Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الحضارة المصرية في ضمير العلماء المسلمين "حين تكلّم الأثر بلغة الإيمان"

الكاتب

هيئة التحرير

الحضارة المصرية في ضمير العلماء المسلمين "حين تكلّم الأثر بلغة الإيمان"

مصرُ التي خاطبها التاريخُ بلسان الحجر، فأنطقه الإيمانُ بيانًا ودهشةً في عقول العلماء، تجتمع فيها عبقريةُ الحضارة ونورُ العقيدة، لتشهد الأهرامُ أن العلمَ والدينَ صنوان في تعظيم الإنسان ومجده.

الإمام عبد اللطيف البغدادي ورحلته من بغداد إلى مصر: عالم موسوعي في رحاب الأزهر

واحدٌ من كبار علماء الأمة الإسلامية، وهو الإمام الكبير الموفَّق عبد اللطيف بن يوسف البغدادي، الذي خرج من بلاده من بغداد في رحلةٍ عبر عددٍ من الحواضر والمدن الكبرى في العالم الإسلامي، ليقتطف من العلوم والمعارف، حتى ورد إلى مصر، وقد تكامل تكوينُه العلميُّ في ضيافة الملك عثمان بن السلطان صلاح الدين الأيوبي.

نظرة علماء الإسلام إلى الأهرام والآثار المصرية: تقديرٌ للعقل الإنساني وإعجاز الخلق

جلس الإمام الموفَّق عبد اللطيف البغدادي للتدريس في الجامع الأزهر الشريف، وسجَّل لنا انطباعه عن الهرم الأكبر في عباراتٍ هي من أعذبِ وأجملِ وأوسعِ وأدقِّ ما سجَّله العلماءُ المسلمون من ملاحظاتهم وانبهارهم وإكبارهم واعتزازهم بهذا الصرح العظيم.

بعض الناس ممن خرجوا يُنادون بموقف العداء لهذا الصرح العظيم، أو لتمثال أبي الهول، أو للتماثيل الأثرية، وبعضهم نادى بهدمها، وبعضهم يقول إنها كانت مطمورة ولم تكن في أيام العلماء ولم يروها.

وأنا أقول: إن كل هذا الكلام، في الحقيقة، ناشئٌ من غيابٍ تامٍّ عن الإبحار والقراءة في نظرة علماء المسلمين لهذا الأثر.

الصحابة الكرام وزيارتهم للأهرام: شواهد تاريخية من كتب التراث الإسلامي

وأول ما أبدأ به أن الصحابة الكرام -رضي الله تعالى عنهم، لما دخلوا إلى أرض مصر، يسجِّل لنا الإمام الكبير أبو جعفر محمد بن عبد العزيز الإدريسي، في كتابه أنوار علوي الأجرام في بيان خبر الأهرام، أن الصحابة الكرام -رضي الله تعالى عنهم- زاروا الهرم، ووقفوا عنده، وتعجبوا منه، ونقشوا أسماءهم عليه، وقُرئ من خطوطهم: "يوحِّد الله فلان" - مما نقشه الصحابة الكرام -رضي الله تعالى عنهم- على الهرم العظيم - فقال: "قد كان شهد الفتح من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جمع كثير وجم غفير . وجازوا إلى الجيزة، ومن هنالك سار عمرو أمير الجيش إلى الإسكندرية يقود لفتحها الجيوش، التي سدت ما بين النيل والجبل بخيل يُريع صهيلها الوحوش، وسار عبد الله بن حذافة" [أنوار علوي الأجرام في بيان خبر الأهرام].

