Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

تكامل العقل والوحي: كيف نظر الإسلام إلى الفكر الفلسفي والتفكر؟

الكاتب

هيئة التحرير

تكامل العقل والوحي: كيف نظر الإسلام إلى الفكر الفلسفي والتفكر؟

شاعت عبر القرون مقولات مغلوطة حول الفلسفة وعلاقتها بالدين، مما أدى إلى نفور البعض منها رغم استخدامهم لكلمة "فلسفة" بشكل سطحي، يهدف هذا المقال إلى تصحيح المفهوم وبيان أن التفكير الفلسفي هو ظاهرة إنسانية عامة ملازمة لوجود الإنسان، كما يسلط الضوء على التكامل الوثيق بين العقل والوحي وكيف أن الإسلام حث على النظر والتفكر.

مقولات شائعة يجب أن تصحح

لقد شاع بين العامة منذ قرون متطاولة مقولات عديدة حول الفلسفة، وصلتها بالدين، وترسخت هذه المقولات في الأذهان ولا تزال حتى الآن تعمل عملها لا في محيط العامة فقط، بل في عقول بعض من ينتسبون إلى الثقافة، وهذا ما دفع أفلاطون قديمًا إلى القول بأن الجمهور ميال إلى الاعتقاد بأن الفلسفة عديمة النفع [تاريخ الفلسفة اليونانية يوسف كرم ص ١٠٥].

 ومن الملاحظ أن الكثيرين - على الرغم من نفورهم من الفلسفة والتفلسف - يستخدمون في تعبيراتهم اليومية كلمة “فلسفة“ للتعبير عن اتجاهاتهم العامة، فيقال مثلًا: فلسفتي في الحياة أو فلسفتي في عملي هي كذا أو كذا، ويقنع الكثيرون بهذا الاستخدام السطحي للفظ الفلسفة، إما تجملًا في الحديث، أو تظاهرًا بالثقافة أمام الغير عن طريق استخدام كلمات مبهمة مثل كلمة فلسفة، ولا يتعدى الأمر هذا النطاق [الدين والفلسفة والتنوير: محمود حمدي زقزوق، دار المعارف، ص١٤].

وسبب هذا الخلط في عقول غالبية الناس يرجع في نظرنا إلى عاملين:

١- انعدام التحديد الدقيق والرؤية الواضحة الواعية المفهوم الفلسفة في أذهان الكثيرين.

٢- الميل إلى إصدار الأحكام المطلقة على المذاهب الفلسفية المختلفة وتعميم هذا الحكم على الفلسفة من حيث هي فلسفة.

والحق أن الفلسفة ظاهرة إنسانية عامة، فالتفكير الفلسفي ليس - كما يتصور البعض - احتكارًا للفلاسفة أو للمشتغلين بالفلسفة، فالإنسان بوصفه إنسانًا يتميز عن غيره من الكائنات بعقل وهبه الله إياه ليفكر به، والتفلسف في أبسط معانيه ليس شيئًا آخر غير استخدام هذا العقل [مبادئ الفلسفة: رابوبرت، ترجمة احمد امين ص١/٢ مكتبة النهضة المصرية ١٩٦٥].

والعقل الإنساني نور من نور الله، أو كما يقول الغزالي: "أنموذج من نور الله" [مكشاة الأنوار للغزالى ص٤٤، تحقيق د. ابوالعلا عفيفي – القاهرة ١٩٦٤]، وبهذا النور يحاول العقل أن يكشف "مجاهل الوجود وشعابه فيتتبع الموجودات ويحاول أن يدرك ماهياتها وحقائقها مرتقيًا من علة إلى علة حتى يصل إلى الغاية القصوى التي هي العلة الأولى والتي كان كل شيء بها ومن أجلها" [تاريخ الفلسفة العربية، تاليف حنا الفاخوري وخليل الجر، ص٧ -بيروت ١٩٦٦].

فالفلسفة في واقع الأمر ليست بالشيء الدخيل على الإنسان، فحياته حلقات متصلة من الفكر والتأمل؛ وهكذا يتبين لنا أن الفلسفة ليست نبتًا غير طبيعي في المجتمع، وإنما هي ظاهرة إنسانية ملازمة لوجود الإنسان، ولن تزول هذه الظاهرة من الحياة طالما كان هناك إنسان في هذا الوجود.

