Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

معركة أجنادين

الكاتب

أ.د/ عبد الرحمن سالم

معركة أجنادين

أجنادين موضع معروف بالشام من نواحي فلسطين، وقد اكتسبت شهرتها في التاريخ الإسلامي؛ حيث كانت المكان الذي دارت عليه أحداث تلك الموقعة الخطيرة بين المسلمين والروم في أواخر خلافة أبي بكر الصديق، وقد قتل من الروم ثلاثة آلاف، بالإضافة إلى من قتلوا أثناء هروبهم من الميدان، وترفع بعض المصادر عدد قتلى الروم إلى خمسين ألفًا.

موقع أجنادين

أجنادين ـ بفتح الدال أو كسرها كما ضبطها ياقوت – "موضع معروف بالشام من نواحي فلسطين" [ياقوت الحموي: معجم البلدان. دار الكتب العلمية، بيروت ١٩٩٠م، ص ١٢٩] ورغم أن الباحثين المحدثين يختلفون حول تحديد الموضع الدقيق لأجنادين فإن الذي لا خلاف حوله أن أجنادين تقع في فلسطين [انظر: جب H.A.R. Gibb مادة " أجنادين" في دائرة المعارف الإسلامية، الطبعة العربية، دار الشعب بالقاهرة، ج ٢، ص ٢٤٣] والراجح أنها في جنوب فلسطين. وقد اكتسبت أجنادين شهرتها في التاريخ الإسلامي نتيجة أنها كانت المسرح الذي دارت عليه تلك الموقعة الخطيرة بين المسلمين والروم في أواخر خلافة أبي بكر الصديق.

الأوضاع التي سبقت هذه المعركة وأدت إليها

ومن اللازم هنا أن نتحدث –باختصار- عن الأوضاع التي سبقت هذه المعركة وأدت إليها؛ فقد كانت العلاقات بين المسلمين والروم متوترة عند وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولم يدخر هرقل إمبراطور الروم وسعًا في التعبير عن عدائه للدولة الإسلامية. وذلك منذ انضمامه إلى أحلافه من الغساسنة وغيرهم من نصارى العرب في معركة مؤتة في سنة ٨هـ (٦٢٩م)، وعندما تولى أبو بكر الخلافة سنة١١هـ (٦٣٢م) شغلته حركة الردة عن توجيه اهتمامه إلى الجبهة الخارجية التي كانت مصدر تهديد مزدوج للدولة الإسلامية؛ هو تهديد الفرس (الساسانيين) والروم (البيزنطيين).

وعندما تمكن أبو بكر من القضاء على حركة الردة في العام الثاني من خلافته (١٢هـ/٦٣٣م) بدأ يوجه اهتمامه إلى العدو الخارجي.

وكان الروم يمثلون التهديد الأخطر للمسلمين. فوجَّه في أوائل سنة ١٣هـ (٦٣٤م) جيوشًا أربعة إلى الشام وعيّن عليها أربعة من الأمراء: فأرسل عمرو بن العاص إلى فلسطين، وأبا عبيدة بن الجراح إلى حمص، ويزيد ابن أبي سفيان إلى دمشق، وشرحبيل بن حسنة إلى الأردن [انظر: الطبري، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. دار المعارف، القاهرة ١٩٧٩م، ج ٣، ص ٣٨٧، ٣٩٤؛ خليفة بن خياط، تاريخ خليفة بن خياط، تحقيق سهيل زكار. دار الفكر، دمشق ١٩٩٣، ص ٧٩].

وقد حدثت بعض المناوشات، أو المعارك المحدودة، بين المسلمين والروم في الشام قبل حدوث المواجهة الشهيرة بينهما في أجنادين في أواخر عصر أبي بكر. 

