Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الزاد الرمضاني للأئمة والواعظات (٢)

الكاتب

الإداراة العامة للفتوى وبحوث الدعوة

الزاد الرمضاني للأئمة والواعظات (٢)

إنَّ شريعتَنا الغراءَ قامت على ركيزة "الوسطية" التي هي عينُ العدلِ وقِبلةُ الوصول، فالمسلمُ في رمضان يجمعُ بين صفاء التوبةِ ونورِ الاستقامة، مدركًا بفهمه الدقيق للفروق اللغوية وأسرارِ الحكم العطائية أنَّ العبوديةَ الحقَّة هي الوقوفُ حيثُ أقامه الله، ممتثلًا لأمره بِيُسرٍ وسماحة، ليكون بحقٍّ من أهلِ المشاهدةِ والشهادة.

درس التراويح: ترويحة إيمانية، مع قوله تعالى: (أمة الوسط، الله مقصود الكل)

قال تعالى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [سورة البقرة: ١٤٣]

في اليوم الثاني من رمضان نحيا ونعيش مع أنوار وأسرار آية من الجزء الثاني فيها حديث عن أمتنا (أمة الوسط)، وذلك في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}[سورة البقرة: ١٤٣].

وأقول وبالله التوفيق: إن من جمال هذه الآية أنها تعتبر بمثابة واسطة العقد في سورة البقرة، فالذين تكلموا في الإعجاز العددي في القرآن الكرمي ذكروا أن هذه الآية التي معنا تقع في منتصف السورة تمامًا من الناحية العددية عن طريق قسمة عدد آيات السورة ٢٨٦ ÷ ٢ = ١٤٣، فهي وسط بين آيات البقرة ترسخ في القلوب قيمة التوسط والاعتدال، فالآية وكأنها تطبق الوسطية التي دعت إليها.

والآية فيها أسرار وأنوار تصل بنا إلى المقصد الأرشد والهدف الأفخم لكل مريد ومحب: الوصول إلى الله تعالى، دون كدر، ومن غير تفريط وإفراط، بل بيسر وسماحة، في التشريع، وفي الاعتقاد، وفي المعاملة، سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - على معنى (وسطا) في الآية فقال: عدلًا، فطريق الوصول إلى الله تعالى (مقصود الكل) معتدل مستقيم، ومن هنا ترتفع همم الصالحين، وتنمو مشاعر السعادة بالله، وصفاء الروح في الوصول إليه، ولنا في شهر رمضان دلالة عليه، فإننا نقصده سبحانه بالصيام والقيام وصالح العمل، لأنه دعانا إليه برحمته وقربنا إليه بكرمه، فقال «الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»، فالصوم مقصود لله، والجزاء الجزيل من عنده.

إنها موعظة لكل من يتعظ أو انحرف وتتطرف، وغالى في الدين ولم يتلطف، وتشدد وتعسف، الآية تذكره بأن الغلو انحراف عن المقصود الأسمى، وعن طريق ربه الأوفى، والعجيب أن المتطرف والمنحرف في فهم الدين يظن أنه بـأفعاله يرضي الله، وهذا وهم وادعاء، فالوسطية في الدين ترده، وتنسف وهمه، قال الجناب المعظم: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ»، فمن ينحرف ويتطرف ويتعسف ما يغلبه أحد إلا الدين، بوسطيته واعتدال منهجه.

أيها الكريم: الآية التي معنا نستنبط منها الأنوار الآتية:

١- نور الاعتدال: فالوسطية طريق الوصول إلى الله تعالى، وإذا وصفت بها منحت التكريم، وفزت بشرف الوصف بالاعتدال، ومن كان عدلًا فقد توافر فيه شرط الشهادة، فالشهداء يجب وأن يكونوا عدولا، فلما توسطنا واعتدلنا وأصبح ذلك هيئة وسجية منحنا الله مزية، وفضلنا على الأمم السابقة فقال لنا {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: ١٤٣].

