جعل الله تعالى صلة الرحم من أوثق عرى الإيمان، وربطها بتقواه، وأقام عليها ميزان القرب والبعد منه سبحانه. ويأتي شهر رمضان ليكشف حقيقة هذه العبادة، إذ تظهر فيه أخلاق النفوس، وتُمحَّص القلوب بين واصلٍ ابتغاء وجه الله، وقاطعٍ غلبته شهوات النفس والهوى.
جعل الله تعالى صلة الرحم من أوثق عرى الإيمان، وربطها بتقواه، وأقام عليها ميزان القرب والبعد منه سبحانه. ويأتي شهر رمضان ليكشف حقيقة هذه العبادة، إذ تظهر فيه أخلاق النفوس، وتُمحَّص القلوب بين واصلٍ ابتغاء وجه الله، وقاطعٍ غلبته شهوات النفس والهوى.
جاء في القرآن الكريم تعظيم شأن الأرحام وربطها بالتقوى، قال تعالى: ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِی تَسَاۤءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ﴾ [النساء: ١].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ». [البخاري: ٦١٣٨، مسلم: ٤٧].
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا» [البخاري: ٥٩٩١].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الرَّحِمَ شَجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ اللَّهُ: مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ». [البخاري: ٥٩٨٨، مسلم: ٢٥٥٤].
ونقل الإمام النووي عن القاضي عياض قوله: الرحم التي توصل وتقطع وتبر إنما هي معنى من المعاني ليست بجسم وإنما هي قرابة ونسب تجمعه رحم والدة ويتصل بعضه ببعض فسمي ذلك الاتصال رحما والمعنى لا يتأتى منه القيام ولا الكلام فيكون ذكر قيامها هنا وتعلقها ضرب مثل وحسن استعارة على عادة العرب في استعمال ذلك والمراد تعظيم شأنها وفضيلة واصليها وعظيم إثم قاطعيها بعقوقهم لهذا سمي العقوق قطعا والعق الشق كأنه قطع ذلك السبب المتصل قال ويجوز أن يكون المراد قام ملك من الملائكة وتعلق بالعرش وتكلم على لسانها بهذا بأمر الله تعالى هذا كلام القاضي والعائذ المستعيذ وهو المعتصم بالشيء الملتجئ إليه المستجير به قال العلماء وحقيقة الصلة العطف والرحمة فصلة الله سبحانه عبارة عن لطفه بهم ورحمته إياهم وعطفه بإحسانه ونعمة...". [شرح صحيح مسلم للنووي: ١٦/١١٢].
فالإسلام دين المودة والمحبة ودين الألفة والاجتماع ودين التكافل والترابط بين البشر فكلهم لآدم وكلهم من ذكر وأنثى آدم وحواء وإذا كان المجتمع الإنساني يشبه البنيان كان التماسك بين لبناته أساس قوته وصلابته وزيادة نفعه وطول بقائه وكما يبدأ البنيان بلبنتين ثم ثلاثا ثم أربعا إلى أن يكتمل ويعظم يبدأ تماسك المجتمع البشري بالأبوين وأبنائهما فكان الأمر ببر الوالدين تلاه الأمر بصلة الرحم ثم الأمر بالإحسان إلى الجار ثم الإحسان إلى المسلم ثم الإحسان إلى غير المسلم بل الإحسان إلى البهائم
إن الإسلام لا يستهدف مجتمعا متقاتلا متباغضا، بل لا يستهدف مجتمعا مسالما متباعدا، بل يستهدف مجتمعا متكافلا متواصلا متحابا متفاعلا؛ كمثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى وتعين إحداهما الأخرى وكمثل البنيان يشد بعضه بعضا وكالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. [فتح المنعم: ١٠/٨]
فصلة الرحم من شعب الإيمان، وهي من مكارم الأخلاق، ولا يتمّ كمال العبد في طريق الآخرة إلا بصلة رحمه، فإن الرحم باب من أبواب الرحمة، ومن لا يرحم لا يُرحم، وصلة الرحم واجبة، وقطيعتها من الكبائر، وهي من أعظم أسباب فساد القلب.
قال تعالى: ﴿ٱلَّذِینَ یَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِیثَٰقِهِۦ وَیَقۡطَعُونَ مَاۤ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦۤ أَن یُوصَلَ وَیُفۡسِدُونَ فِی ٱلۡأَرۡضِۚ أُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧].