وتحتل معركة العَرَبة والدَّاثن مكانًا بارزًا في هذه المناوشات الأولى؛ ففي شهر ربيع الآخر سنة ١٣هـ (مايو ٦٣٤م) ـ في مكان يقال له " وادي عربة"ـ بين البحر الميت وخليج العقبة-التقت فرقة إسلامية تحت قيادة الصحابي أبي أمامة الباهلي [أبو أمامة الباهلي هو صُدَي بن عجلان بن الحارث؛ صحابي من رواة الأحاديث، وهو ممن اشتهر بكنيته. سكن في البداية مصر، ثم انتقل إلى حمص بالشام فاستقر بها، وتوفي سنة ٨١هـ، فهو من المعمرين [انظر ترجمته في: أسد الغابة لابن الأثير، طبعة الشعب، القاهرة، ج ٣، ص ١٦]، بفرقة من الروم تحت قيادة البطريق سرجيوس Sergius  حاكم غزة. وقد تقهقر الروم أمام المسلمين وانحازوا إلى قرية من قرى غزة يقال لها "الداثن" أو "الداثنة" [انظر: الطبري، مصدر سابق، ج ٣، ص ٤٠٦؛ ياقوت، مصدر سابق، ج ٢، ص ٤٧٦]، فتعقبهم المسلمون وأنزلوا بهم هزيمة فادحة في "الداثن" وقتلوا قائدهم سرجيوس وثلاثمائة من جنوده وعادوا بالأسرى والغنائم [Theophanes, Chronographia, translated From the Greek by C.Mango & R.scott. Oxford.١٩٩٧, p. ٤٦٧].

ورغم أن معركة "العربة والداثن"، كانت ذات طبيعة محدودة-كما أشرنا- فإن من أهم نتائجها أنها وجهت اهتمام هرقل إلى ما تمثله الجبهة الإسلامية من خطورة على استقرار دولته، ومن هنا كان عليه أن يستعد للتعامل معها بالشكل الملائم، فأدى ذلك إلى حدوث أولى المواجهات الفاصلة بين المسلمين والروم في أجنادين.

حشد هرقل جيشَا هائلاً لمواجهة الحشود الإسلامية في الشام، وتختلف مصادرنا العربية في تقديرها للعدد الذي تكون منه جيش الروم؛ حيث يترواح هذا العدد بين مائة ألف ومائتين وأربعين ألفًا [انظر: ابن كثير، البداية والنهاية، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت ١٩٨٥م، ج٧، ص ٥؛ ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق، ج ١، تحقيق صلاح الدين المنجد، دمشق ١٩٥١م، ص ٤٨٢؛ ابن شاكر الكتبي: عيون التواريخ، جـ ١، تحقيق حسام الدين القدسي. مكتبة النهضة المصرية، القاهرة ١٩٨٠م، ص ٥١٠].

وتختلف رواية ميخائيل السرياني عن رواية مصادرنا العربية؛ فهو يقدِّر جيش الروم بخمسين ألف مقاتل [Michel le Syrien, Chronique de Michel le Syrien,ed. & tans.J.B.Chalot Paris, , ١٨٩٩-١٩٠٤, Vol. ٢,P.٤٢١]،

 أما العدد الذي تكونت منه القوات الإسلامية فإنه يدور في مصادرنا العربية بين عشرين ألف مقاتل، أو أربعة وعشرين ألفًا أو ستة وثلاثين ألفًا، أما ميخائيل السرياني فإنه يقدر هنا العدد بخمسة وعشرين ألف مقاتل [انظر: ابن كثير، مصدر سابق، ٧، ص ٥؛ ابن عساكر، مصدر سابق، ج ١، ص ٤٨٢؛ ابن شاكر الكتبي، مصدر سابق، ج١، ص ٥١٠. وانظر أيضًا: Michel le Syrien, loc. cit]، والواضح أن مصادرنا العربية تبالغ في تضخيم جيش الروم. ولعل الرواية التي يقدمها ميخائيل السرياني أقرب إلى الواقع.

أسند هرقل مهمة قيادة جيش الروم إلى أخيه الشقيق ثيودور Theodorus الذي يعرف في مصادرنا العربية باسم " تذارق". وهذا ما يتفق فيه المؤرخ البيزنطي ثيوفانس مع كثير من مصادرنا العربية. [انظر: الطبري، مصدر سابق، ج٣، ص ٤٠٥، ٤١٧. وانظر أيضًا: Theophanes,Chronographia, p ٤٦٨].

