Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الأمانة والإخلاص في العمل أثناء الصيام

الكاتب

هيئة التحرير

الأمانة والإخلاص في العمل أثناء الصيام

يستعرض هذا المقال فلسفة الأمانة والإخلاص في العمل أثناء الصيام، باعتبارهما الركن الركين في بناء الشخصية المسلمة المعاصرة، يربط بين كف الجوارح عن الطعام وبين كف النفس عن التقصير المهني، مستلهمًا منهج جعل العبادة طاقة دافعة للشهود الحضاري وإتقان الصنعة.

فلسفة العمل في المنظور الإسلامي

إننا حين نتحدث عن العمل في نهار رمضان، فإننا لا نتحدث عن عبءٍ يثقل كاهل الصائم، بل نتحدث عن محرابٍ ممتد، في الإسلام يُنظر إلى العمل بوصفه رسالة يتقرب بها العبد إلى مولاه، فكل حركةٍ في قضاء حوائج الخلق هي خطوة في طريق الجنة، إن الصيام الذي يبدأ بالفجر لا ينتهي إلا بالغروب، وما بينهما من ساعات العمل هو جوهر الاختبار، العمل ليس منفصلًا عن الصيام، بل هو برهان الصيام؛ فالمسلم الذي يمسك عن الحلال (الطعام والشراب) امتثالًا لأمر الله، من باب أولى أن يمسك عن التقصير في الواجب الذي تعاقد عليه، حتي يطيب مطعمه بكسب الحلال إننا نؤسس لـ تدين رشيد لا يرى فصلًا بين المسجد والمكتب، ولا بين المصحف والمصنع، وذلك لأن كلًا من العبادات والصناعات أصلهما من علم الله عزوجل فلا يفترقان ولا يتضادان، يقول الراغب الأصفهاني:" أصول الصناعات والمكاسب مأخوذة عن وحي، وذلك أن نقص البشر وحاجة بعضهم إلى بعض أمر ظاهر، والناقص محتاج إلى الكامل، فلا يخلو: إما أن يكون قد أخذ ذلك واحد عن واحد بلا نهاية، وذلك إيجاب ما لا نهاية له وهو محال." [انظر الراغب الأصفهاني، الذريعة إلى مكارم الشريعة، ص ٢٧١ وما بعدها].

الصيام تدريبي على مقام "المراقبة"

يتجلى سر الصيام في كونه العبادة الوحيدة التي لا يدخلها الرياء؛ لأنها سرٌّ مصون بين العبد وربه، هذه الخصوصية هي التي تزرع في نفس الصائم الرقيب الداخلي، الأمانة في العمل أثناء الصيام هي الثمرة المباشرة لقوله تعالى: ﴿وَقُلِ ٱعۡمَلُوا۟ فَسَیَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ﴾ [التوبة: ١٠٥] ،  ولقول النبي  - صلى الله عليه وسلم -  في الحديث القدسي عن رب العزة: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» [صحيح البخاري:٥٩٢٧] ، إذا استشعر الموظف أو العامل أن الله مطلع على إخلاصه في أدق تفاصيل وظيفته كما هو مطلع على إمساكه عن الطعام، فإنه سيؤدي عمله بأمانة تفوق كل أنظمة المراقبة البشرية. إن رمضان يعيد صياغة الضمير المهني، ليصبح الضمير هو المدير، والتقوى هي الميزان، يقول الإمام الغزالي: "والناس ثلاثة رجل شغله معاشه عن معاده فهو من الفائزين والأقرب إلى الاعتدال هو الثالث الذي شغله معاشه لمعاده فهو من المقتصدين ولن ينال رتبة الاقتصاد من لم يلازم في طلب المعيشة منهج السداد ولن ينتهض من طلب الدنيا وسيلة إلى الآخرة وذريعة ما لم يتأدب في طلبها بآداب الشريعة" [إحياء علوم الدين:٢/٦١] .

الأمانة بين الواجب الشرعي والتطبيق الواقعي في رمضان

الأمانة في الإسلام كلمة جامعة لكل ما يُحمل المرء من حقوق الله وحقوق العباد. وفي رمضان، تتضاعف هذه الأمانة؛ لأن الصائم يمثل قيم دينه، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰۤ أَهۡلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، الأداء هنا لا يقتصر على رد الأموال، بل يشمل أداء الوقت وأداء الجهد، الصائم الذي يسرق من وقت العمل ليرتاح، أو يسوف في قضاء مصالح المواطنين، قد فرط في أمانة صومه، إن الأمانة المهنية هي العبادة البدنية التي تُكمل العبادة الروحية (الصيام)، فإذا اجتمعا في العبد، استحق لقب القوي الأمين الذي وصف به القرآن الكريم أهل التمكين [القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج١٣، ص ٢٠٣].

إخلاص النيات وتحويل العادات والوظائف إلى قربات

من لطائف الفقه الإسلامي أن النية بالنسبة الى العمل مثل الكيمياء التي تحول التراب ذهبًا؛ فالموظف الذي يخرج من بيته صائمًا قاصدًا كسب الرزق الحلال وإعمار الأرض وخدمة عباد الله، هو في سبيل الله ما دام في عمله، الإخلاص في العمل يعني تجريد القصد لله، فلا يعمل المرء خوفًا من عقاب ولا طمعًا في رياء، بل حبًا في الإتقان الذي يحبه الله، فعن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت أَنَّ حضرة النَّبِيَّ  - صلى الله عليه وسلم -  قَالَ:« إن الله تبارك وتعالى يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» [المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية :١٣٤٤]، إن الإتقان هو جمال العمل، والجمال في المنظور الإلهي محبوب، فكيف إذا اجتمع جمال الإتقان مع جلال الصيام؟ هنا تترقى الروح إلى مقامات العارفين الذين يخدمون الخلق وهم في حضرة الحق .