٢- نور التسامح: فالسماحة من قيم التوسط، تضيئ الدنيا وتؤثر في أفراد المجتمع، وتحدث التوازن في المعاملات، فلا طغيان ولا جشع، ولا تمييز أو عنصرية، ولكن بر جميل، وسماحة شاملة، وتيسير وبشاشة، واستجلاب رحمة فقد قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن التاجر السمح:«رَحِمَ اللهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ سَمْحًا، إِذَا اشْتَرَى سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى»(سنن ابن ماجة).

٣- نور العدل والشفاعة العظمى والشهادة على الأمم: الآية تأخذنا إلى مشهد من مشاهد الآخرة، فيها أنوار النبوة المحمدية ساطعة، وأمته شهادتها على الأمم حاضرة، فلأننا أمة الوسط بمعنى العدل، تعلمناه وتنورنا به من أنوار الجناب المعظم -صلى الله عليه وسلم -  كنا معه شهداء على الأمم، ففي هذه الآية ورد الحديث الشريف الذي يقول فيه النبي - صلى الله عليه وسلم:« يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لِأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ: {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}[البقرة: ١٤٣] فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}[البقرة: ١٤٣]»وَالوَسَطُ: العَدْلُ[صحيح البخاري].

٤- نور المقصود: فالله سبحانه مقصود الكل، وقد قال الصالحون: "إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي"، فالله نور والطريق إليه التوسط والاستقامة {نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} [النور: ٣٥]، قال ابن عجيبة: " الكون كله من عرشه إلى فرشه قطْعةٌ من نور الحق، وسر من أسرار ذاته، مُلْكٌ، وباطنه ملكوت فائض من بحر الجبروت، فالكائنات كلها: الله نُورُها وسرُّها، وهو القائم بها. ولا يفهم هذا إلا أهل الفناء من العارفين بالله، وحسبُ مَن لم يَبلُغ مقامهم التسليم لما رمزوا إليه، وتحققوه ذوقاً وكشفاً"[البحر المديد ٤/٤٣].

فالعبد الفطن هو من ينجذب للأنوار ولا ينحرف إلى الظلمات، ويتوسط في أمره كله يكون على نور من ربه وهدى فيصير متنورا، أما الذي اختار التطرف والانحراف والتعسف فهو في ظلمات بعضها من بعض، فيصيرا مظلمًا، هدانا إلى الله نوره، وجنبنا سبل الانحراف.

زاد الملتقى: تجديد التوبة في شهر رمضان.

شهر رمضان شهر التوبة والغفران، فعلى المسلم تجديد التوبة واللجوء إلى الله، عما بدر منه من المعاصي، يقول الله تعالى-: {قل يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِم لَا تَقنَطُوا مِن رَّحمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغفِرُ الذٌّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ}

التوبة النصوح ليست مجرد شعور بالندم على ما ارتُكب من ذنوب، بل هي تغيير جذريٌّ في السلوك والنية، ومن أعظم ما نستقبل به شهر رمضان هو التوبة ﻷن اﻷصل في المؤمن تجديد التوبة في كل وقت وآن، وأسوتنا في ذلك رسولنا المصطفى (صلى الله عليه وسلم) فقد كان يستغفر ربه ويتوب إليه في اليوم أكثر من مئة مرة، وتجديد التوبة النصوح من جميع الذنوب والآثام إقلاعًا عن الذنوب وندمًا على ما فات منها وعزمًا على عدم العود لها وردًا للحقوق والمظالم لأهلها دخل في شهر الصيام على المسلم وقد تطهر من الذنوب، فيكون ذلك أدعى لنشاطه في أصحابه، وأرجى للحصول على المغفرة.   

نجدد التوبة قبل رمضان ﻷن القلوب قست، فحري بالنفوس أن تجدد التوبة قبل رمضان حتى تلين القلوب ونفوز بمرضاة الله تعالى .

نجدد التوبة قبل رمضان ﻷننا نرى الموت ينزل بالناس في كل لحظة، ونشاهد يد المنون تخطف هذا وتطرح ذاك.  

والتوبة النصوح ليست عمليةً سهلة، بل تتطلب جهدًا وإرادةً قوية، وفيما يأتي بعض الخطوات العملية التي يمكن اتباعها لبدء صفحة جديدة في شهر رمضان .

