Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

عاشوراء... إطلالة تُجدّد العهد وتُحيي القلوب

الكاتب

هيئة التحريـــر

عاشوراء... إطلالة تُجدّد العهد وتُحيي القلوب

إذا تأملنا في حركة الزمن، لوجدنا أن الأيام ليست على وتيرة واحدة، وأن وراء تقلب السنين سرًّا من أسرار الحكمة الإلهية. هناك أيام تتفتح فيها أبواب السماء، ويُبثّ فيها نور من رحمات الله، ويوم عاشوراء من تلك الأيام المباركة التي اختصها الله بمجد لا يندثر.

إنه اليوم الذي انجلى فيه الحق، واندحر فيه الباطل، حين نصر الله نبيَّه موسى – عليه  السلام – وأغرق فرعون في جبروته، ويقف رسول الله –صلى الله عليه وسلم– أمام هذا الحدث التاريخي، لا كمجرد متأمل، بل كمجسد لقيم النبوة والولاء لركب الإيمان، فيقول: «نحن أحقُّ بموسى منهم، فصوموه» [صحيح البخاري].

عبارة تختصر تاريخًا من النبوات، وتؤسس لعقيدة ترى في صيام عاشوراء تجديدًا للعهد مع السماء.

الأيام المباركة... محطات للتزود الروحي

ما من شيء في هذا الكون إلا وله قدره عند الله، ومع ذلك فبعض الأوقات فُضّلت، وبعض الأيام شُرّفت، حتى أصبحت كالمنارات التي يسترشد بها السائرون إلى الله.

في هذه الأيام المباركة، تنزل الرحمات، وتُغفر الزلات، وتُفتح أبواب السماء للداعين والراجين.

ألم يقل حبيبنا –صلى الله عليه وسلم–:«إنَّ لِربِّكم في أيّامِ الدَّهرِ نَفحاتٍ، فتعرَّضوا لها... » [رواه الطبراني].

عاشوراء، رمضان، عشر ذي الحجة، يوم عرفة ... كلها مواسم يهبّ فيها نسيم القرب، ويفيض فيها فيض الجود الإلهي.

نفحات الزمان والمكان... توقيتٌ إلهي لا يصنعه البشر

خلق الله الزمان والمكان، واختار منهما ما شاء، ورفع شأن بعض الأيام والليالي، كما رفع شأن بعض عباده.

في زمانٍ واحد، قد يكتب الله لواحد رحمةً، ولآخر مغفرةً، ولثالث منزلة في الجنة؛ لأن البركات لا تُقاس بالساعات، بل بالقلوب المتصلة بالسماء في تلك الساعات.

ويوم عاشوراء أحد هذه الأزمنة المختارة، جعله الله بابًا للتكفير، ونقطة للتطهير.

أليس من رحمته –عزّ وجلّ– أن يجعل صيام يوم واحد سببًا لمغفرة سنة كاملة؟!

إنه فقه الزمان... أن تعرف قدر اللحظة، وتُقدّر اللحظة التي عظّمها الله.

عاشوراء.. عبادة تُجدد العهد، وسُنّة تُحيي القلوب

نقف اليوم مع يومٍ من أيام الله، يومٍ له في القلب وقع، وفي السماء شأن، وفي تاريخ النبوّة أثرٌ عظيم.
إنه عاشوراء.. ذاك اليوم الذي ظلّ الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم- يحرص عليه، ويصومه، ويعظّمه، كأنما يرى فيه ذكرى النجاة، وشكر النعمة، وتأكيد العهد مع الله.

وقد بلغ من حبه لهذا اليوم، أنه قال في أواخر حياته الشريفة، وهو يُعلّم الأمة دروس التميّز والاستقلال: «لئن عِشتُ إلى العامِ القابلَ، لأصومَنَّ يومَ التّاسعِ. يعني عاشوراء»  [صحيح مسلم]. لِمَ يا رسول الله؟ 

لأن ديننا لا يذوب في تقاليد الأقوام، ولا ينصهر في شعارات من سبقنا، بل يُحبّ أن يكون ظاهرًا، عاليًا، متميزًا، يحمل لواء الهُدى، لا يتبع، بل يُتّبع.