ولكن بعض مصادرنا تذكر أن قائد جيش الروم كان يُدْعَى " وردان" وكان حاكم حمص. وهذا الاسم لا يذكره ثيوفانس، وقد يكشف عن الأصل الأرميني لحامله كما يقول المؤرخ البريطاني جيبون [انظر: الأزدي، تاريخ فتوح الشام، تحقيق عبد المنعم عامر. مؤسسة سجل العرب، القاهرة ١٩٧٠، ص ٨٤، ص ٨٩. وانظر أيضًا: Gibbon ,The Decline and Fall of the Roman Empire , New York ١٩١٠, vol. ٥, p.٣١٤, note ١ ].

وتذكر مصادر عربية أخرى أن القائد كان يُدْعَى "القُبُقْلار" وهذه الكلمة تحريف للكلمة اليونانية cubiculorius التي تطلق على الحاجب أو الحارس الشخصي للإمبراطور أو لأحد النبلاء [See: Donner, The Early Islamic Coquests, Princeton ١٩٨١.pp.١٢٠-١٢١]، 

ويرد اسم " باهان" أيضًا في بعض مصادرنا على أنه قائد جيش الروم في هذه المواجهة [ابن عساكر، مصدر سابق، ج ١، ص ٤٦٠- ٤٦١] على أن ما نستنتجه من خلال هذه الروايات المختلفة أن القائد الأعلى أو القائد العام لجيش الروم حينذاك كان ثيودور (تذارق) نظرًا لاتفاق الرواية البيزنطية مع المصادر العربية التي تذكر ذلك. أما " وردان" فقد كان القائد الميداني، وكان القُبُقْلار يقوم بدور نائبه.

القائد العام للمسلمين في أجنادين

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: من الذي تولى قيادة القوات الإسلامية في تلك المواجهة؟

رغم تعدد الروايات في هذا الصدد فإن الرأي الذي نطمئن إليه هو ما رواه اليعقوبي حين ذكر أن أبا بكر عندما عيَّن قادة الجيوش المتوجهة إلى الشام دعا يزيد بن أبي سفيان وأبا عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص فعقد لهم وقال: إذا اجتمعتم فأمير الناس أبو عبيدة" [تاريخ اليعقوبي، دار صادر، بيروت ١٩٩٢، ج ٢، ص ١٣٣]، أي إذا جمعكم قتال مشترك ضد العدو فالقائد الأعلى هو أبو عبيدة. ويؤكد الأزدي هذه الرواية [الأزدي، مصدر سابق، ص ٤٨].

ولكن تطور الأحداث بعد ذلك أدى إلى إسناد مسئولية القيادة العامة إلى خالد ابن الوليد بدلا من أبي عبيدة بن الجراح. فقد تحدثنا منذ قليل عن العدد الهائل من المحاربين الذين استطاع هرقل أن يحشدهم استعدادًا لهذه المواجهة. وقد فوجئ المسلمون بضخامة جيش العدو وأدركوا أن التفاوت العددي الكبير بين جيشهم وبين جيش العدو قد يجعل نتيجة المعركة في غير صالحهم. ومن هنا وجدوا من الضروري طلب تعزيزات من الخليفة. وأرْجَحُ الآراء أن أبا عبيدة-بوصفه القائد الأعلى- هو الذي استمد أبا بكر.

استجاب الخليفة لطلب أبي عبيدة دون إبطاء، ويؤثر عنه أنه قال في هذا الصدد: "والله لأُنْسِين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد" [الطبري، مصر سابق، ج ٣، ص ٤٠٨]، وهكذا أرسل إلى خالد بن الوليد -وكان في ذلك الوقت مشغولاً بإدارة العمليات العسكرية على الجبهة الفارسية في العراق- أرسل إليه يأمره أن يُسْند إدارة هذه العلميات إلى المثنى بن حارثة الشيباني وأن يتوجه من فورِه على رأس قوة مختارة من جنده لنجدة المسلمين بالشام. كما ذكر له في نفس الخطاب أنه عند انضمامه إلى المسلمين بالشام سيصبح هو "أمير الجماعة" أي القائد العام لجيش المسلمين. وقد كتب أبو بكر في نفس الوقت كتابًا إلى أبي عبيدة يقول فيه: " أما بعد؛ فإني قد وليت خالدًا قتال الروم بالشام، فلا تخالفه، واسمع له، وأطع أمره؛ فإني قد وليته عليك وأنا أعلم أنك خير منه، ولكن ظننت أن له فطنة في الحرب ليست لك". وقد كان خالد حريصًا كل الحرص على أن يرعى لأبي عبيدة مكانته؛ فقد كتب إليه عندما غادر الحيرة متوجهًا إلى الشام: "... لأبي عبيدة اين الجراح من خالد بن الوليد، سلام عليك، لقد أتاني كتاب خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني بالمسير إلى الشام، وبالمقام على جندها والتولي لأمرها. ووالله ما طلبت ذلك ولا أردته ولا كتبت إليه فيه. وأنت -رحمك الله– على حالك التي كنت بها، لا يُعْصَى أمُرك، ولا يُخالفُ رأيك، ولا يقطع أمرُ دونك؛ فأنت سيد من سادات المسلمين، لا يُنْكَر فضلُك ولا يُسْتَغْنَى عن رأيك". وعندما تسلم أبو عبيدة خطاب خالد قال:" بارك الله خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  فيما رأى، وحيا الله خالدًا" [تراجع التفاصيل في: تاريخ فتوح الشام للأزدي، مصدر سابق، من صفحة ٦٨ إلى صفحة ٨٦].