  قبل البدء بالتوبة، يجب على المسلم أن يراجع نفسه، ويحلِّل أفعاله وأقواله ونواياه، ويحدد الذنوب والمعاصي التي ارتكبها، هذه المراجعة يجب أن تكون بصدق ودِقَّةٍ، مع التأمل في أسباب وقوعه في هذه المعاصي.

ويشترط للتوبة ثلاثة شروط:

١-    الندم على الذنب، فمتى ذكره بكى ورجع إلى الله تعالى، ويعني ذلك عدم التلذذ والمباهاة عند ذكره.

٢-    عدم العودة إلى الذنب مهما كانت الظروف، فيجزم ويقطع أنه لن يعود إليه مهما كانت مبرراته، ولا شك أن ذلك أمر صعب إلا من وفقه الله تعالى، ومن مواسم التوفيق شهر رمضان المبارك.

٣-    رد الحقوق إلى أهلها، ولا سيما إذا كانت الحقوق مالية أو عينية، ويستحل من صاحبها إذا كانت تالفة، أو هو غير قادر على ردها و إعادتها.

 شهر رمضان فرصة عظيمة للبدء بصفحة جديدة، والتخلص من أعباء الذنوب، وبناء حياة سليمة قائمة على التقوى والخير، إنها رحلة تتطلب الإخلاص والإرادة القوية، والاستعانة بالله تعالى، فمن تاب إلى الله بصدق وإخلاصٍ، غفر الله له ذنوبه، وفتح له أبواب رحمته ومغفرته، يجب أن نستغل هذه الفرصة الثمينة لنصلح أنفسنا، ونتوب إلى الله قبل أن يأتي الأجَل، وأن نبدأ صفحة جديدة في حياتنا مليئة بالخير والبركة، فالله هو الغفور الرحيم.

فحري بنا ونحن في هذا الشهر الكريم أن نتخفف من الأوزار، ونقلع عن المعاصي والموبقات، ونتوب إلى الله توبة صادقة، وأن نجعل من رمضان موسماً لتقويم أعمالنا، وتصحيح مسيرتنا، ومحاسبة نفوسنا، فإن وجدنا خيراً حمدنا الله وازددنا منه، وإن وجدنا غير ذلك تبنا إلى الله واستغفرنا منه، وأكثرنا من عمل الصالحات.

إثراء دعوي ومعرفي

  من مشكاة الحكم العطائية في رمضان:

اعلم أن أعظم ما يمن الله به على السالك بصيرة تنير له مواطن القدم، وفهما يبصر به مواقع الحكمة في أفعال الله ومقاديره، فليس الشأن في كثرة الطاعة وإنما في موافقة المراد، ولذا قال الإمام ابن عطاء الله السكندري في حكمه: ( إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية، وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية) .

فالله - عز وجل - هو الذي يقسم المقامات بين عباده وفق حكمته البالغة، فمنهم من أقامه في مقام الأسباب وهو العمل والسعي وبناء الحضارة وعمارة الأرض، ومنهم من أقامه في مقام التجريد وهو التفرغ للعبادة أو العلم دون شاغل مادي ، فإذا أراد العبد الذي أقامه الله في الأسباب أن يترك عمله وينقطع للعبادة بمحض إرادته وهواه، ظنا منه أن ذلك أقرب إلى التقوى، فقد وقع فيما سماه ابن عطاء الله الشهوة الخفية؛ لأنه في الحقيقة لم يطلب مراد الله، بل طلب راحة نفسه من عناء السعي تحت ستار الدين، وهذا ينافي كمال العبودية ، والدليل على ذلك من السنة المشرفة ما ورد أن نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أرادوا التجريد التام، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فصحح لهم المفهوم وأعادهم إلى فقه الإقامة الإلهية قائلا : «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» [متفق عليه]، فالسنة هي الوقوف حيث أقامك الله لا حيث اشتهت نفسك.

وعلى الجانب الآخر، فإن من فتح الله له أبواب التجريد وصان قلبه عن هموم الرزق وأفرغه لذكره، ثم تطلعت نفسه للعودة إلى زحام الأسباب رغبة في الدنيا أو تكاثرًا، فقد انحطت همته من مقام القرب الرفيع إلى مقام المادة، وهو ما حذر منه القرآن الكريم في قوله تعالى: {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [سورة طه: الآية ١٣١].

