وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
ارتبط شهر رمضان بالقرآن ارتباطًا وثيقًا، فهو شهر نزول الكتاب المبين، وموسم الطاعة والعبادة، حيث يجتمع فيه نور الصيام ونور القرآن؛ ليكونا سببًا في الشفاعة للعبد يوم القيامة، يقول الله تعالى: ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِیۤ أُنزِلَ فِیهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدࣰى لِّلنَّاسِ وَبَیِّنَٰتࣲ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿إِنَّاۤ أَنزَلۡنَٰهُ فِی لَیۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ﴾ [القدر: ١]، ﴿إِنَّاۤ أَنزَلۡنَٰهُ فِی لَیۡلَةࣲ مُّبَٰرَكَةٍۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِینَ﴾ [الدخان: ٣]، فهذه الآيات تؤكد أن رمضان هو شهر القرآن، وأن نزوله كان في لياليه المباركة، مما يجعل للزمان شرفًا مضاعفًا باجتماع الصيام وكلام الله.
لم يكن نزول القرآن في رمضان مجرد حدث تاريخي عابر، بل تحول إلى منهج حياة نبوي أُخرج به الناس من الظلمات إلى النور، فقد روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ أجْوَدَ النّاسِ، وكانَ أجْوَدُ ما يَكونُ في رَمَضانَ حِينَ يَلْقاهُ جِبْرِيلُ، وكانَ يَلْقاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ فيُدارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسولُ اللَّهِ ﷺ أجْوَدُ بالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ" [البخاري (٦)، ومسلم (٢٣٠٨)]، فهذا يدل على أن مدارسة القرآن في رمضان سنة نبوية أصيلة، وأنها تزيد المؤمن قربًا من الله وكرمًا في العطاء، ففي المدارسة والتدبر حياة للقلوب، وزكاة للنفوس، فتتخلى النفوس عن الشح ومرذول الأخلاق، وتتحلى بالفضائل والكرم والجود.
تتجلى عظمة هذه العبادة في "يوم الفزع الأكبر"، حين يأتي الصيام والقرآن يدافعان عن صاحبهما، يقول شفيعنا الحبيب المصطفى ﷺ: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، فَيُشَفَّعَانِ» [أحمد في مسنده (٦٦٢٦)]، ويقول رسول الله ﷺ: «اقْرَؤُوا القُرْآنَ فإنَّه يَأْتي يَومَ القِيامَةِ شَفِيعًا لأَصْحابِهِ» [مسلم (٨٠٤)]، فالصيام يحجز العبد عن شهواته في النهار، والقرآن يشغله عن نومه في الليل بالقيام والتدبر، فيكونان سببًا للشفاعة والنجاة يوم القيامة.
إن العلاقة بين الصيام والقرآن هي علاقة تبادلية وتكاملية، فبقدر ما يهيئ الصيامُ النفسَ بالجوع والصفاء لاستقبال أنوار الوحي، يقوم القرآن بتهذيب هذا الصيام وحمايته من اللغو والرفث، فالصائم الحقيقي هو الذي يسكن القرآن في خلجاته؛ فيمنعه من زلل اللسان أو كدر القلوب، وبذلك يرتقي الصيام من مجرد إمساك عن المباحات إلى رحلة تربوية يرتسم فيها هدي الكتاب في كل سلوك العبد وحركاته وسكناته، لتكون الثمرة نفسًا مطمئنة، قد صفت من كدورات المادة واستنارت بفيوضات كلام رب العالمين.
يمثل الليل في رمضان فرصة فريدة للجمع بين جوع البطن وغذاء الروح في خلوة إيمانية تتجلى فيها أسرار القرب، فبينما يهدأ العالم ينهض العبد الصائم لمناجاة ربه بكلامه، وكأنه يغسل أوصاب نهاره ببرد التلاوة وأنوار التدبر، وهذا الجمع بين عطش النهار وقيام الليل هو الذي يُنشئ في العبد حالة من "الربانية" التي تجعله يعيش في الدنيا بجسده بينما ترفرف روحه في آفاق العرش، فما أجمل أن يختم المؤمن يومه بآيات تبرّد قلبه وتثبّت فؤاده؛ ليغدو الصيام حجابًا عن النار، والقرآن دليلًا إلى الجنة.
لكي يحقق القرآن أثره في الروح ويستحق العبد شفاعته، ينبغي مراعاة جملة من الآداب التي كان يحرص عليها السلف الصالح، منها الإخلاص وحضور القلب، فليس القصد مجرد جرد الصفحات بل فهم الخطاب الإلهي، والترتيل والتحسين عملًا بقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِیلًا﴾ [المزمل: ٤]، فالترسل يعين على التفكر والتدبر والبكاء، حيث كان النبي ﷺ يتفاعل مع الآيات تسبيحًا وسؤالًا وتعوذًا، و(يحرص على) الطهارة والسواك؛ تعظيمًا لكلام الله، وتطيبًا للقاء حضرته في خلوات الليل.
وفَّقه الله فجمع بين عبادة الصيام وتلاوة القرآن، فقد جمع بين نورين عظيمين، نور الصيام الذي يطهّر النفس ويزكّيها، وبه تجتمع في العبد صفة الاستغناء، التي تباعد بينه وبين شهوات الدنيا وتقرّبه من صفة الملائكة الكرام بترك الطعام والشراب لله، وذلك مع صفة الملازمة لكلام الله الذي يضيء القلب ويهدي السبيل، وبه يرتفع العبد إلى مقام الشهود مع حضرة الحق سبحانه وتعالى، وبذلك تتحقق في المؤمن صفة العبودية الحقة لله، فيعيش نهاره صائمًا مخلصًا، وليله تاليًا خاشعًا.
هو كلام الله المعجز المنزل على سيدنا محمد ﷺ، هداية شاملة للبشرية ومعجزة خالدة.
تلاوة القرآن الكريم ليست مجرد كلمات تُتلى، بل هي عبادة قلبية وروحية تسمو بالمسلم إلى مناجاة ربه.
الدعاء عبادة عظيمة، بل هو روح العبادة.