من هنا، أحبّ العلماء أن نُصوم التاسع مع العاشر، أو العاشر مع الحادي عشر، أو الثلاثة معًا، تأكيدًا لهذه العبودية، ومخالفةً لأهل الكتاب، واقتداءً بالحبيب المصطفى-صلى الله عليه وسلم-، فيا لسخاء الرحمن! ويا لِكَرَم الكريم!

أتدرون ما أجر هذا اليوم؟

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو الصادق المصدوق: «صِيامُ يَومِ عاشُوراءَ، أَحْتَسِبُ على اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتي قَبْلَهُ» [صحيح مسلم برقم:١١٦٢]. ما أعظم هذا العطاء!

يومٌ واحد يغسل ذنوب سنةٍ كاملة؟! هل هناك فضلٌ أعظم؟ هل هناك رحمةٌ أوسع؟
إنها نِعمٌ تتنزل من السماء، وعطاءاتٌ لا تنقطع، لكن أين من يشمّ رائحة القرب؟ أين من يشتاق لمحو الزلّة، ويعانق باب التوبة؟

فعلينا أن نتأسى بسيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- فنصومه شكرا لله تعالى، ففي صيامه معنى الوفاء، ومعنى الشكر، ومعنى الحب لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فوالله إن المحب لا يضيع موعد حبيبه، ولا ينسى وصيته، ولا يُعرض عن هديِه.

عاشوراء... سُنّة تتجدّد، وعبادة تُحيي القلوب

عاشوراء ليس مجرّد تاريخ، بل رمزٌ لإرثٍ نبويٍّ عظيم، وعلامة فارقة في الطريق إلى الله.

حرص النبي –صلى الله عليه وسلم– على صيامه، وشدّد على تميّز الأمة، فقال في آخر حياته: «لئن عشتُ إلى قابل، لأصومنّ التاسع»، [رواه مسلم]، كي لا يكون صيامنا مشابهًا لصيام أهل الكتاب، بل إعلانًا للتمايز والاتباع الحقيقي.

فهذه السُنّة العظيمة، ليست فقط عبادة، بل رسالة وفاء، ومنهج تربية، ومدرسة حب لله ورسله، وتأصيل لهُوية المسلم التي لا تذوب في عادات الآخرين.

صيام عاشوراء... اقتداءٌ لا تقليد

ما أبعد الفرق بين مَن يصوم اتباعًا لوحي السماء، ومَن يصوم خضوعًا لتقويم محرف أو عادة موروثة.

اليهود اليوم لا يصومون عاشوراء في محرّم، بل في "يوم الغفران" وفق تقويم غيّب حقيقة الوحي، وأدخل الطقوس في عبودية مفرغة من معناها.

أما أمتنا، فصيامها عبادة، وشكر، واتباع، وولاء للأنبياء. نحن لا نُشابه أهل الكتاب، بل نُخالفهم تأكيدًا لتميّز الرسالة، وتوحيد الطريق.

إننا حين نصوم هذا اليوم، فإنما نُصلي مع موسى لله شكرًا على النجاة، ونمشي في درب سيدنا محمد –صلى الله عليه وسلم– الذي شرّفنا بهذا الاقتداء.

عاشوراء... بداية لا نهاية

ها هو يوم عاشوراء يقترب، يحمل في طيّاته وعدًا بمغفرة، وفرصة لتجديد العهد، وتذكيرًا بأن الزمن ليس مجرد عقارب ساعة، بل هو مناسبة للاقتراب ممن وسعت رحمته كل شيء.

الخلاصة:

أيها السائر إلى ربك...

صم هذا اليوم، لا لأنك اعتدت عليه، بل لأنك تشتاق إلى لقاءٍ مع الله في لحظة اختارها لك من فوق سبع سماوات.

واجعل صيامك هذا بدايةً لعودة أعمق، ونقطة انطلاق نحو إصلاح القلب، وفتح صفحة بيضاء مع الله.

اللهم بلّغنا عاشوراء، وبارك لنا فيه، واجعلنا من عباده الذين يحيون سُنن سيدنا النبي – صلى الله عليه وسلم -، ويحيون بها قلوبهم، ويغتنمون بها نفحات الزمان والمكان...

آمين يا رب العالمين.