وفي شهر رمضان المبارك، يتجلى هذا الفقه العطائي في أبهى صوره؛ إذ يجمع الصيام بين التجريد بالامتناع عن المباحات، وبين الأسباب بالقيام بواجبات الاستخلاف في الأرض ، فالمؤمن في رمضان لا يتخذ صومه ذريعة للقعود عن العمل أو إهمال الواجبات الوظيفية، بل يدرك أن إقامة الله له في عمله وهو صائم هي عين العبادة، فترك العمل بحجة التفرغ للذكر هو وقوع في الشهوة الخفية ،  فرمضان يربي فينا الهمة العلية التي تجعل العبد مستسلما لمراد ربه، فإن كان في عمله فهو عابد، وإن كان في محرابه فهو عابد، متمثلا قول الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}   {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة الأنعام: الآية ١٦٢] .

فالعارف في رمضان هو الذي لا يختار مع اختيار الله اختيارًا، بل يرى في تعبه نهارًا وفرحة فطره ومناجاته ليلًا وحدة واحدة في سلك العبودية، محققًا بذلك التوازن بين عمارة الدنيا وتزكية الروح، ولسان حاله يقول: يا رب، أقمتني في السبب فلك الحمد، وأقمتني في التجريد فلك المنة، وبذلك يخرج من ضيق تدبيره لنفسه إلى سعة شهوده لتدبير الله له.

المعجم المستلهم من الألفاظ المتداولة في شهر رمضان.

(كُتب وفُرض) ... بين الشريعة واللغة

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: ١٨٣].

اللغة العربية قوية وغنية بمفرداتها وتراكيبها وثرية بالمعاني والبيان، حيث تخدم الأحكام الشرعية ، والفرق دقيق بين "كتب" و"فرض"، ولكل منهما دلالته الخاصة التي تعكس طبيعة الحكم ومدى إلزاميته .

 وفي السياق القرآني، يشترك الفعلان "كُتب" و"فُرض" في دلالة الإلزام والإيجاب (أي كلاهما يعني الوجوب)، لكن "كُتب" تحمل دلالة أعمق تشير إلى "التوثيق والشدة" وتأكيد الأمر في اللوح المحفوظ، وقد تحمل أيضاً دلالة "الإلزام مع وجود مشقة".  

تفصيل وإيضاح:

فالفعل الماضي (كُتب) في الآية {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} فعل ماضي مبني للمجهول يؤدي معنى الإلزام المشروط والقابل للتخفيف، حيث تُستخدم كلمة "كُتب" في الأمور التي تكون ملزمة في أصلها، لكنها تخضع لمحددات وشروط، ولها دلالة عظيمة تشير إلى التوثيق والشدة والثبات، وقد يكون فيها مجال للرخصة أو الاستثناء وفقًا للظروف، ومن ذلك قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: ١٧٨].

فالقصاص مشروع في الشريعة الإسلامية وأيضًا مُلزم، لكنه ليس فرضًا مطلقًا، إذ يمكن العفو أو قبول الدية، مما يدل على أنه حكم مُلزِم لكنه ليس قطعياً مطلقًا بل يدخله الاستثناء.

ومنه أيضًا: قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: ١٨٠].

فالوصية جائزة ومشروعة، لكنها مقيدة بشروط، مثل عدم تجاوز الثلث وعدم التعدي على أنصبة الميراث المفروضة، مما يفيد أن الوصية مشروطة وليست إلزامًا مطلقًا.

ونفهم معنى الإلزام وقبول الاستثناء والتخفيف أيضًا من آية الصيام في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: ١٨٣]، فالصيام عبادة واجبة، لكن الله رخّص بالإفطار للمرضى والمسافرين، مما يؤكد أنه واجب لكنه يقبل الاستثناء والتخفيف.