صلة الفلسفة بالدين

من الثابت أن الفكر الفلسفي قد نشأ وترعرع في حضن الدين فقد كان الارتباط بين الفلسفة والدين ارتباطًا وثيقًا منذ القدم حيث كان التفكير الفلسفي ممتزجًا بالتفكير الديني، وقد قيل في هذا الصدد تلك العبارة المشهورة التي تقول: "إن الفلسفة بنت الدين وأم العلم".

وليس هناك في حقيقة الأمر خلاف بين الهدف الذي يسعى إليه كل من الدين والفلسفة، فالفلسفة تهدف إلى: "معرفة أصل الوجود وغايته، ومعرفة سبيل السعادة الإنسانية في العاجل والآجل"، وهذان المطلبان اللذان يشكلان موضوع الفلسفة بقسميها النظري والعملي هما كذلك موضوعا الدين بمعناه الشامل للأصول والفروع. [الدين: للدكتور محمد عبدالله دراز،ص٥٣ – القاهرة ١٩٥٢].

ولكن هناك من ناحية أخرى فرقًا بين المعرفة الفلسفية والمعرفة الدينية من حيث وسيلة هذه المعرفة، فهذه الوسيلة هي العقل في الفلسفة والوحى في الدين، ويترتب على ذلك أن العقل في الفلسفة قد يرى أحيانًا جانبًا واحدًا من الصورة أو من الحقيقة، وهذا يفسر لنا وجود العديد من المذاهب الفلسفية لتفسير الحقيقة التي هي في ذاتها حقيقة واحدة مطلقة [الدين والفلسفة والتنوير، مرجع سابق، ص١٧].

لقد تقرر بين المسلمين كافة - إلا من لا ثقة بدينه ولا بعقله - أن من قضايا الدين مالا يمكن الاعتقاد به إلا عن طريق العقل كالعلم بوجود الله وإرسال الرسل وإدراك فحوى الرسالة والتصديق بها، كما أجمعوا على أن الدين إذا أتى بشيء يعلو على الفهم فلا يمكن أن يأتي بما يستحيل عند العقل [رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده، ص٤٥:٥٣- دار احياء العلوم، بيروت ١٩٧٩م].

وهذا يبين أن هناك تكاملًا بين العقيدة الدينية والمعرفة الفلسفية ومن أجل ذلك يقول الغزالي "العقل كالأساس والشرع كالبناء، ولن يغني أساس ما لم يكن بناء، ولن يثبت بناء ما لم يكن أساس ، فالشرع عقل من خارج والعقل شرع من داخل وهما متعاضدان، بل متحدان" [معارج القدس للغزالي، ص٤٦، المكتبة التجارية الكبرى(د.ت)].

وهذا يوضح لنا بجلاء علاقة العقل بالوحى، فالعقل هنا له وظيفتان هامتان:

أولًا: إرشادنا إلى الوحى والتصديق بالنبوة.

ثانيًا: القيام بإدراك الموحى به وتفهمه.

وهكذا يتضح لنا أن المعرفة الفلسفية وإن شئت قلت المعرفة العقلية - وهما هنا بمعنى واحد - ضرورية لدعم المعرفة الدينية.

موقف الإسلام من الفكر الفلسفي

للفلسفة في شتى عصورها تعريفات مختلفة بعضها شامل وبعضها يركز على جانب من الجوانب، ولكنها جميعا تتكامل في النهاية ويمكن ردها جميعًا إلى قضايا الفلسفة الرئيسية وهي: الله والعالم والإنسان، ومادام الإنسان يعيش في هذا الكون فلابد أن يعرف مكانه في هذا الوجود، وعلاقته بالكون ومن فيه وما فيه، وعلاقته بخالق الكون.

وقد حث القرآن الكريم على النظر والتفكر والتأمل في هذا الكون، ودفع العقل دفعًا إلى القيام بوظيفته التي خلق من أجلها وهي التفكير الذي يعد حقا طبيعيًا للإنسان وغريزة فطرية مثل حقه في الحياة.