وتختلف مصادرنا في تقديرها لعدد الجند الذين توجَّه بهم خالد من العراق إلى الشام. ويتراوح هذا التقدير ما بين بضع مئات إلى عشرة آلاف [انظر: البلاذري، مصدر سابق، ص ١١٨، ابن عساكر، مصدر سابق، ص ٤٦٠، وص ٤٩٨؛ ابن الطقطقي، الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية، المطبعة الرحمانية، القاهرة ١٣٣٩هـ، ص ٥٢]، ونحن نميل إلى أن الرقم بلغ بضعة آلاف لا بضع مئات؛ لأن ذلك أكثر اتساقا مع طبيعة المهمة التي أُرْسِل خالد من أجلها وهي تعزيز موقف القوات الإسلامية التي كانت تواجه حشود الروم الضخمة بالشام.

وقد كانت المهمة العاجلة أمام خالد هي اختيار الطريق الذي يسلكه من العراق إلى الشام لينضم إلى قوات المسلمين هناك في أقصر وقت ممكن. وقد آثر ألاّ يأخذ الطريق الجنوبي السهل الذي تسلكه القوافل المتجهة إلى الشام، وهو طريق دُومة الجَنْدَل، نظرًا لبعده. أما الطريق الشمالي الممتد عبر الفرات فقد آثر أن يتجنبه أيضًا لما به من حاميات عديدة للروم قد تتسبب في تأخير نجدته للمسلمين في حال اشتباكه معها. ومن هنا سأل مستشاريه: " كيف لي بطريق أخرج فيه من وراء جموع الروم؛ فإني إن استقبلتها حبستني عن غياث المسلمين؟" [الطبري، مصدر سابق، ج ٣، ص ٤٠٨ـ ٤٠٩]، فأشاروا عليه بطريق بديل لكنه محفوف بالأخطار، يمر عبر بادية السماوة، ممتدًا من مكان يقال له "قُراقِر" إلى مكان يقال له " سُوى"، وهو " على جانبها الآخر مما يلي الشام" [ابن عساكر، مصدر سابق، ج ١، ص ٤٦٥] فلم يجد خالد بُدًّا من اقتحام هذه المخاطرة. وبعد أن انتهى من هذه الرحلة التي يعدُّها البعض" أكبر مأثرة عسكرية في التاريخ" [مصطفى طلاس، سيف الله خالد بن الوليد، دمشق ١٩٧٨م، ص ٢٨٥]، دخل حدود الشام ويمَّم شطر القوات الإسلامية به، وقد دانت له أثناء مسيره عدة مدن ومستوطنات شامية من بينها " أرك" التي صالحه أهلها، وتدمر (Palmyra) تلك المدينة القديمة ذات الشهرة التاريخية الواسعة. وقد استأمنه أهلها فأمَّنهم على أن يكونوا ذمة. وهكذا استمر خالد في مسيره المظفر حتى أتى " مرج راهط" بالقرب من دمشق، وبها جمع من الغساسنة المتحالفين مع الروم، فلقي منهم مقاومة يسيرة، ثم صالحه عامتهم وأسلموا [الأزدي، مصدر سابق، ص ٨٢].