أثر إتقان العمل في نهار الصيام على تذكية الروح

قد يظن البعض أن العمل يُنقص من الروحانية، والحقيقة عكس ذلك تمامًا؛ فالعمل المتقن يورث النفس رضًا داخليًا وسكينة، وهذه السكينة هي أطيب ثمار التزكية، الصائم الذي ينجز مهامه بإخلاص يشعر بعزة المؤمن وقوة الإرادة، وهذا يعينه على تحمل وعثاء الجوع والعطش؛ إن التعب في سبيل الأمانة هو عرقٌ يغسل الذنوب؛ كما ورد في الأثر أن من الذنوب ذنوبًا لا يكفرها إلا السعي على المعيشة، يقول الحبيب النبي  - صلى الله عليه وسلم - :«إنّ من الذنوب ذنوبًا لا تكفرها الصلاة ولا الصيام ولا الصدقة، ولكنها يكفرها الهم على كسب العيال» [المختبر المبتكر شرح المختصر: ابن النجار الحنبلي (ت ٩٧٢ هـ)،١/٣٥٠] ، إننا نريد من الصائم أن يرى في عرق جبينه نهار رمضان تجليًا لأنوار القبول، فكل معاملة ينهيها بيسر، وكل صنعة يحكمها بدقة، هي تسبيحةٌ في ملكوت الله.

الرد على ذريعة أن الصيام يسبب الخمول

من الغريب أن يتحول شهر الفتح والقوة إلى شهرٍ للنوم والكسل في أذهان البعض، التاريخ الإسلامي يصرخ فينا أن رمضان كان دائمًا وقت الإنجازات الكبرى؛ من غزوة بدر إلى فتح مكة، إن فلسفة الخمول تتناقض مع روح الصيام التي هي تصفية القوى الشيطان في الإنسان، الصيام طاقة دافعة للإنتاج؛ فالصفاء الذهني الذي يورثه الجوع يرفع من جودة التفكير والإبداع، إننا بحاجة إلى ثورة حضارية تصحح المفاهيم، ليعلم العالم أن المسلم في رمضان هو الأحرص على الإنتاج، والأكثر صبرًا في ميادين العمل، والأبعد عن التذمر والنرفزة التي يبررها البعض بالصيام.

موقف الإسلام من تضييع مصالح الخلق بذريعة التعبد

يؤكد الإسلام أن حقوق العباد مبنية على المشاحة والمطالبة، بينما حق الله مبني على المسامحة، فلا يجوز شرعًا أن يترك الموظف مكانه للصلاة أو التلاوة بشكلٍ يعطل مصالح الناس لساعات بل تقدر الأمور بقدرها، موقف الإسلام واضح: أداء الأمانة المهنية هو فرض عين بموجب العقد والالتزام، أما النوافل فهي تابعة.

إن الصائم الذي يتقاعس عن عمله يرتكب إثمًا يُذهب ببركة صومه، فالصيام جنة (وقاية) من الرذائل، وأعظم رذيلة في المجتمع هي تعطيل الحياة، إن المقاصد الكبرى للشريعة تقوم على حفظ المصالح، والعمل هو قوام هذه المصالح.

الميثاق الأخلاقي للصائم العامل

إننا ننادي بـ ميثاق أخلاقي لكل صائم، يلتزم فيه بأن يكون رمضان شهر الجمال المهني، إن الأمانة والإخلاص هما الجناحان اللذان يحلق بهما الصيام في سماء القبول، لنجعل من نهارنا في رمضان صورةً مشرفة لهذا الدين العظيم، ولنبرهن أن الصيام يزيدنا أمانة، ويزيدنا إخلاصًا، ويزيدنا حبًا لإتقان كل عملٍ نؤديه؛ فبذلك فقط، نكون قد صمنا حقيقةً، وعمرنا الكون باسم الله، واستحقننا أن نكون من ورثة جنة النعيم، ومن أهل الصدق الذين قيل فيهم: ﴿رِجَالࣱ لَّا تُلۡهِیهِمۡ تِجَٰرَةࣱ وَلَا بَیۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] .

الخلاصة

إن الأمانة والإخلاص في العمل ليسا مجرد قيمٍ مهنية، بل هما فقهٌ حياتي ينبع من جوهر الصيام، رمضان هو الفرصة الذهبية لاستعادة السيادة النفسية على الكسل، ولتجديد العهد مع الله على أن نكون عُمارًا للكون بكل إخلاص وإتقان، فمن حفظ أمانة صومه في جوارحه، وحفظ أمانة عمله في وظيفته، فقد نال الحسنيين؛ بركة العبادة، وشرف الثواب الإلهي لعمله الحضاري.

موضوعات ذات صلة

مع غروب شمس آخر شعبان، ينطلق نداء السماء المهيب "يا باغي الخير أقبل" لتُفتح أبواب الجنان وتُغلق أبواب النيران وتُصفد الشياطين.

إنَّ للمؤمن في أوائل أيام صيامه ثمراتٍ عاجلة، تظهر على أحواله الظاهرة، وعلاقاته الاجتماعية.

جعل الله تعالى صلة الرحم من أوثق عرى الإيمان، وربطها بتقواه، وأقام عليها ميزان القرب والبعد منه سبحانه.

موضوعات مختارة