ومن اللازم هنا أن نتحدث –باختصار- عن الأوضاع التي سبقت هذه المعركة وأدت إليها؛ فقد كانت العلاقات بين المسلمين والروم متوترة عند وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولم يدخر هرقل إمبراطور الروم وسعًا في التعبير عن عدائه للدولة الإسلامية. وذلك منذ انضمامه إلى أحلافه من الغساسنة وغيرهم من نصارى العرب في معركة مؤتة في سنة ٨هـ (٦٢٩م)، وعندما تولى أبو بكر الخلافة سنة١١هـ (٦٣٢م) شغلته حركة الردة عن توجيه اهتمامه إلى الجبهة الخارجية التي كانت مصدر تهديد مزدوج للدولة الإسلامية؛ هو تهديد الفرس (الساسانيين) والروم (البيزنطيين).
وعندما تمكن أبو بكر من القضاء على حركة الردة في العام الثاني من خلافته (١٢هـ/٦٣٣م) بدأ يوجه اهتمامه إلى العدو الخارجي.
وكان الروم يمثلون التهديد الأخطر للمسلمين. فوجَّه في أوائل سنة ١٣هـ (٦٣٤م) جيوشًا أربعة إلى الشام وعيّن عليها أربعة من الأمراء: فأرسل عمرو بن العاص إلى فلسطين، وأبا عبيدة بن الجراح إلى حمص، ويزيد ابن أبي سفيان إلى دمشق، وشرحبيل بن حسنة إلى الأردن [انظر: الطبري، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. دار المعارف، القاهرة ١٩٧٩م، ج ٣، ص ٣٨٧، ٣٩٤؛ خليفة بن خياط، تاريخ خليفة بن خياط، تحقيق سهيل زكار. دار الفكر، دمشق ١٩٩٣، ص ٧٩].
وقد حدثت بعض المناوشات، أو المعارك المحدودة، بين المسلمين والروم في الشام قبل حدوث المواجهة الشهيرة بينهما في أجنادين في أواخر عصر أبي بكر.
وتحتل معركة العَرَبة والدَّاثن مكانًا بارزًا في هذه المناوشات الأولى؛ ففي شهر ربيع الآخر سنة ١٣هـ (مايو ٦٣٤م) ـ في مكان يقال له " وادي عربة"ـ بين البحر الميت وخليج العقبة-التقت فرقة إسلامية تحت قيادة الصحابي أبي أمامة الباهلي [أبو أمامة الباهلي هو صُدَي بن عجلان بن الحارث؛ صحابي من رواة الأحاديث، وهو ممن اشتهر بكنيته. سكن في البداية مصر، ثم انتقل إلى حمص بالشام فاستقر بها، وتوفي سنة ٨١هـ، فهو من المعمرين [انظر ترجمته في: أسد الغابة لابن الأثير، طبعة الشعب، القاهرة، ج ٣، ص ١٦]، بفرقة من الروم تحت قيادة البطريق سرجيوس Sergius حاكم غزة. وقد تقهقر الروم أمام المسلمين وانحازوا إلى قرية من قرى غزة يقال لها "الداثن" أو "الداثنة" [انظر: الطبري، مصدر سابق، ج ٣، ص ٤٠٦؛ ياقوت، مصدر سابق، ج ٢، ص ٤٧٦]، فتعقبهم المسلمون وأنزلوا بهم هزيمة فادحة في "الداثن" وقتلوا قائدهم سرجيوس وثلاثمائة من جنوده وعادوا بالأسرى والغنائم [Theophanes, Chronographia, translated From the Greek by C.Mango & R.scott. Oxford.١٩٩٧, p. ٤٦٧].
ورغم أن معركة "العربة والداثن"، كانت ذات طبيعة محدودة-كما أشرنا- فإن من أهم نتائجها أنها وجهت اهتمام هرقل إلى ما تمثله الجبهة الإسلامية من خطورة على استقرار دولته، ومن هنا كان عليه أن يستعد للتعامل معها بالشكل الملائم، فأدى ذلك إلى حدوث أولى المواجهات الفاصلة بين المسلمين والروم في أجنادين.
