Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الزاد الرمضاني للأئمة والواعظات (٦)

الكاتب

الإدارة العامة للفتوى وبحوث الدعوة

الزاد الرمضاني للأئمة والواعظات (6)

يا أيها السائرون إلى الله في أنوارِ هذا الشهرِ الشريف، اجعلوا من صيامِكم مِعراجاً لتزكيةِ النفوس، ومن قرآنِكم مَنهلاً لترميمِ الإنسانِ وبناءِ الأوطان، فما رمضانُ إلا صياغةٌ ربانيةٌ لصناعةِ المتقين.

درس العصر: الهداية بالقرآن: إصلاح الفرد والمجتمع من منهل رمضان.

     يقول الله جلَّ جلاله في كتابه العزيز: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]. 

     فما أعمق هذا الربط! وما أعظم هذا التوقيت! فالله لم ينزل القرآن في أي شهر، بل نزَّله في رمضان، شهر التزكية، والرقابة، والانكسار بين يدي الرب. كأنه سبحانه يقول: إن هذا الكتاب لا يُفهم بعقولٍ غافلة، ولا يُستنبط معناه بقلوبٍ قاسية، بل يُتلقَّى هديه في أوقات اختصها الله بالصفاء، وجعلها مواسمَ للإنابة والاهتداء.

     والقرآن كما وصفه الحق ليس مجرد كلامٍ يُتلى، بل هو هدىً يُري صاحبه الطريق، ويُخرجه من ظلمات الجهل إلى نور اليقين. وهو بيناتٌ من الهدى، واضحُ الدليل، جليُّ البرهان، لا لبس فيه ولا غموض. وهو الفرقان: يفصل بين الحق والباطل، والحلال والحرام، والرشد والغي. فبه يُصلح الفرد نفسه، وبه يُقوَّم المجتمع كله.

     فإذا اهتدى الفرد بالقرآن، صار خُلقه قرآنًا، وعمله تفسيرًا عمليًّا لآياته. يأمر بالمعروف إذا رأى منكرًا، ويكظم الغيظ إذا غضب، ويُنفق مما يحب إذا اغتنى، ويصبر إذا ابتُلي. فلا يصوم جسده فقط، بل يصوم لسانه عن الكذب، وقلبه عن الحقد، وجوارحه عن المعاصي. 

     وإذا اهتدى المجتمع بالقرآن، صار عدلًا لا ظلم فيه، ورحمةً لا قسوة معها، وتعاونًا لا تنافس فيه إلا في الخير. يأمن فيه الضعيف، ويُنصَف فيه المظلوم، ويُحترم فيه الإنسان لكرامته، لا لماله أو جاهه. فلا يُؤخذ أحدٌ بجريرة غيره، ولا يُظلم عبدٌ ولو كان كافرًا، لأن القرآن يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ويقول: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣].

     ولقد كان النبي ﷺ أحرص الناس على أن يكون القرآن دستور حياة، لا مجرد زينةٍ في المجالس. فكان إذا نزلت عليه آيةٌ فيها أمرٌ أو نهيٌ، بادر إليها قبل غيره، وطبَّقها في نفسه أولًا، ثم في أهل بيته، ثم في أمته. فكان القرآن منهجًا تربويًّا، ودستورًا تشريعيًّا، ومرشدًا سلوكيًّا، كل ذلك في آنٍ واحد.

     واليوم، في زمنٍ كثُرت فيه المراجع، وتضاربت فيه المناهج، وتشتَّتت فيه الأمة، لا نجاة لنا إلا بالعودة إلى هذا المصدر الرباني الخالد، فليس الإصلاح بالتمني، ولا بالشعارات، بل بالاهتداء بما أنزل الله. قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]. فالتغيير يبدأ من القلب، والقلب لا يُفتح إلا بتلاوةٍ واعية، وتدبُّرٍ عميق، وعملٍ صادق.