موقف الإسلام من الآثار والتماثيل: قراءة في ضوء نصوص الطبري والكلاعي

بعض المتحدثين الذين يقفون موقف العداء من هذه الآثار والذين أيدوا ما قامت به طالبان في يوم من الأيام من تدمير تمثال بوذا ويريدون تكرار هذه التجربة كما فعل الدواعش في الآثار العريقة الباقية عبر ألوف السنين في شمال العراق وسوريا يفوتهم أن الصحابة بالفعل دخلوا تلك البلاد ورأوا تلك الآثار ونظروا لها نظر التعجب بما فيها من تماثيل، واسمحوا لي أن أنقل لكم هنا هذا النص النادر من ما سجله لنا الإمام الطبري أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في كتابه تاريخ الرسول والملوك إذ يروي لنا أن سيدنا سعد بن أبي وقاص -رضي الله تعالى عنه- لما دخل إلى فتح المدائن: "ولما دخل سعد المدائن، فرأى خلوتها، وانتهى إلى إيوان كسرى، أقبل يقرأ: {كَمۡ تَرَكُواْ مِن جَنَّٰتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعۡمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَٰكِهِينَ * كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ} [الدخان: ٢٥، ٢٨]؛ وصلى فيه صلاة الفتح- ولا تصلى جماعة- فصلى ثماني ركعات لا يفصل بينهن، واتخذه مسجدا، وفيه تماثيل الجص رجال وخيل، ولم يمتنع ولا المسلمون لذلك، وتركوها على حالها" [تاريخ الرسل والملوك: ٤/١٦]. 

فالصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم دخلوا إلى مصر العظيمة ودخلوا إلى بلاد الشام وإلى بلاد العراق وإلى مختلف البلدان ورأوا تلك الآثار ورأوا تلك التماثيل وتركوها، وهذا سيدنا سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرين بالجنة رأى تماثيل الجص من الرجال والخيل في إيوان كسرى فتركها وصلّى والمسلمون معه وهذا جمع غفير من الصحابة، وينقل لنا هذا الخبر الفريد أيضا الإمام الحافظ المحدث الكبير أبو الربيع سليمان بن موسى الكلاعي الأندلسي حافظ الأندلس ومحدثه وناقده صاحب التصانيف الحديثية الحسنة المحرّرة نقل لنا نفس الخبر في كتاب الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والثلاثة الخلفاء فيقول لنا فيه أيضا: ولما دخلها - المدائن - سعد فرأى خلوتها وانتهى إلى إيوان كسرى أقبل يقرأ: {كَمۡ تَرَكُواْ مِن جَنَّٰتٍ وَعُيُونٍٖ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعۡمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَٰكِهِينَ * كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ} [الدخان: ٢٥، ٢٨]، وصلى فيه صلاة الفتح، ولا تصلى جماعة، فصلى ثماني ركعات لا يفصل بينهن، واتخذ الإيوان مسجدا، وفيه تماثيل الجص رجال وخيل، فلم يمتنع هو ولا المسلمون، يعنى من الصلاة فيه، لأجلها، وتركوها على حالها. [الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم والثلاثة الخلفاء: ٢/٥١٥].

الهرم الأكبر في عيون الأدباء والعلماء: من الجاحظ إلى عبد اللطيف البغدادي

وعود على بدء إلى الإمام الموفق عبد اللطيف البغدادي يسجل لنا موقفه الحميد الرشيد المعبر عنه وعن المسلمين جميعا عبر التاريخ من الموقف السيء السفيه الذي يتصف به من ينادي بالعدوان على تلك الآثار، يقول: وكان الملك العزيز عثمان بن يوسف لما استقل بعد أبيه، سوّل له جهلة أصحابه أن يهدم هذه الأهرام فبدأ بالصغير الأحمر، وهو ثالثة الأثافي، فأخرج إليه الحلبية والنقابين والحجارين وجماعة من عظماء دولته وأمراء مملكته وأمرهم بهدمه ووكّلهم بخرابه فخيّموا عندها وحشروا عليها الرجال والصنَّاع ووفروا عليهم النفقات، وأقاموا نحو ثمانية أشهر بخيلهم ورجلهم يهدمون كل يوم بعد بذل الجهد واستفراغ الوسع الحجر والحجرين، فقوم من فوق يدفعونه بالأسافين والأمخال، وقوم من أسفل يجذبونه بالقلوس والأشطان، فإذا سقط سُمع له جلبة عظيمة من مسافة بعيدة حتى ترتجف له الجبال وتزلزل الأرض ويغوص في الرمل فيتعبون تعبا آخر حتى يخرجوه ثم يضربون فيه الأسافين، بعد ما ينقبون لها موضعا ويبيتونها فيه، فيتقطع قطعا فتسحب كل قطعة على العجل حتى تُلقى في ذيل الجبل وهي مسافة قريبة، فلما طال ثواؤهم ونفذت نفقاتهم وتضاعف نصبهم ووهنت عظامهم وخارت قواهم، كفّوا محسورين مذمومين لم ينالوا بغية ولا بلغوا غاية، بل كانت غايتهم أن شوهوا الهرم وأبانوا عن عجز وفشل.

