العناصر
١- ثمرات العبادات في الإسلام .
٢- تقويم السلوك بالصيام.
٣- من أخلاق الصائمين.
• التقوى.
• الصبر.
• الحلم.
الأدلة من القرآن:
١- قال تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} (العنكبوت: ٤٥).
٢- قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: ١٨٣)
٣- وقال تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} (البقرة: ٨٣).
٤- وقال تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} (البقرة: ١٩٧).
٥- وقال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر: ١٠).
الأدلة من السنة:
١- عن أبى هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) قال: قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (تَدْرُونَ مَا أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ النَّارَ؟) قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (الْأَجْوَفَانِ: الْفَرْجُ وَالْفَمُ، وَأَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ؟ قال: تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ). (الأدب المفرد للبخاري).
٢- وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ (رضى الله عنه) قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) (قَالَ اللَّهُ (عز وجل): كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِى بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّى امْرُؤٌ صَائِمٌ. وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا، إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِىَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ) (متفق عليه).
٣- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ) (سنن الترمذي).
٤- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم): (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) (صحيح البخاري).
الموضوع
إن الصوم يدعو إلى تقوى الله في السر والعلانية وفي الظاهر والباطن من السلوك والأعمال والاعتقاد، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: ١٨٣)، كما أنه يدرب المسلم على الصبر ومحاسن الأخلاق .
إن من حقيقة التقوى في الصيام في قول ربُّنا (جل وعلا): {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: ١٨٣]، هي: التمثُّل بالأخلاق الكريمة والصفات النبيلة فعلًا وقولًا وسُلوكًا ومنهَجًا، يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (اتَّقِ الله حيثُما كنت، وأتبِع السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حسن) (سنن الترمذي)، وعن أبى هُرَيْرَةَ (رضى الله عنه) قال: قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (تَدْرُونَ مَا أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ النَّارَ؟) قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (الْأَجْوَفَانِ: الْفَرْجُ وَالْفَمُ، وَأَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ؟ قال: تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ) (الأدب المفرد للبخاري)، ومعنى الأكثرية المذكورة في الحديث أي: أكثر أسباب السعادة الأبدية، وأكثر أسباب الشقاوة السرمدية، وقد جمع النبي (صلى الله عليه وسلم) بين تقوى الله وحسن الخلق ؛ لأن تقوى الله تصلح ما بين العبد وبين وربه، وحسن الخلق يصلح ما بين العبد وبين الخلق، كما أن تقوى الله توجب محبة الله، وحسن الخلق يوجب محبة الخلق، وهذا يشمل سائر أبواب الدين في الأموال والفروج ومعاملة الخلق والولايات وغير ذلك.
ولما كان الاسلام دينًا يعتني بالأخلاق اعتناءً بالغًا كما يتجلى ذلك في قوله (صلى الله عليه وسلم): (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ) (المستدرك للحاكم)، كان شهر رمضان وفريضة الصيام فرصة لتربية النفس على الأخلاق الفاضلة، وتجنيبها الأخلاق الفاسدة، ويتجلى ذلك في حقيقة الصوم نفسه، وهو أن يصوم المرء عن كل ما لا يليق، وأن تحكمه أخلاق التقوى، وهو ما بينه الرسول (صلى الله عليه وسلم) في قوله: (وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ) (متفق عليه) فالإسلام يُريد من المسلم أن يتحلَّى بالأخلاق الحسنة، وأن يتَّصِفَ بالمُعاملات الكريمة، قال (صلى الله عليه وسلم): (أَكْمَلُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا، وخيارُكم خيارُكم لنسائِهم) (سنن الترمذي)، ويقول (صلى الله عليه وسلم): (إِنَّ المؤمنَ ليُدرِك بحُسن خُلُقه درجةَ الصَّائم القائم) (سنن أبي داود).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا، وَصِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: (هِيَ فِي النَّارِ)، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، وَصَلَاتِهَا، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ، وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: (هِيَ فِي الْجَنَّةِ) (مسند أحمد).