     وشهر رمضان بفضل ربطه بنزول القرآن، هو أعظم فرصةٍ سنويةٍ لإعادة الاهتداء. ففيه تُفتح القلوب، وتلين النفوس، وتُقبل الأرواح على ربها. فمن استغله بتدبُّر القرآن، خرج منه وقد تغير، وانصلح حاله، وأصبح سراجًا يهدي غيره. ومن مر عليه وهو لا يرى فيه سوى الجوع والعطش، فقد خاب وخسر.

     فليكن رمضان إذن محطةَ تزودٍ بالهداية، لا محطةَ عاداتٍ موسمية. وليكن القرآن رفيقَ دربنا، لا مجردَ تلاوةٍ عابرة. فإن فعلنا، صلح فردنا، واستقام مجتمعنا، وعادت للأمة عزَّتها من عند ربها، لا من عند غيره.

     وخُتامًا، فإن قول الله: ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ ليس وصفًا تاريخيًّا لنزول القرآن فحسب، بل هو وعدٌ دائمٌ لكل من اهتدى به. فمن اهتدى، هُدي. ومن اتبع النور الذي أنزل معه، نجا. 

وصلى الله على سيدنا محمد، الذي كان خُلقه القرآن، وعلى آله وصحبه الذين جعلوا القرآن ربيع قلوبهم، وسلم تسليمًا كثيرًا.

درس التراويح: ترويحة إيمانية، قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين .

قال تعالى {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} [المائدة: ١٥]

نحيا ونعيش مع آية مباركة كريمة من الجزء السادس ، والآية فيها بيان لعظمة الجناب المعظم سيدنا محمد ﷺ وفضل الكتاب الذي أنزل معه، وأثرهما في الهداية العظمى ، مما يتبين معه الوثيقة بين القرآن الكريم والجناب المعظم ﷺ، في رد على من ينكرون السنة، ويهونون من شأن المحبين لسيدنا محمد <، فالآية الكريمة تؤكد أنه عليه الصلاة والسلام جاء مع القرآن هدفهما واحد وهو الهداية إلى طريق الفوز في الدنيا والآخرة.

ولأن القرآن كتاب هداية فلم يستثن طائفة من الدعوة إلى الهداية فنادى {يا أَهْلَ الْكِتابِ} اليهود والنصارى فقَدْ جاءَهُمْ رَسُولُنا سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم يُظهر كثيرًا من الأحكام والمسائل التي ذكرتها كتب أهل الكتاب وكتموها عن الناس، كإخفائهم صفة النبي صلّى الله عليه وسلّم التي وجدوها في التوراة والإنجيل وكتمانهم ما جاء فيها من بشارات تبشر به، والأحكام التي أخفاها علماؤهم عن العامة، وتولى الرسول ﷺ إعلانها إظهارًا للحق، ووضعا للأمور في نصابها إذ لولا صدقه ﷺ لما عرف ذلك، ووصفه بالعفو عن كثير من أفعالهم ، وذلك من أمارات خلقه ﷺ.

وسنركز الحديث في قول الله تعالى (نور) ، (وكتاب مبين) ، والنور المقصود به القرآن الكريم وهذا قول بعض المفسرين، وقد ذُكر أن النور هو سيدنا محمد ﷺ ذكره ابن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (١٠/١٤٣)، وذكره الآلوسي في روح المعاني (٣/٢٦٩) فقالا: إن النور هو سيدنا محمد ﷺ نور الأنوار ،  ورجح صاحب تفسير الوسيط د. محمد سيد طنطاوي (٤/٩٠)، فقال (ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن جرير أرجح، لأن العطف في الغالب يقتضى المغايرة في الذات إذ الرسول صلّى الله عليه وسلّم قد جاء للناس برسالة هي نور في شخصه صلّى الله عليه وسلّم كما جاءهم بالقرآن الكريم الدال على صدقه في رسالته)  وهناك دلالات على نورانية الجناب المعظم < كثيرة .

فثبت في السنة أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقولون : إنه وجهه صلى الله عليه وسلم كالقمر [رواه النسائي في السنن الكبرى] والوصف بالقمر يعلم منه أنهم يريدون نوره الذي يرونه في وجهه - صلى الله عليه وسلم.