وفي قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة: ٢١٦]، نجد أن القتال مشروع في الإسلام، لكنه ليس فرضًا على كل الأفراد، بل يستثنى منه النساء والضعفاء والشيوخ والأطفال، كما أنه مشروط بعدم الاعتداء والظلم، واقتصاره على الدفاع عن النفس

أما الفعل "فرض" فهو إلزام قاطع لا استثناء فيه ولا تخفيف، وتستخدم في الأمور التي لا تقبل التخفيف أو الاستثناء، حيث يكون الحكم محددًا لا مجال لاجتهاد الأفراد فيه.

 ومن ذلك: الوصية، وهي تشمل أحكامًا ملزمة، قال تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: ١١]، وفيها بيّن الحق جل جلاله أنصبة الميراث بوضوح، وقال في ختام الآيات: {فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ}، وأحكام الميراث كما نعلم ملزمة تمامًا، فلا يجوز التغيير فيها لا بالزيادة ولا بالنقصان، ولا يُقبل الاجتهاد فيها.

ويظهر هذا جليًا في أول سورة النور في قوله تعالى: {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا}

وفي هذه السورة الكريمة يبيّن المولى جل جلاله الأحكام المتعلقة بالزنا والقذف واللعان، حيث فرضت بحدود واضحة، حيث لا يجوز التهاون فيها أو العفو عنها من قِبل الأفراد، لأنها تتعلق بحفظ المجتمع وأمنه الأخلاقي.

الخلاصة : 

١-  أن الفعل "كُتب" يستخدم في الأحكام التي تلزم المسلم ولكنها تقبل التخفيف أو الاستثناء أو الرخصة.

٢-  أما "فرض" فهو إلزام قطعي لا يقبل التغيير أو الاجتهاد، وهذا التمييز يعكس رحمة التشريع الإسلامي في بعض الأمور، وحزمه وثباته في أمور أخرى، وفقًا لما يحقق مقاصد الشريعة في حفظ الدين والنفس والمجتمع.  

٣-  كُتب: تشير إلى الأوامر التي فيها نوع من الإلزام الشديد، وتكتب في اللوح المحفوظ قبل وقوعها، كما أن (كُتب) تركز على إشعار الإنسان بأن الأمر مسطّر وثابت.

٤-  وفرض تشير إلى الفرض والإيجاب المباشر من الله تعالى. 

رمضان سؤال وجواب:

السؤال: ما حكم استخدام بخاخة الربو للصائم في نهار رمضان؟ وهل يؤثر رذاذ الدواء الذي يدخل إلى الممرات التنفسية على صحة الصوم، خاصة مع تكرار نوبات ضيق التنفس وحاجة المريض الماسة إليها؟

الجواب:

 بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.. أما بعد:

فإن الشريعة الإسلامية قامت دعائمها على رفع الحرج عن الناس، لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [سورة الحج: الآية٧٨]، ومن تجليات هذه الرحمة مراعاة أحوال المرضى وذوي الأعذار، والناظر في طبيعة عمل بخاخة الربو يجد أن الدواء المستنشق بها هو ضرورة لإتمام عملية التنفس التي لا تستقيم حياة الإنسان إلا بها، فصار الدواء في حق المريض كعنصر الهواء الذي لا يستطاع الامتناع عنه، وإليك تفصيل نصوص أئمة المذاهب الأربعة التي تؤصل لعدم فساد الصوم بما لا يمكن التحرز منه أو ما يدخل في حكم الهواء المستنشق:

أولًا: مذهب السادة الحنفية

يقول الإمام السرخسي في "المبسوط" (٣/ ٩٨ ، ط. دار المعرفة): [وَإِذَا دَخَلَ الْغُبَارُ أَوْ الدُّخَانُ حَلْقَ الصَّائِمِ: لَمْ يَضُرَّهُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ، فَالتَّنَفُّسُ لَا بُدَّ مِنْهُ لِلصَّائِمِ، وَالتَّكْلِيفُ بِحَسَبِ الْوُسْعِ] انتهى.

ثانيًا: مذهب السادة المالكية:

قال الإمام الخرشي في "شرح مختصر خليل" (٢/ ٢٥٨ ، ط. دار الفكر): [ وَغُبَارِ طَرِيقٍ. يَعْنِي: أَنَّ غُبَارَ الطَّرِيقِ إذَا دَخَلَ فِي حَلْقِ الصَّائِمِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِيهِ؛ لِلْمَشَقَّةِ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ.. أَوْ دَقِيقٍ أَوْ كَيْلٍ أَوْ جِبْسٍ لِصَانِعِهِ ] انتهى.