وقال تعالى: ﴿وَٱلَّذِینَ یَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِیثَٰقِهِۦ وَیَقۡطَعُونَ مَاۤ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦۤ أَن یُوصَلَ وَیُفۡسِدُونَ فِی ٱلۡأَرۡضِ أُو۟لَٰۤئِكَ لَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوۤءُ ٱلدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥].
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ لَهُ: مَهْ، قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ، قَالَ: أَلاَ تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ، قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَذَاكِ» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلۡ عَسَیۡتُمۡ إِن تَوَلَّیۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوۤا۟ أَرۡحَامَكُمۡ﴾ [محمد ﷺ: ٢٢-٢٣]. [البخاري: ٤٨٣٠، ومسلم: ٢٥٥٤].
وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ تَعَالَى لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِثْلُ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» [أبو داود: ٤٩٠٢، والترمذي: ٢٥١١، وابن ماجه: ٤٢١١].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ تُعْرَضُ كُلَّ خَمِيسٍ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَلَا يُقْبَلُ عَمَلُ قَاطِعِ رَحِمٍ» [مسند الإمام أحمد: ١٠٢٧٢].
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَنَحْنُ مُجْتَمِعُونَ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرُ الْمُسْلِمِينَ، اتَّقُوا اللَّهَ، وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ ثَوَابٍ أَسْرَعُ مِنْ صِلَةِ رَحِمٍ، وَإِيَّاكُمْ وَالْبَغْيَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عُقُوبَةٍ أَسْرَعَ مِنْ عُقُوبَةِ بَغْيٍ، وَإِيَّاكُمْ وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ، فَإِنَّ رِيحَ الْجَنَّةِ يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ، وَاللَّهِ لَا يَجِدُهَا عَاقٌّ، وَلَا قَاطِعُ رَحِمٍ، وَلَا شَيْخٌ زَانٍ، وَلَا جَارٌّ إِزَارَهُ خُيَلَاءَ، إِنَّمَا الْكِبْرِيَاءُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْكَذِبَ كُلُّهُ إِثْمٌ إِلَّا مَا نَفَعْتَ بِهِ مُؤْمِنًا، وَدَفَعْتَ بِهِ عَنْ دِينٍ، وَإِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا مَا يُبَاعُ فِيهَا، وَلَا يُشْتَرَى، لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الصُّوَرُ، فَمَنْ أَحَبَّ صُورَةً مِنْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ دَخَلَ فِيهَا» [الطبراني في الأوسط: ٥٦٦٤].
وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: لَقِيت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَأَخَذْت بِيَدِهِ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِفَوَاضِلِ الْأَعْمَالِ؟ فَقَالَ «يَا عُقْبَةُ صِلْ مَنْ قَطَعَك، وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَك، وَاعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَك»، زَادَ الْحَاكِمُ: «أَلَا وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُمَدَّ فِي عُمُرِهِ وَيُبْسَطَ فِي رِزْقِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».
وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ مُحْتَجٍّ بِهِ: «أَلَا أَدُلُّك عَلَى أَكْرَمِ أَخْلَاقِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَك، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَك، وَأَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَك» وَالْبَزَّارُ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ الدَّرَجَاتِ» .
وَابْنُ مَاجَهْ: «أَسْرَعُ الْخَيْرِ ثَوَابًا الْبِرُّ وَصِلَةُ الرَّحِمِ، وَأَسْرَعُ الشَّرِّ عُقُوبَةً الْبَغْيُ وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ». [ينظر الزواجر عن اقتراف الكبائر: ٢/١٢٣-١٣٠].
هذه النصوص تؤكد أن صلة الرحم ليست مجرد خلق اجتماعي، بل عبادة قلبية وروحية لها أثر مباشر على صفاء النفس.
فصلة الرحم من أعمال القلوب قبل أن تكون من أعمال الجوارح، فمن صفا قلبه لذوي رحمه صفا عمله.
ومن علامات صدق العبد أن يصل رحمه، فإن النفس إذا تخلّقت بالأخلاق الإلهية رقّت، ومن رقّ قلبه اتسع صدره، ومن اتسع صدره وصل رحمه
فرمضان شهر المواساة، ومن أعظم المواساة مواساة الأرحام، فإنهم أولى الناس بالبرّ، وأحقّ الناس بالصلة.
وهذه النصوص تُظهر أن صلة الرحم عند أهل السلوك ليست عادة اجتماعية، بل عبادة قلبية تُظهر صدق السالك في طريق الله.