وفي ولاته أخبر صلى الله عليه وسلم أنه عندما حملت فيه أمه: «رأت نورًا أضاء لها قصور بصرى من أرض الشام » [حلية الأولياء لأبي نعيم].

كما أخبر الصحابة رضوان الله عليهم عن أن سيدنا رسول الله ﷺ ينور المكان الذي يوجد فيه : «النبي صلى الله عليه وسلم عندما دخل المدينة أضاء منها كل شيء، وعندما انتقل إلى الرفيق الأعلى أظلم منها كل شيء» [سنن الترمذي].

وكتاب مبين التي وردت في الآية: أي القرآن الكريم: لأنه يبين ويوضح كل شيء إما بالنص عليه أو الإشارة إليه أو بقواعد عامة أو بالإحالة إلى السنة النبوية ومصير أهل الإيمان والطاعة، لهذه الأنوار جعل خيارنا من تعلم القرآن وعلمه.

والمتأمل يرى أن الجمع بين القرآن والرسول - صلى الله عليه وسلم - في آية واحدة أن ذلك جمع بين الأنوار والأسرار، فرسولنا - صلى الله عليه وسلم - نور، والقرآن المنزل عليه أيضا نور، فقد ذكر ربنا تبارك وتعالى نورانية القرآن في أكثر من آية، فقال تعالى{فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} [الأعراف :١٥٧، وقال تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِى أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [التغابن :٨]، وقال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا} [النساء :١٧٤]

ونورانية القرآن تزين القلوب، وتسري في المجتمع سريان الماء في الورود، فبنور القرآن تعدل الحياة، ويستقر الأمن، والجميع يسعى في نوره العمل والإنتاج فتأمل قوله سبحانه: {وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} [البقرة : ١٧٩] وما فيها منة زجر يقر الأمن ، وقوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ} [المائدة : ٩٥] وما فيها من دعوة للرحمة والتسامح حتى مع الجاني، وقوله سبحانه: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} [النجم : ٣٩] وما فيها للحث على العمل لجني ثمراته، وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج : ٧٨] وما فيها من بيان لسماحة الدين والأخذ برخصه.

وفي شهر القرآن الكريم عطاءات متنوعة؛ ومدد بالغ فاحرص على التعرض لنور الجناب المكرم - صلى الله عليه وسلم - بالتمسك بسنته وبهديه ﷺ ، والتمسك بنور القرآن الكريم من حيث تعلمه وتعليمه، مع التدبر في آياته ولو آية كل يوم في شهر رمضان المبارك.

الملتقى الفكري: أثر الصيام في تزكية النفس

العناصر

١- ثمرات العبادات في الإسلام .

٢- تقويم السلوك بالصيام.

٣- من أخلاق الصائمين.

• التقوى.

• الصبر.

• الحلم.

   الأدلة من القرآن:

١- قال تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} (العنكبوت: ٤٥).

٢- قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: ١٨٣)

٣- وقال تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} (البقرة: ٨٣).

٤- وقال تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} (البقرة: ١٩٧).

٥- وقال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر: ١٠).

الأدلة من السنة:

١- عن أبى هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) قال: قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (تَدْرُونَ مَا أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ النَّارَ؟) قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (الْأَجْوَفَانِ: الْفَرْجُ وَالْفَمُ، وَأَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ؟ قال: تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ). (الأدب المفرد للبخاري).

٢- وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ (رضى الله عنه) قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) (قَالَ اللَّهُ (عز وجل): كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِى بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّى امْرُؤٌ صَائِمٌ. وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا، إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِىَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ) (متفق عليه).

٣- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ) (سنن الترمذي).

٤- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم): (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) (صحيح البخاري).

الموضوع

إن الصوم يدعو إلى تقوى الله في السر والعلانية وفي الظاهر والباطن من السلوك والأعمال والاعتقاد، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: ١٨٣)، كما أنه يدرب المسلم على الصبر ومحاسن الأخلاق .

