(كُتب وفُرض) ... بين الشريعة واللغة
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: ١٨٣].
اللغة العربية قوية
وغنية بمفرداتها وتراكيبها وثرية بالمعاني والبيان، حيث تخدم الأحكام الشرعية ،
والفرق دقيق بين "كتب" و"فرض"، ولكل منهما دلالته الخاصة التي
تعكس طبيعة الحكم ومدى إلزاميته .
وفي السياق القرآني، يشترك الفعلان "كُتب"
و"فُرض" في دلالة الإلزام والإيجاب (أي كلاهما يعني الوجوب)، لكن "كُتب" تحمل دلالة
أعمق تشير إلى "التوثيق والشدة" وتأكيد الأمر في اللوح المحفوظ، وقد
تحمل أيضاً دلالة "الإلزام مع وجود مشقة".
تفصيل وإيضاح:
فالفعل الماضي (كُتب)
في الآية {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} فعل ماضي مبني للمجهول يؤدي معنى
الإلزام المشروط والقابل للتخفيف، حيث تُستخدم كلمة "كُتب" في الأمور
التي تكون ملزمة في أصلها، لكنها تخضع لمحددات وشروط، ولها دلالة عظيمة تشير إلى
التوثيق والشدة والثبات، وقد يكون فيها مجال للرخصة أو الاستثناء وفقًا للظروف،
ومن ذلك قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة:
١٧٨].
فالقصاص مشروع في
الشريعة الإسلامية وأيضًا مُلزم، لكنه ليس فرضًا مطلقًا، إذ يمكن العفو أو قبول
الدية، مما يدل على أنه حكم مُلزِم لكنه ليس قطعياً مطلقًا بل يدخله الاستثناء.
ومنه أيضًا: قال تعالى:
{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا
الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: ١٨٠].
فالوصية جائزة ومشروعة،
لكنها مقيدة بشروط، مثل عدم تجاوز الثلث وعدم التعدي على أنصبة الميراث المفروضة،
مما يفيد أن الوصية مشروطة وليست إلزامًا مطلقًا.
ونفهم معنى الإلزام
وقبول الاستثناء والتخفيف أيضًا من آية الصيام في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: ١٨٣]، فالصيام
عبادة واجبة، لكن الله رخّص بالإفطار للمرضى والمسافرين، مما يؤكد أنه واجب لكنه
يقبل الاستثناء والتخفيف.
وفي قوله تعالى: {كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة: ٢١٦]، نجد أن القتال
مشروع في الإسلام، لكنه ليس فرضًا على كل الأفراد، بل يستثنى منه النساء والضعفاء
والشيوخ والأطفال، كما أنه مشروط بعدم الاعتداء والظلم، واقتصاره على الدفاع عن
النفس
أما الفعل
"فرض" فهو إلزام قاطع لا استثناء فيه ولا تخفيف، وتستخدم في الأمور التي
لا تقبل التخفيف أو الاستثناء، حيث يكون الحكم محددًا لا مجال لاجتهاد الأفراد فيه.
ومن ذلك: الوصية، وهي تشمل أحكامًا ملزمة، قال تعالى: {يُوصِيكُمُ
اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: ١١]، وفيها بيّن الحق جل جلاله أنصبة
الميراث بوضوح، وقال في ختام الآيات: {فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ}، وأحكام
الميراث كما نعلم ملزمة تمامًا، فلا يجوز التغيير فيها لا بالزيادة ولا بالنقصان،
ولا يُقبل الاجتهاد فيها.
ويظهر هذا جليًا في أول
سورة النور في قوله تعالى: {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا}
وفي هذه السورة الكريمة
يبيّن المولى جل جلاله الأحكام المتعلقة بالزنا والقذف واللعان، حيث فرضت بحدود
واضحة، حيث لا يجوز التهاون فيها أو العفو عنها من قِبل الأفراد، لأنها تتعلق بحفظ
المجتمع وأمنه الأخلاقي.
الخلاصة :
١-
أن الفعل "كُتب" يستخدم في الأحكام
التي تلزم المسلم ولكنها تقبل التخفيف أو الاستثناء أو الرخصة.
٢-
أما "فرض" فهو إلزام قطعي لا يقبل
التغيير أو الاجتهاد، وهذا التمييز يعكس رحمة التشريع الإسلامي في بعض الأمور،
وحزمه وثباته في أمور أخرى، وفقًا لما يحقق مقاصد الشريعة في حفظ الدين والنفس
والمجتمع.
٣-
كُتب: تشير إلى الأوامر التي فيها نوع من الإلزام الشديد، وتكتب في اللوح
المحفوظ قبل وقوعها، كما أن (كُتب) تركز على إشعار الإنسان بأن الأمر مسطّر وثابت.
٤-
وفرض تشير إلى الفرض والإيجاب المباشر من الله
تعالى.