ومن هنا عاب القرآن على هؤلاء الذين لا يفكرون، أي لا يستخدمون عقولهم، بل يصمون حواسهم وعقولهم عن طلب المعرفة أو الفهم، وبذلك يعطلون وسائل المعرفة لديهم من حس وعقل عن أداء وظائفهما التي أرادها الله، وفي هذا الصدد يقول القرآن الكريم:

{وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ} [الأعراف: ١٧٩]. 

ومن هنا كانت دعوة القرآن الكريم المتكررة إلى الإنسان لاستخدام ملكاته الفكرية حيث يقول: {قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ} [يونس: ١٠١]، {أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۗ} [الروم: ٨]، {أَوَلَمۡ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ} [الأعراف: ١٨٥]، {وَفِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ} [الذاريات: ٢١]، وغيرها من الآيات العديدة في هذا الشأن.

وقد قدم القرآن الكريم العديد من الشواهد والأمثلة التي تساعد العقل الإنساني على شق طريقه وأداء دوره، ومن بين هذه الشواهد ما يلي:

أولًا: يعرض القرآن بكل أمانة ودقة آراء المخالفين ثم يتبعها بالرد الحاسم القائم على المنطق السليم وقوانين الفطرة السليمة، فقد ذكر وجهات نظر الوثنيين والدهريين والماديين والكفار والمنافقين، وعقب عليها تعقيبًا مقنعًا مستخدمًا في ذلك أنصع البراهين وأقوى الأدلة.

ثانيًا: يعرض علينا القرآن الكريم قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه والنقاش العقلي الذي دار بينه وبينهم حول الألوهية، وما اشتمل عليه هذا النقاش من أدلة عقلية في صورة متدرجة في تسلسل منطقي رائع تحمل العقل على محاكاتها للوصول إلى نفس نتائجها وهي الوصول إلى اليقين الذي تشير إليه الآية الكريمة في بداية القصة: {وَكَذَٰلِكَ نُرِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلۡمُوقِنِينَ} [الأنعام: ٧٥].

وبالإضافة إلى ذلك نجد أن الإسلام قد قدم عددًا من المبادئ الهامة التي كان لها أثر حاسم في التطور الفكري والحضاري للمسلمين [دور الإسلام في تطور الفكر الفلسفي: د. محمود حمدي زقزوق، ص١٩ ومابعدها].

ومن بين هذه المبادئ مبدأ الاجتهاد والوسطية ووحدة الأصل الإنساني، والتدقيق في رواية الحقائق التاريخية، والتوجيه إلى استخلاص القوانين التي تحكم الظواهر الاجتماعية التاريخية، تلك القوانين التي يعبر عنها القرآن بأنها سنن الله.

وعلى الجملة فإننا إذا تأملنا آيات القرآن الكريم فإننا نستطيع أن نستخرج منها أصول المعرفة بالحقائق الكبرى وهي: الله والكون والإنسان والقيم، وكذلك أصول تنظيم الحياة العملية وتشكيل، ونجد فيه أيضًا منهجًا لتحصيل المعرفة الحسية التجريبية الأخلاق والمعرفة النظرية. [الدين والفلسفة والتنوير، مرجع سابق ص ٢٧]، ولا يوجد دين من الأديان مهد الطريق أمام العقل الإنساني على هذا النحو إلا الإسلام.

الخلاصة

تؤكد الحقائق أن الفلسفة هي ظاهرة إنسانية طبيعية تهدف لمعرفة الوجود والسعادة، متوافقة جوهريًا مع هدف الدين. والعلاقة بينهما تكاملية، حيث يدعم العقل (الفلسفة) الوحي (الدين)، كما شدد عليه الإسلام في دعوته للتفكر والنظر.

موضوعات ذات صلة

تُشكل أحكام العقل الثلاثة (الواجب، والممكن، والمستحيل) حجر الزاوية في التفكير الفلسفي والمنطقي

التفكير عند معظم الفلاسفة عمل عقلي عام يشمل التصور والتذكر والتخيل والحكم والتأمل

التفكر : إعمال العقل في الأمر وترتيب بعض ما يعلم ليصل به إلى المجهول، والتفكير عند معظم الفلاسفة عمل عقلي عام يشمل التصور والتذكر والتخيل والحكم والتأمل،

موضوعات مختارة