتوقف وجود السرير عليه، ولنتفق على تسميته بالعلة الفاعلة، كما اتفق على ذلك العلماء قديمًا وحديثًا.
وهذا النجار لا يقوم بعمله هذا بغير غرض، وإلا كان عمله عبثًا. وهذا الغرض من إعداد السرير هو إيجاد شيء يحقق رغبة طالبه منه ولنتفق على تسمية هذه الرغبة باسم العلة الغائية.
فهذه أربعة علل رئيسة يمكن أن نضيف إليها الشرط الذ ي لا يمكن إعداد السرير بدونه، وهو أمر وجودي من نحو القدوم والمنشار وبقية الآلات التي يستخدمها الفاعل، فهي شرط في الوجود يتوقف وجود الشيء عليه وليس جزءًا منه، الأمر الذي يجعله صالحًا لكي يكون جزءًا من علة الوجود.
بقي أن نقول: إن هذا السرير لا يتم وجوده إلا إذا ارتفعت الموانع التي تحول بين هذه المادة الخام وبين أن تستكمل صورتها كسرير يطلبه الراغب فيه.
قال الشيخ الجرجاني - يجمع تقسيم العلل على نحو ما وضحناه - قال: "العلة التامة: ما يجب وجود المعلول عندها، وقيل: العلة التامة جملة يتوقف عليها وجود الشيء. وقيل: هي تمام ما يتوقف عليه وجود الشيء، بمعنى أنه لا يكون وراءه شيء يتوقف عليه.
والعلة الناقصة: بخلاف ذلك.
والعلة المعدة: هي التي يتوقف وجود المعلول عليها من غير أن يجب وجودها مع وجوده كالخطوات.
والعلة الصورية: ما بها يوجد الشيء بالفعل، والمادية: ما بها يوجد الشيء بالقوة، والفاعلة: ما يوجد الشيء بسببه، والغائية: ما يوجد الشيء لأجله.
هذا حديث مبسط ومختصر عن العلة والمعلول يحقق القصد من إيراده هنا، غير أن العلة والمعلول يتصل بهما مباحث ومسائل مبسوطة في أماكنها يطالعها هناك من أراد، وهي مطالعة لا تخلو من فائدة، فمن توفرت له الهمة فليشغل نفسه بالمهمات.
تطلق العلة في الدلول اللغوي على المرض، وتطلق على السبب، وهي ما جعلت علمًا على الحكم، بحيث إذا ما وجد المعنى وجد الحكم، وتنقسم إلى تامة، وناقصة، ومعدة، وصورية، ومادية، وغائية، وفاعلة.
الإرهاص من الخوارق التي تظهر لتُنبئ بقدوم نبي من الأنبياء، نتناول مفهوم الإرهاص
إن مجرد التشابه بين الأفكار لا يكفي لإثبات التأثير والتأثر
يُعدُّ الدور والتسلسل من أهم المفاهيم المنطقية والفلسفية التي استُخدمت في بناء الاستدلالات العقلية