وعلق الشيخ العدوي في "حاشيته على شرح الخرشي (٢/ ٢٥٨) م مؤيداً العفو عن كل ما كان من جنس الغبار أو ما يحمل طعماً كالدباغ والكتان لصعوبة التحرز منه.

ثالثًا: مذهب السادة الشافعية:

يقول الإمام النووي في "المجموع شرح المهذب" (٦/ ٣٢٧ ، ط. دار الفكر): [قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يُكَلَّفُ إطْبَاقَ فَمِهِ عِنْدَ الْغُبَارِ وَالْغَرْبَلَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَرَجًا. قَالَ الْبَغَوِيُّ: أَصَحُّهُمَا: لَا يُفْطِرُ؛ لِأَنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْ جِنْسِهِ] انتهى.

وقال الإمام شمس الدين الرملي في "نهاية المحتاج" (٣/ ١٦٨ ، ط. دار الفكر): [فَلَوْ وَصَلَ جَوْفَهُ ذُبَابٌ أَوْ بَعُوضَةٌ أَوْ غُبَارُ الطَّرِيقِ وَغَرْبَلَةُ الدَّقِيقِ لَمْ يُفْطِرْ) وَإِنْ أَمْكَنَهُ اجْتِنَابُ ذَلِكَ بِإِطْبَاقِ الْفَمِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ الشَّدِيدَةِ] انتهى.

رابعًا: مذهب السادة الحنابلة:

قال الإمام ابن قدامة في "الكافي في فقه الإمام أحمد" (١/ ٤٤١ ، ط. دار الكتب العلمية): [وَمَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ؛ كَابْتِلَاعِ رِيقِهِ، وَغَرْبَلَةِ الدَّقِيقِ، وَغُبَارِ الطَّرِيقِ... لَا يُفْطِرُهُ؛ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْهُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْوُسْعِ، وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا] انتهى.

هداية وإرشاد:

أيها المؤمن الصابر على بلائه: اعلم أن حفظ النفس مقصد كلي من مقاصد الشريعة، وأن وقوفك بين يدي الله وأنت تناجيه رغم ضيق صدرك بالمرض هو غاية العبودية ، فاستخدامك لهذه البخاخة عند الحاجة ليس نزهة ولا شهوة، ولكنه استبقاء للحياة التي استودعك الله إياها لتستمر في طاعته ،  فلا يدخلن القلق إلى قلبك، ولا تظن أن قطرات الرذاذ التي تفتح ممرات الهواء في رئتيك تفسد خلوتك مع الله في صيامك،  فالله الذي فرض الصيام هو الذي عفا عما يعجز الإنسان عن دفعه، وهو الذي جعل المشقة تجلب التيسير ، فصُم وأنت مطمئن النفس، واثقاً في واسع رحمة الله، فالدين يسر، وربك لا يريد بك العسر، بل يريد بك اليسر، فهذا هو المنهج الرباني.

والله تعالى أعلم

دعاء وختام

اللهم إني نويت صيام شهرك إيمانًا واحتسابًا فتقبله مني واجعل عملي خالصًا لوجهك الكريم.

اللهم وفقني فيه لقيام الليل وقراءة القرآن واجعلني من عبادك الصالحين.

اللهم ارزقني قوة العزيمة وصفاء القلب وحسن العبادة.

موضوعات ذات صلة

إنَّ للمؤمن في أوائل أيام صيامه ثمراتٍ عاجلة، تظهر على أحواله الظاهرة، وعلاقاته الاجتماعية.

الصيام عبادة بدنية قوامها الإمساك بنية التعبد من الفجر إلى الغروب.

شهر رمضان المبارك الميقات الأغلى لاجتماع أعظم عبادتين يرفعان شأن المؤمن، حيث يتحد فيه نور الصيام ببركة القرآن لتتحقق للعبد شفاعة مزدوجة.

موضوعات مختارة