Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

ثورة ٢٣ يوليو ليست مناسبة بل منهج للحياة

ثورة 23 يوليو ليست مناسبة بل منهج للحياة

حينما يُذكَر شهر يوليو في مصر بلدنا، تتجه الأنظار عادة إلى يوم ٢٣ يوليو، حيث قامت ثورة المجد والكرامة والعزة عام ١٩٥٢، يحتفل الناس، وتُعرض الأغاني الوطنية، وتُرفع صور الزعماء، وتعود الحكايات التي تربّينا عليها ونحن صغار؛ لكن هل ثورة ٢٣ يوليو مجرد مناسبة تمر علينا مرور الكرام؟ هل ثورة ٢٣ يوليو مناسبة تاريخية تأتي مرة في العام، ثم تُنسى في باقي الأيام؟

إن ثورة ٢٣ يوليو ليست مناسبة عابرة، بل هي منهج حياة، وفكرٌ أصيل، وروحٌ متجددة، يجب أن تجري في شريان الأمة كما يجري الدم في العروق.

الفرق بين المناسبة والمنهج

المناسبة تُحيا ويُحتفل بها ليوم أو اثنين، أما المنهج فهو الذي يشكل الإدراك، ويُربّي الأجيال، ويصنع الحضارات، والثورة في جوهرها ليست مجرد مظاهرة أو تغيير نظام، بل هي صحوة ضمير، وإرادةٌ حرة لانتزاع الحق وإقامة العدل، أليست هذه هي رسالة الأنبياء جميعًا؟

قال تعالى: {لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ} [الحديد: ٢٥]، فالغاية من إرسال الرسل والأنبياء، أن يقوم الناس بالقسط، أي بالعدل، وأن يُرفع الظلم، ويُحمى الضعيف، ويُكرم الإنسان.

وثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، جاءت لترفع الظلم عن عاتق الشعب المصري الذي صبر كثيرًا، فكيف يمرّ علينا هذا اليوم في أجندة الأيام، ولا نعلم أنه ولد من صبر شعب، وتضحية رجال، وثقة في الله قبل كل شيء، فذكرى يوليو منهج لحياتنا.

جيش مصر ضمير الوطن

في زمن كانت فيه الكلمة خائفة، والعدالة حائرة، والناس بين حاكم لا يسمع، ومستعمر لا يرحم، تقدّم الجيش المصري لا ليحكم، بل ليحمي، تقدّم لا لينتقم، بل لينقذ.

فالجيش المصري ليس هيئة عسكرية فقط بل هو الضمير؛ حين يلبس البدلة العسكرية، هو اليد التي تحمل السلاح إن وجب، وتحمل الطفل الجائع إن لزم، وتُرمم الطرق، وتبني المدارس، وتُعيد الأمل للحياة، وقد قال صاحب الجناب النبوي المعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: «عيْنان لا تمسُّهما النّارُ عينٌ بكَتْ من خشيةِ اللهِ وعينٌ باتت تحرُسُ في سبيلِ اللهِ» [رواه الترمذي].

هكذا نظرت الشريعة إلى الحارس الصادق، إلى الجندي الذي يدافع عن الناس ولا يطغى عليهم، ولذلك كانت ثورة ٢٣ يوليو ثورة ضمير للوطن.

مصر حين تنتصر على نفسها

في ثورة ٢٣ يوليو انتصار مصر ليس على عدو خارجي فقط، بل على عدوها الداخلي: الفساد، الخوف، الصمت، وهذا هو الانتصار الذي تُثني عليه الشريعة دائمًا: قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ} [العنكبوت: ٦٩]، ومن أعظم الجهاد: أن تُجاهد نفسك على ألا تخون وطنك بالسكوت.

إن ما فعله رجال ثورة ٢٣ يوليو عام ١٩٥٢، وعلى رأسهم الزعيم جمال عبد الناصر، لم يكن فسحة ولا مغامرة، بل كان تضحية بالراحة، والنفس، وربما بالحياة، وفي ذلك نستلهم من كلام صاحب الجناب النبوي المعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: «أفضلَ الجِهادِ كلمةُ حقٍّ عندَ سلطانٍ جائرٍ» [رواه أحمد].

فكلمة الحق، إن قيلت تُحيي القلوب، وتوقظ النائمين، وتنبه الغافلين، فهل نعلّم أبناءنا اليوم أن كلمة الحق هي أعلى مراتب الشرف؟

هل لنا أن نُربيهم على أن الكرامة لا تُشترى، ولا تُوهب، بل تُنتزع انتزاعًا بعرق الجبين، ودم الشهداء، وجهد الصالحين؟

يوليو تنادي فهل نسمع؟

في كل عام، تمرّ مناسبة ثورة ٢٣ يوليو فتحل لا كبطاقة تهنئة، بل كنداء عميق:

يا أهل مصر، حافظوا على ما بذله الرجال من أجل كرامتكم، وإن ضاع الضمير، ضاعت القيم والمبادئ، وإن نسينا فضل الجيش، نسينا معنى الحماية، وإن اكتفينا بالحكاية دون تربية، خسرنا المعركة قبل أن تبدأ.

يا أهل مصر، اجعلوا الدين حارسًا لوطنكم؛ فالدين ليس ضد الحرية؛ بل هو سندها، وأن الوطن ليس ضد العقيدة، بل هو حصنها لقد قال صاحب الجناب النبوي المعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو يخرج من مكة نظرًا إليها: «إنَّكِ لأحبُّ أرضِ اللهِ إلى اللهِ، ولولا أنَّ قَومي أخرَجوني مِنكِ ما خَرجتُ» [رواه الترمذي]، فنظرة  صاحب الجناب النبوي المعظم  صلى الله عليه وسلم لوطنه كانت أقرب للحنين منه إلى السياسة، أليست هذه هي الروح التي نحتاج أن نغرسها في أبنائنا؟

أن يحبوا مصر لأنها بلدهم، ولأنها أمّهم، ولأنها مسؤولة عنهم وهم مسؤولون عنها.

يا أهل مصر الوحدة بدلًا من الفرقة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كالْبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا. وشَبَّكَ أصابِعَهُ» [رواه البخاري ومسلم]، فإذا صرنا كالبنيان، لا كالرمال المتناثرة، عندها فقط نُحيي ثورة ٢٣ يوليو في قلوبنا وأعمالنا، يا أهل مصر أحيوا في أنفسكم كل يوم "ثورة يوليو جديدة"؛ ثورة على الجهل، على الفقر، على الضعف، على القبح، على الاستسلام، على الكسل، على الخوف، فكما قال الله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ} [الرعد: ١١]، فلنغيّر أنفسنا بمنهج ثورة ٢٣ يوليو، عندها يتغيّر واقعنا، ويشرق فجر أمتنا من جديد.

الخلاصة

ثورة ٢٣ يوليو ليست مجرد ذكرى، بل هي منهج حياة يفيض بالعدل والحرية والكرامة، إنها دعوة للشعب المصري ليستلهم روح التضحية والوحدة، ويربط بين حب الوطن والإيمان؛ لتكن كل يوم ثورة جديدة على الفساد والخوف والجهل، ولنغير ما بأنفسنا لنشهد تحولاً حقيقيًا في واقعنا.

موضوعات مختارة