وتشير معظم مصادرنا إلى أن المكان الذي التقى فيه خالد بالقوات الأساسية من الجيش الإسلامي بالشام هو مدينة بُصْرَى (Bostra) عاصمة إقليم حوران، وكانت تتمتع بحصانة كبيرة، وبها حشود من قوات الروم وأحلافهم من نصارى العرب. وكان يرابط عليها أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة. وقد استعصى عليهم فتحها، ولكن " لما قدم خالد بن الوليد على المسلمين بُصْرَى اجتمعوا عليه وأمرّوا خالدا في حربها" [البلاذري، مصدر سابق، ص ١٢٠]، ورغم أن بُصْرَى قاومت بعناد فإنها لم تفلح في دفع الجيش الإسلامي عنها، فاستسلم أهلها في رجب ١٣هـ (مايو ٦٣٤م) وعقدوا مع المسلمين صلحًا تعهدوا بمقتضاه أن يدفعوا الجزية مقابل تأمينهم " على دمائهم وأموالهم وأولادهم " [نفس المصدر والصفحة].

وقد كانت بُصْرَى مدينة بالغة الأهمية بالنسبة للروم؛ فقد كانت تمثل ثغر سورية الشرقي؛ ولهذا أحكم الروم تحصينها. وقد ترتب على الاستيلاء عليها الاستيلاء على جميع إقليم حوران. ومن هنا كان خضوعها لسلطة الخلافة صدمة حقيقية للروم.

كان هرقل في حمص عند استيلاء المسلمين على بصرى، فأخذ يُعِد العدة لجولة حاسمة مع المسلمين بهدف استئصال شأفتهم تمامًا من بلاد الشام. والجدير بالملاحظة أن القوات الإسلامية التي انضم إليها خالد بن الوليد بجيشه عند بصرى كانت تتكون من جيش أبي عبيدة وجيش يزيد بن أبي سفيان وجيش شرحبيل بن حسنة. أما عمرو بن العاص فقد كان يعسكر بحيشه في وادي عربة بفلسطين، غير بعيد من حشود الروم. ثم توجه خالد على رأس القوات الإسلامية من بصرى إلى فلسطين وانضم إليه عمرو بجيشه، واحتشد الجميع في سهل أجنادين تحت القيادة العليا لخالد بن الوليد.

تقدم الروم إلى أجنادين في حشودهم الهائلة التي كان هرقل قد وجهها إلى الشام تحت القيادة العليا لشقيقه ثيودور (تذارق) كما سبقت الإشارة، للقضاء المبرم على الجيش الإسلامي بالشام.

وقد رتب خالد جيشه ميمنة وميسرة وقلبا وجناحين؛ فجعل في القلب معاذ بن جبل، وفي الميمنة عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وفي الميسرة سعيد بن عامر، وفي الجناح الأيسر شرحبيل بن حسنة، وفي الساقة (أو مؤخرة الجيش) يزيد بن أبي سفيان في أربعة آلاف فارس حول الحريم والأولاد، وعلى الخيل سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل.

وفي أجنادين دارت رحى معركة طاحنة بين الجانبين، وهي ـ كما يرى الأزدي ـ " أول وقعة عظيمة كانت  بالشام" [الأزدي، مصدر سابق، ص ٩٣]، وبدأ القتال بالمبارزات، فأبلى المسلمون في ذلك بلاء حسنًا، وخاصة ضرار بن الأزور الذي تروي بعض مصادرنا أنه قتل وحده من العدو ثلاثين فارسًا [الواقدي: فتوح الشام، مراجعة طه عبد الرؤوف سعد، دار ابن خلدون، الإسكندرية (د.ت) ج ١، ص ٨٠، (هذا الكتاب ينسب للواقدي، ولكن الواضح من لغته وطريقة عرضه أن صاحبه مؤلف متأخر اعتمد كثيرًا على روايات الواقدي].