وكان ذلك في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة؛ ومع ذلك فإنّ الرائي لحجارة الهدم يظن أنَّ الهرم قد استؤصل، فإذا عاين الهرم ظن أنه لم يهدم منه شيء وإنما جانب قد كشط بعضه، وحينما شاهدتُ المشقّة التي يجدونها في هدم كل حجر، سألت مقدّم الحجارين، فقلت له: لو بُذل لكم ألف دينار على أن تردّوا حجرًا واحدًا إلى مكانه وهندامه، هل كان يمكنكم ذلك، فأقسم بالله تعالى أنهم ليعجزون عن ذلك ولو بذل لهم أضعافه. [الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر].

كانت هذه أولَ لمحةٍ من لمحات بيان موقف أئمتنا وعلمائنا، من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، تجاه هذه الآثار الخالدة.

ولنُبحر في عقل علماء الإسلام، جيلًا من وراء جيل، لنرى نظرتهم إلى الهرم، نقرأ هذه الكلمة الختامية التي تُعد لبنةَ الختام من كلام الإمام الموفَّق عبد اللطيف بن يوسف البغدادي، ليعود مرةً أخرى إلى البيان الساحر في نظرته إلى الأهرام والآثار، إذ يقول:

ولنرجع إلى وصف مَنف، المسمّاة مصر القديمة: "فهذه المدينة، مع سِعتها وتقادُم عهدها وتداول المِلَل عليها واستئصال الأمم إياها، من تعفية آثارها ومحو رسومها ونقل حجارتها وآلاتها، وإفساد أبنيتها وتشويه صورها، مضافًا إلى ما فعلته فيها أربعة آلاف سنةٍ فصاعدًا، تجد فيها من العجائب ما يفوتُ فهمَ الفَطِن المتأمِّل، ويحسر دون وصفه البليغُ اللَّسن، وكلما زدته تأملًا زادك عجبًا، وكلما زدته نظرًا زادك طربًا، ومهما استنبطتَ منه معنىً أنبأك بما هو أغرب، ومهما استثرتَ منه علمًا دلَّ ذلك على أن وراءه ما هو أعظم". [الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر].

وفي الحقيقة مهما أُوتيتُ من البيان واتساع القول وجريان اللسان، لا أستطيع أن أوفِّي هذا الإمامَ حقَّه في هذه العبارات المعبرة عنَّا جميعًا، والمعبرة عن عقل الإنسان المسلم النبيل، الذي أدرك مقاصد الشرع الشريف، وأدرك أن الشرع يقف بنا موقفَ الاهتمام والدراسة والتأمل والعناية بهذا الأثر العظيم.

فمن أقدم مَن أشار إلى الهرمين وإلى أبي الهول، الجاحظُ الأديبُ الكبير، صاحب البيان والتبيين، وصاحب الحيوان، وقد طُبعت مجموعةُ رسائلِ الجاحظ بعناية المرحوم عبد السلام هارون في أربعة مجلدات.

وآثارُ الجاحظ الأدبية لا تُجهل، حتى يصف العلماءُ قاطبةً أن يقرأ الإنسانُ كتبَ الجاحظ لمن أراد أن يقتبس بيانًا ساحرًا، «إِنَّ مِن البَيَانِ لَسِحْرًا» كما في الحديث.