وقد حذَّر النبي (صلى الله عليه وسلم) الصائمين من العُدول عن هذه المقاصِد الكريمة للعبادات الجليلة، فقال: (إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُث وَلا يَصْخَب، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتلَهُ فَلْيَقُل: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ) (متفق عليه)، فالفُحش واللعان والسباب ليس من أخلاق أهل الفضل والعبادة والإحسان، وليس من سجِيَّة عباد الرحمن، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم): (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) (صحيح البخاري).
فالصائم حين يقضي نهار رمضان ممتنعًا عما أحله الله له من الطعام والشراب والجماع هان عليه وسهل أن يمتنع عما حرم الله تعالى، فهو يشعر دائمًا برقابة الله تعالى له، يحرص على أن يكون صومه كما أراده الله تعالى (إيمانا واحتسابًا)، فلا يريد أن ينقص إيمانه بمعصية، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ): قَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم): (لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهْوَ مُؤْمِنٌ) (صحيح البخاري).
والصوم لا يؤتي ثماره إلا حين يكون جُنَّة لصاحبه – أي: وقاية ودرع- من الوقوع في المعاصي،كما جاء في الحديث القدسي عن رب العالمين: (وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ) (متفق عليه)، فإذا حقق الصائم هذه الحكمة، واستوفى هذه العلة، وتحلى بهذه الحلية (التقوى) استحق ما أعده الله تعالى لأهلها من الفرح في الدنيا والآخرة، فرح في الدنيا على تحقيقها، وفرح في الآخرة على ثوابها، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا، إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِىَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ) (متفق عليه)، وأما إذا لم يحقق الصائم هذه الحكمة فقد أتعب نفسه في الدنيا بالحرمان دون جزاء، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم): (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) (صحيح البخاري).
ومن هنا نهى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الصائم عن أخلاق مذمومة أثناء الصيام ؛ لأنها تتنافى مع حقيقة الصيام وهي: الرفث (أي: الكلام الفاحش) والجهل والصخب (أي: الصياح والشتم) بمعنى: أن الصائم يجب أن يكون ذا أخلاق عالية، وهي أخلاق التقوى من كظم الغيظ، وضبط اللسان، والعفو عن الناس والإحسان إليهم، كما ذكر سبحانه من صفات المتقين الذين أعد لهم الجنة: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران: ١٣٤)، فذكر من صفات المتقين صفات أخلاقية (كظم الغيظ، والعفو عن الناس والإحسان إليهم) .
كذلك من الأخلاق التي يكتسبها المسلم من الصيام خلق الصبر؛ لأن رمضان شهر الصبر ومدرسته، وتجتمع فيه أنواع الصبر الثلاثة: الصبر على أداء الطاعات من نوافل وقيام ليل وغيرها، والصبر عن المحرمات من كف للجوارح عن اقتراف الذنوب، والصبر على الحرمان من جوع وعطش وشهوة، فمن صبر شهرًا كاملًا على ما سبق فلا بد من أن يكون قد تدرب تدريبًا مكثفًا على هذا الخلق العظيم، ومن هنا وصف شهر رمضان بكونه شهر الصبر، كما في حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: (صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، صَوْمُ الدَّهْرِ) (مسند أحمد)، وقال الله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر: ١٠).
إن الصائم الحق يتأثر سلوكه بالصيام في تعامله مع من حوله، فالصيام يمَرِّن على ضبط النفس، والسيطرة عليها، يقول (صلى الله عليه وسلم): (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) (صحيح البخاري)، فالمسلم ليس بالسّبّاب، ولا بالطعان، ولا باللّعّان، ولا بالفاحِشِ البذيء كما في الحديث، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (إِنَّ المُؤْمِنَ لَيْسَ بِاللَّعَّانِ وَلَا الطَّعَّانِ وَلَا الفَاحِشِ وَلَا البَذِيءِ) (مسند أحمد)، فإن بدأه أحدهم بسباب أو شتم لم يكن رده إلا بالحلم والصفح (إنِّي امرؤ صائم) يدفع دائمًا بالتي هي أحسن، قال تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } (فصلت: ٣٤)، يتحلى بأخلاق عباد الرحمن {الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} (الفرقان: ٦٣).