إن من حقيقة التقوى في الصيام في قول ربُّنا (جل وعلا): {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: ١٨٣]، هي: التمثُّل بالأخلاق الكريمة والصفات النبيلة فعلًا وقولًا وسُلوكًا ومنهَجًا، يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (اتَّقِ الله حيثُما كنت، وأتبِع السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حسن) (سنن الترمذي)، وعن أبى هُرَيْرَةَ (رضى الله عنه) قال: قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (تَدْرُونَ مَا أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ النَّارَ؟) قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (الْأَجْوَفَانِ: الْفَرْجُ وَالْفَمُ، وَأَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ؟ قال: تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ) (الأدب المفرد للبخاري)، ومعنى الأكثرية المذكورة في الحديث أي: أكثر أسباب السعادة الأبدية، وأكثر أسباب الشقاوة السرمدية، وقد جمع النبي (صلى الله عليه وسلم) بين تقوى الله وحسن الخلق ؛ لأن تقوى الله تصلح ما بين العبد وبين وربه، وحسن الخلق يصلح ما بين العبد وبين الخلق، كما أن تقوى الله توجب محبة الله، وحسن الخلق يوجب محبة الخلق، وهذا يشمل سائر أبواب الدين في الأموال والفروج ومعاملة الخلق والولايات وغير ذلك.

ولما كان الاسلام دينًا يعتني بالأخلاق اعتناءً بالغًا كما يتجلى ذلك في قوله (صلى الله عليه وسلم): (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ) (المستدرك للحاكم)، كان شهر رمضان وفريضة الصيام فرصة لتربية النفس على الأخلاق الفاضلة، وتجنيبها الأخلاق الفاسدة، ويتجلى ذلك في حقيقة الصوم نفسه، وهو أن يصوم المرء عن كل ما لا يليق، وأن تحكمه أخلاق التقوى، وهو ما بينه الرسول (صلى الله عليه وسلم) في قوله: (وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ) (متفق عليه) فالإسلام يُريد من المسلم أن يتحلَّى بالأخلاق الحسنة، وأن يتَّصِفَ بالمُعاملات الكريمة، قال (صلى الله عليه وسلم): (أَكْمَلُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا، وخيارُكم خيارُكم لنسائِهم) (سنن الترمذي)، ويقول (صلى الله عليه وسلم): (إِنَّ المؤمنَ ليُدرِك بحُسن خُلُقه درجةَ الصَّائم القائم) (سنن أبي داود).

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا، وَصِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: (هِيَ فِي النَّارِ)، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، وَصَلَاتِهَا، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ، وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: (هِيَ فِي الْجَنَّةِ) (مسند أحمد).

وقد حذَّر النبي (صلى الله عليه وسلم) الصائمين من العُدول عن هذه المقاصِد الكريمة للعبادات الجليلة، فقال: (إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُث وَلا يَصْخَب، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتلَهُ فَلْيَقُل: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ) (متفق عليه)، فالفُحش واللعان والسباب ليس من أخلاق أهل الفضل والعبادة والإحسان، وليس من سجِيَّة عباد الرحمن، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم): (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) (صحيح البخاري).

فالصائم حين يقضي نهار رمضان ممتنعًا عما أحله الله له من الطعام والشراب والجماع هان عليه وسهل أن يمتنع عما حرم الله تعالى، فهو يشعر دائمًا برقابة الله تعالى له، يحرص على أن يكون صومه كما أراده الله تعالى (إيمانا واحتسابًا)، فلا يريد أن ينقص إيمانه بمعصية، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ): قَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلم): (لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهْوَ مُؤْمِنٌ) (صحيح البخاري).

والصوم لا يؤتي ثماره إلا حين يكون جُنَّة لصاحبه – أي: وقاية ودرع- من الوقوع في المعاصي،كما جاء في الحديث القدسي عن رب العالمين: (وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ) (متفق عليه)، فإذا حقق الصائم هذه الحكمة، واستوفى هذه العلة، وتحلى بهذه الحلية (التقوى) استحق ما أعده الله تعالى لأهلها من الفرح في الدنيا والآخرة، فرح في الدنيا على تحقيقها، وفرح في الآخرة على ثوابها، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا، إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِىَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ) (متفق عليه)، وأما إذا لم يحقق الصائم هذه الحكمة فقد أتعب نفسه في الدنيا بالحرمان دون جزاء، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم): (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) (صحيح البخاري).

