للفلسفة في
شتى عصورها تعريفات مختلفة بعضها شامل وبعضها يركز على جانب من الجوانب، ولكنها
جميعا تتكامل في النهاية ويمكن ردها جميعًا إلى قضايا الفلسفة الرئيسية وهي: الله
والعالم والإنسان، ومادام الإنسان يعيش في هذا الكون فلابد أن يعرف مكانه في هذا
الوجود، وعلاقته بالكون ومن فيه وما فيه، وعلاقته بخالق الكون.
وقد حث القرآن الكريم على
النظر والتفكر والتأمل في هذا الكون، ودفع العقل دفعًا إلى القيام بوظيفته التي
خلق من أجلها وهي التفكير الذي يعد حقا طبيعيًا للإنسان وغريزة فطرية مثل حقه في
الحياة.
ومن هنا عاب
القرآن على هؤلاء الذين لا يفكرون، أي لا يستخدمون عقولهم، بل يصمون حواسهم
وعقولهم عن طلب المعرفة أو الفهم، وبذلك يعطلون وسائل المعرفة لديهم من حس وعقل عن
أداء وظائفهما التي أرادها الله، وفي هذا الصدد يقول القرآن الكريم:
{وَلَقَدۡ
ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا
يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ
لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ
أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ} [الأعراف: ١٧٩].
ومن هنا كانت
دعوة القرآن الكريم المتكررة إلى الإنسان لاستخدام ملكاته الفكرية حيث يقول: {قُلِ
ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ} [يونس: ١٠١]، {أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْ
فِيٓ أَنفُسِهِمۗ} [الروم: ٨]، {أَوَلَمۡ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ
وَٱلۡأَرۡضِ} [الأعراف: ١٨٥]، {وَفِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ} [الذاريات: ٢١]، وغيرها من الآيات
العديدة في هذا الشأن.
وقد قدم
القرآن الكريم العديد من الشواهد والأمثلة التي تساعد العقل الإنساني على شق طريقه
وأداء دوره، ومن بين هذه الشواهد ما يلي:
أولًا: يعرض
القرآن بكل أمانة ودقة آراء المخالفين ثم يتبعها بالرد الحاسم القائم على المنطق
السليم وقوانين الفطرة السليمة، فقد ذكر وجهات نظر الوثنيين والدهريين والماديين
والكفار والمنافقين، وعقب عليها تعقيبًا مقنعًا مستخدمًا في ذلك أنصع البراهين
وأقوى الأدلة.
ثانيًا: يعرض
علينا القرآن الكريم قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه والنقاش العقلي الذي دار
بينه وبينهم حول الألوهية، وما اشتمل عليه هذا النقاش من أدلة عقلية في صورة
متدرجة في تسلسل منطقي رائع تحمل
العقل على محاكاتها للوصول إلى نفس نتائجها وهي الوصول إلى اليقين الذي تشير إليه
الآية الكريمة في بداية القصة: {وَكَذَٰلِكَ نُرِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ
ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلۡمُوقِنِينَ} [الأنعام: ٧٥].
وبالإضافة إلى
ذلك نجد أن الإسلام قد قدم عددًا من المبادئ الهامة التي كان لها أثر حاسم في
التطور الفكري والحضاري للمسلمين [دور الإسلام في تطور الفكر الفلسفي: د. محمود
حمدي زقزوق، ص١٩ ومابعدها].
ومن بين هذه
المبادئ مبدأ الاجتهاد والوسطية ووحدة الأصل الإنساني، والتدقيق في رواية الحقائق
التاريخية، والتوجيه إلى استخلاص القوانين التي تحكم الظواهر الاجتماعية
التاريخية، تلك القوانين التي يعبر عنها القرآن بأنها سنن الله.
وعلى الجملة
فإننا إذا تأملنا آيات القرآن الكريم فإننا نستطيع أن نستخرج منها أصول المعرفة
بالحقائق الكبرى وهي: الله والكون والإنسان والقيم، وكذلك أصول تنظيم الحياة
العملية وتشكيل، ونجد فيه أيضًا منهجًا لتحصيل المعرفة الحسية التجريبية الأخلاق
والمعرفة النظرية. [الدين والفلسفة والتنوير، مرجع سابق ص ٢٧]، ولا يوجد دين من
الأديان مهد الطريق أمام العقل الإنساني على هذا النحو إلا الإسلام.