صلة الرحم تُهذّب النفس وتُصلح السلوك، وقد بيّن النبي ﷺ أثرها العظيم في حياة المسلم، وتحسن الفائدة فِي ذِكْرِ أَحَادِيثَ فِيهَا الْحَثُّ الْأَكِيدُ وَالتَّأْكِيدُ الشَّدِيدُ عَلَى صِلَةِ الرَّحِمِ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ».
وَأَخْرَجَ أَيْضًا: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ» - أَيْ يُؤَخَّرُ وَهُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ ثَالِثِهِ الْمُهْمَلِ وَبِالْهَمْزِ - «لَهُ فِي أَثَرِهِ: أَيْ أَجَلِهِ - فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: «قَالَ تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الْأَهْلِ مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ مِنْسَأَةٌ فِي الْأَثَرِ» أَيْ بِهَا الزِّيَادَةُ فِي الْعُمْرِ.
وَأخرج عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ، وَالْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَالْحَاكِمُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمُرِهِ وَيُوَسَّعَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُدْفَعَ عَنْهُ مَيْتَةُ السُّوءِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»
وَأخرج أَبُو يَعْلَى: «إنَّ الصَّدَقَةَ وَصِلَةَ الرَّحِمِ يَزِيدُ اللَّهُ بِهِمَا فِي الْعُمُرِ وَيَدْفَعُ بِهِمَا مِيتَةَ السُّوءِ وَيَدْفَعُ بِهِمَا الْمَكْرُوهَ وَالْمَحْذُورَ».
وَأخرج أيضا بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ خَثْعَمَ قَالَ: أَتَيْت النَّبِيَّ - ﷺ - وَهُوَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقُلْت: أَنْتَ الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّك رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ؟ قَالَ «الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ»، قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «ثُمَّ صِلَةُ الرَّحِمِ» قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَبْغَضُ إلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ» قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «قَطِيعَةُ الرَّحِمِ» قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «ثُمَّ الْأَمْرُ بِالْمُنْكَرِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمَعْرُوفِ».
وَأخرج الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَاللَّفْظُ لَهُ: عَرَضَ أَعْرَابِيٌّ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ فِي سَفَرٍ فَأَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ أَوْ بِزِمَامِهَا ثُمَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْ يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي بِمَا يُقَرِّبُنِي مِنْ الْجَنَّةِ وَيُبَاعِدُنِي عَنْ النَّارِ؟ فَكَفَّ النَّبِيُّ - ﷺ - ثُمَّ نَظَرَ فِي أَصْحَابِهِ ثُمَّ قَالَ: «لَقَدْ وُفِّقَ هَذَا أَوْ لَقَدْ هُدِيَ»، قَالَ كَيْفَ قُلْت؟ فَأَعَادَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ، دَعْ النَّاقَةَ» وَفِي رِوَايَةٍ: «وَتَصِلُ ذَا رَحِمِك» فَلَمَّا أَدْبَرَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «إنْ تَمَسَّكَ بِمَا أَمَرْته بِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ».
وَأخرج الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: «إنَّ اللَّهَ لَيُعَمِّرُ بِالْقَوْمِ الدِّيَارَ وَيُنَمِّي لَهُمْ الْأَمْوَالَ وَمَا نَظَرَ إلَيْهِمْ مُنْذُ خَلَقَهُمْ بُغْضًا لَهُمْ. قِيلَ وَكَيْفَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بِصِلَتِهِمْ أَرْحَامَهُمْ». [ينظر الزواجر عن اقتراف الكبائر: ٢/١٢٩-١٣٠].
صلة الرحم عبادة جليلة تجمع بين حق الله وحق الخلق، وهي من أعظم شعب الإيمان وأوضح دلائل الصدق مع الله، وفي رمضان تتأكد منزلتها، إذ تُمحَّص بها القلوب، ويُعرف الصادق من المدّعي، فمن وصل رحمه ابتغاء وجه الله، وصلته الرحمة، وصفا قلبه، واستقام سلوكه، ونال بركة الدنيا وثواب الآخرة.
للمؤمن في أوائل أيام صيامه ثمراتٍ عاجلة، تظهر على أحواله الظاهرة، وعلاقاته الاجتماعية.
الصيام ليس مجرد إمساك عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة ربانية لصناعة التقوى في النفوس.
شهر رمضان المبارك الميقات الأغلى لاجتماع أعظم عبادتين يرفعان شأن المؤمن.