ثم حمل الروم على ميمنة المسلمين وميسرتهم، فلم يتزحزح منهم أحد، وهنا صاح خالد في فرسان المسلمين:" احملوا ـ رحمكم الله ـ على اسم الله"، فحملوا على الروم حملة صادقة بددت شملهم، فانهزموا هزيمة نكراء، " وقتلهم المسلمون كيف شاؤوا وأصابوا عسكرهم وما فيه " [الأزدي، مصدر سابق، ص ٩١]، ولعل مما أضعف الروح المعنوية لدى الروم وعجل بهزيمتهم مقتل اثنين من قادتهم البارزين وهما: "وردان" و "القبقلار"، فولوا الأدبار، وقد طاردهم المسلمون أثناء فرارهم وقتلوا منهم في المطاردة أعدادًا غفيرة، وتحصن من نجا منهم ببيت المقدس وقيسارية ودمشق وحمص [نفس المصدر، ص ٩٢. وانظر أيضًا: الطبري، مصدر سابق، ج ٣، ص ٤١٨].

عدد قتلى الروم في معركة أجنادين

وقد قتل من الروم أثناء المعركة ثلاثة آلاف طبقًا للتقديرات المعتدلة، بالإضافة إلى من قتلوا أثناء هروبهم من الميدان. وترفع بعض مصادرنا عدد قتلى الروم إلى خمسين ألفًا [الأزدي، مصدر سابق، نفس الصفحة، وحول المبالغة في عدد القتلى انظر الواقدي، مصدر سابق، ج ١، ص ٩٠]، وهو رقم يتضح فيه طابع المبالغة. فالجيش الإسلامي كله لم يصل إلى هذا الرقم كما سبقت الإشارة.

أما قتلى المسلمين فقد كانوا زهاء أربعمائة وخمسين رجلاً، وقد كان من بينهم عكرمة بن أبي جهل وهشام بن العاص بن وائل (أخو عمرو بن العاص) والحارث بن هشام بن المغيرة وعمرو بن سعيد بن العاص بن أمية وأخوه أبان [انظر: الواقدي، مصدر سابق، نفس الصفحة].

وقد كان لهزيمة الروم في أجنادين تأثير نفسي هائل عليهم. يذكر البلاذري أن الامبراطور هرقل لما انتهى إليه خبر هذه الهزيمة " نُحب قلبه وسُقِط في يده ومُلئ رعبا، فهرب من حمص إلى أنطاكية" [فتوح البلدان، ص ١٢١]؛ ذلك أن هذه المعركة كانت أول مواجهة خطيرة بين الروم والمسلمين، وكانت كما يصفها بعض المؤرخين ـ " إحدى ملاحم الروم التي أبيدوا فيها" [ابن عساكر، مصدر سابق، ج ١، ص ٤٨٣]، أما تأثير هذه المعركة على المسلمين فقد كان عكس ذلك تمامًا؛ فقد منحتهم مزيدا من الثقة في قدراتهم وأقنعتهم أن بإمكانهم التصدي لتلك القوة العظمى وهي قوة الروم وإحراز النصر عليهم في مواجهات أخرى لاحقة، ومن ثم فتحت الطريق أمامهم لإتمام فتح الشام في عصر عمر بن الخطاب.

انتهت موقعة أجنادين في الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة ١٣هـ (٣٠ من يوليو سنة ٦٣٤م) وتوفي أبو بكر في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة ١٣هـ (٦٣٤م)، أي بعد انتهاء الموقعة بأربعة وعشرين يوما.

الفرق بين معركة أجنادين واليرموك

بقيت ملاحظة أخيرة ينبغي أن نختم بها حديثنا عن أجنادين وهي أن بعض مصادرنا تخلط بين هذه المعركة ومعركة اليرموك، فتضع هذه مكان تلك. وتعتمد هذه المصادر على الرواية التي يقدمها الأخباري الشهير سيف بن عمر ومؤداها أن المعركة التي حدثت في أواخر عصر أبي بكر هي معركة اليرموك وأن تاريخ حدوثها هو جمادى الآخرة (لا جمادى الأولى) سنة ١٣ هـ (أغسطس ٦٣٤م) ويقبل الطبري المتوفى سنة ٣١٠هـ هذه الرواية في تاريخه الشهير، ويتابعه في هذا عدد من المؤرخين، من بينهم ابن مسكويه في كتابه " تجارب الأمم " وابن الأثير في "الكامل" وابن خلدون في "العبر" وغيرهم.