والجاحظ متوفى سنة ٢٥٥ هجريًّا؛ أي قبل ١٢٠٠ سنة، ويقول: "عجائب الدنيا ثلاثون أعجوبة، عشرة منها بسائر البلاد والعشرون الباقية بمصر وهي الهرمان وهما أطول بناء وأعجبه ليس على الأرض بناء أطول منهما وإذا رأيتهما ظننت أنهما جبلان موضوعان، ولذلك قال بعض من رآهما ليس شيء إلا أنا أرحمه من الدهر إلا الهرمان فأنا أرحم الدهر منهما؛ ثم قال وصنم الهرمين وهو بل هويه ويقال بل هنيت وتسميه العامة أبو الهول ويقال إنه طلسم للرملي لأن لا يغلب على الجيزة". [البيان والتبيين: للجاحظ] العبارة التي قالها الجاحظ قبل ١٢٠٠ سنة من أن الهرم هو أطول بناء على ظهر الأرض كلام دقيق ووصف منهجي، وقد ظل الهرم على مدى أربعة ألاف سنة وهو أعلى بناء على ظهر الأرض إلى أن بنيت كاتدرائية لينكولن في انجلترا ١٣١١  ميلادي.

والإمام الموفق عبد اللطيف البغدادي يشير إلى أن ما وجده شائعا عند عامة الناس أن تمثال أبو الهول ركب على نسق هندسي معين يحمي به بيوت الجيزة من الرمال.

والإمام الجليل بن عبد الحكم الكندي في كتابه العظيم "فتوح مصر وأخبارها"، والكندي المتوفى بعد الجاحظ بسنتين سنة ٢٥٧ هجري يقول: قال وفي زمان شداد بن عاد بنيت الأهرام كما ذكر عن بعض المحدثين ولم أجد عند أحد من أهل المعرفة من أهل مصر في الأهرام خبرا يثبت، وفي ذلك يقول الشاعر كامل:

حَسَرَت عقولَ أولي النُّهى الأهرام     واستُصغِرت لعظيمها الأجرام

مُلسٌ، موثقة البناء شواهقٌ       قصُرت لعالٍ دونهن سهام

لم أدرِ حين كبَا التفكُّر دونها    واستعجمت لعجيبها الأوهام

أقبور أملاك الأعاجم هن، أم     هذي طلاسم رمل أم أعلام؟

[فتوح مصر وأخبارها: ص٤٩]

مُلسٌ: يعني. ملساء وهذا يدل على ما قاله الموفق عبد اللطيف البغدادي من أن الأهرام ظلت إلى ٨٠٠ سنة فاتت مكسوة بالصخر من الخارج وملمسها أملس وأنها كانت منقوشة وحفظت النقوش عليها إلى ٨٠٠ سنة.

الخلاصة

الحضارة المصرية في ضمير العلماء المسلمين كانت مزيجًا من الإيمان والعقل، رأوا في آثارها نطق الحكمة وصدى القدرة الإلهية في بناء الإنسان، فالأهرام وأبو الهول لم يكونا عندهم أحجارًا صامتة، بل رموزًا شاهدة على عبقرية الخلق ومجد التاريخ، ومن الأزهر امتدت أنوار الفكر الإسلامي لتضمّ المجد المصري في سجل الحضارة الإنسانية الخالدة.

موضوعات ذات صلة

من قلب حضارةٍ عريقة، تنبثق من مصر اليوم بوصفها منارة حضارية وسياحية معاصرة

إن افتتاح المتحف المصري الكبير يعد حدثًا يتجاوز كونه مشروعًا ثقافيا ضخمًا ليصبح رسالة روحية من قلب مصر إلى ضمير الإنسانية

تمثل حركة الترجمة واحدة من أعمق الظواهر الحضارية تأثيراً في تاريخ البشرية