حشد هرقل جيشَا هائلاً لمواجهة الحشود الإسلامية في الشام، وتختلف مصادرنا العربية في تقديرها للعدد الذي تكون منه جيش الروم؛ حيث يترواح هذا العدد بين مائة ألف ومائتين وأربعين ألفًا [انظر: ابن كثير، البداية والنهاية، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت ١٩٨٥م، ج٧، ص ٥؛ ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق، ج ١، تحقيق صلاح الدين المنجد، دمشق ١٩٥١م، ص ٤٨٢؛ ابن شاكر الكتبي: عيون التواريخ، جـ ١، تحقيق حسام الدين القدسي. مكتبة النهضة المصرية، القاهرة ١٩٨٠م، ص ٥١٠].
وتختلف رواية ميخائيل السرياني عن رواية مصادرنا العربية؛ فهو يقدِّر جيش الروم بخمسين ألف مقاتل [Michel le Syrien, Chronique de Michel le Syrien,ed. & tans.J.B.Chalot Paris, , ١٨٩٩-١٩٠٤, Vol. ٢,P.٤٢١]،
أما العدد الذي تكونت منه القوات الإسلامية فإنه يدور في مصادرنا العربية بين عشرين ألف مقاتل، أو أربعة وعشرين ألفًا أو ستة وثلاثين ألفًا، أما ميخائيل السرياني فإنه يقدر هنا العدد بخمسة وعشرين ألف مقاتل [انظر: ابن كثير، مصدر سابق، ٧، ص ٥؛ ابن عساكر، مصدر سابق، ج ١، ص ٤٨٢؛ ابن شاكر الكتبي، مصدر سابق، ج١، ص ٥١٠. وانظر أيضًا: Michel le Syrien, loc. cit]، والواضح أن مصادرنا العربية تبالغ في تضخيم جيش الروم. ولعل الرواية التي يقدمها ميخائيل السرياني أقرب إلى الواقع.
أسند هرقل مهمة قيادة جيش الروم إلى أخيه الشقيق ثيودور Theodorus الذي يعرف في مصادرنا العربية باسم " تذارق". وهذا ما يتفق فيه المؤرخ البيزنطي ثيوفانس مع كثير من مصادرنا العربية. [انظر: الطبري، مصدر سابق، ج٣، ص ٤٠٥، ٤١٧. وانظر أيضًا: Theophanes,Chronographia, p ٤٦٨].
ولكن بعض مصادرنا تذكر أن قائد جيش الروم كان يُدْعَى " وردان" وكان حاكم حمص. وهذا الاسم لا يذكره ثيوفانس، وقد يكشف عن الأصل الأرميني لحامله كما يقول المؤرخ البريطاني جيبون [انظر: الأزدي، تاريخ فتوح الشام، تحقيق عبد المنعم عامر. مؤسسة سجل العرب، القاهرة ١٩٧٠، ص ٨٤، ص ٨٩. وانظر أيضًا: Gibbon ,The Decline and Fall of the Roman Empire , New York ١٩١٠, vol. ٥, p.٣١٤, note ١ ].
وتذكر مصادر عربية أخرى أن القائد كان يُدْعَى "القُبُقْلار" وهذه الكلمة تحريف للكلمة اليونانية cubiculorius التي تطلق على الحاجب أو الحارس الشخصي للإمبراطور أو لأحد النبلاء [See: Donner, The Early Islamic Coquests, Princeton ١٩٨١.pp.١٢٠-١٢١]،
ويرد اسم " باهان" أيضًا في بعض مصادرنا على أنه قائد جيش الروم في هذه المواجهة [ابن عساكر، مصدر سابق، ج ١، ص ٤٦٠- ٤٦١] على أن ما نستنتجه من خلال هذه الروايات المختلفة أن القائد الأعلى أو القائد العام لجيش الروم حينذاك كان ثيودور (تذارق) نظرًا لاتفاق الرواية البيزنطية مع المصادر العربية التي تذكر ذلك. أما " وردان" فقد كان القائد الميداني، وكان القُبُقْلار يقوم بدور نائبه.