على أن الرواية الأكثر وثاقةً ـ وهي التي اعتمدنا عليها في هذا العرض ـ هي التي يقدمها محمد بن عمر الواقدي (ت ٢٠٧هـ)، وتظهر بوضوح في كتابات عدد من المؤرخين اللاحقين، ومن أبرزهم محمد بن سعد في " الطبقات الكبرى" ومحمد بن عبد الله الأزدي في " تاريخ فتوح الشام" وخليفة بن خياط في "تاريخه" والبلاذري في "فتوح البلدان" واليعقوبي في " تاريخه"، والأسباب التي تدعونا إلى الاعتماد على هذه الرواية تتلخص أولاً في أن المصادر التي أشرنا إليها الآن هي من أقدم المصادر وأوثقها. ثم إن رواية سيف بن عمر التي يرددها الطبري وغيره تتضمن ما يفيد أن معركة اليرموك كانت نهاية المعارك الإسلامية الكبرى ضد الروم. فابن الأثير ـ مثلا ـ خلال تناوله لأحداث سنة ١٣هـ ـ يقول بعد حديثه عن استعدادات الروم الهائلة لهذه المعركة: " ثم خرجوا إلى القتال الذي لم يكن بعده قتال في جمادى الآخرة" [الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت ١٩٨٢م، ج ٢، ص ٤١٠. وانظر أيضًا: الطبري، مصدر سابق، ج ٣، ص ٣٩٥]، والحقيقة أن حروب المسلمين ضد الروم في الشام استمرت، بل وصلت إلى ذروتها، في عصر الخليفة الثاني عمر. ومن هنا فمعركة اليرموك التي تتحدث عنها هذه الرواية ـ وهي المعركة الفاصلة في تاريخ الصراع بين المسلمين والروم ـ كانت في عصر عمر لا في عصر أبي بكر. ونضيف إلى ذلك أن القضاء على أعتى امبراطورية في العالم حينذاك ـ وهي دولة الروم ـ كان يتطلب جهودًا هائلة واستعدادات قد تستغرق زمنا ليس بالقصير؛ ولم يكن من اليسير ولا من المتصور أن يتم ذلك في بضعة أشهر. ولا يسعنا في هذا السياق أن نتجاهل الشهادة المستقلة التي يقدمها المؤرخ البيزنطي ثيوفانس ؛ فهو يذكر ما يفيد أن معركة اليرموك حدثت في عصر عمر لا في عصر أبي بكر. صحيح أن ثيوفانس لم يذكر اليرموك بالتحديد بل ذكر " الجابية " [Theophanes, op. cit., p. ٤٦٨]، ولكن اسم " الجابية " ـ كما يذكر لا منس أطلق على وقعة اليرموك، " فقد حدثت بها مناوشات مع الروم، كما جمعت بها الغنائم بعد الوقعة " [لا منس: مادة " الجابية" في دائرة المعارف الإسلامية، الطبعة العربية، دار الشعب القاهرة، ج ١٠، ص ٣٧٣. وانظر أيضًا: Theophanes, op. cit., p. ٤٦٩, note ٣].

يتبين لنا مما سبق أن المواجهة الأساسية بين المسلمين والروم في أواخر عصر أبي بكر حدثت في أجنادين في جنوب فلسطين ـ أما كبرى المعارك بين المسلمين والروم فقد حدثت في اليرموك في عصر عمر، وهي المعركة التي لم تقم للروم بعدها قائمة.

الخلاصة

تعتبر معركة أجنادين أول مواجهة حاسمة بين المسلمين والروم في أواخر خلافة أبي بكر الصديق، ووقعت في فلسطين عام ١٣هـ (٦٣٤م)، سبقتها توترات بين الجانبين، وحشد هرقل إمبراطور الروم جيشًا ضخمًا بقيادة أخيه ثيودور لمواجهة القوات الإسلامية بقيادة خالد بن الوليد بعد أن كان أبو عبيدة بن الجراح القائد العام؛ رغم التفاوت العددي، حقق المسلمون نصرًا ساحقًا أضعف الروح المعنوية للروم ودفع هرقل للفرار من حمص، وفتح الطريق لفتح الشام لاحقًا، وتختلف هذه المعركة عن اليرموك التي وقعت في عهد عمر بن الخطاب وكانت المعركة الفاصلة الكبرى ضد الروم.