ومن هنا نهى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الصائم عن أخلاق مذمومة أثناء الصيام ؛ لأنها تتنافى مع حقيقة الصيام وهي: الرفث (أي: الكلام الفاحش) والجهل والصخب (أي: الصياح والشتم) بمعنى: أن الصائم يجب أن يكون ذا أخلاق عالية، وهي أخلاق التقوى من كظم الغيظ، وضبط اللسان، والعفو عن الناس والإحسان إليهم، كما ذكر سبحانه من صفات المتقين الذين أعد لهم الجنة: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران: ١٣٤)، فذكر من صفات المتقين صفات أخلاقية (كظم الغيظ، والعفو عن الناس والإحسان إليهم) .

كذلك من الأخلاق التي يكتسبها المسلم من الصيام خلق الصبر؛ لأن رمضان شهر الصبر ومدرسته، وتجتمع فيه أنواع الصبر الثلاثة: الصبر على أداء الطاعات من نوافل وقيام ليل وغيرها، والصبر عن المحرمات من كف للجوارح عن اقتراف الذنوب، والصبر على الحرمان من جوع وعطش وشهوة، فمن صبر شهرًا كاملًا على ما سبق فلا بد من أن يكون قد تدرب تدريبًا مكثفًا على هذا الخلق العظيم، ومن هنا وصف شهر رمضان بكونه شهر الصبر، كما في حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: (صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، صَوْمُ الدَّهْرِ) (مسند أحمد)، وقال الله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر: ١٠).

إن الصائم الحق يتأثر سلوكه بالصيام في تعامله مع من حوله، فالصيام يمَرِّن على ضبط النفس، والسيطرة عليها، يقول (صلى الله عليه وسلم): (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) (صحيح البخاري)، فالمسلم ليس بالسّبّاب، ولا بالطعان، ولا باللّعّان، ولا بالفاحِشِ البذيء كما في الحديث، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (إِنَّ المُؤْمِنَ لَيْسَ بِاللَّعَّانِ وَلَا الطَّعَّانِ وَلَا الفَاحِشِ وَلَا البَذِيءِ) (مسند أحمد)، فإن بدأه أحدهم بسباب أو شتم لم يكن رده إلا بالحلم والصفح (إنِّي امرؤ صائم) يدفع دائمًا بالتي هي أحسن، قال تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } (فصلت: ٣٤)، يتحلى بأخلاق عباد الرحمن {الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} (الفرقان: ٦٣).

إثراء دعوي ومعرفي

من مشكاة الحكم العطائية.

ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه

إن أعظم ما يُمتحن به إخلاص السالك في سيره إلى الله هو أدب الخفاء، والزهد في التطلع لثمرات الظهور؛ فليس الشأن في أن تتصدر المجالس بذكرك، بل الشأن في أن يكون ذكرك عند الله مستوراً عن أعين الخلق ،  ولذا يضع سيدي ابن عطاء الله السكندري يده على مكمن الداء النفسي الذي يفتك بالعباد وهو شهوة الظهور، محذراً بقاعدته الذهبية ( ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه ).

 فالحقيقة التي يغيب عنها الكثيرون هي أن العمل الذي يولد في ضجيج الأضواء غالباً ما يفتقر إلى مدد الإخلاص الذي يضمن له البقاء، فالبذرة التي تأبى الدفن وتستعجل العلو فوق سطح الأرض قبل أوانها، تذروها الرياح ولا يشتد لها ساق، ومن كمال العبودية أن يغيب العبد في مراد سيده، مدركاً أن الخمول في نظر الخلق هو عين الرفعة في موازين الحق.

وفي رحاب شهر رمضان المبارك، تتجلى هذه الحكمة في أسمى معانيها؛ إذ يمثل الصيام في جوهره عبادة الخفاء ومدرسة الإلحاح في الإخلاص ،  فالمؤمن في رمضان يتدرب عملياً على أن يكون عمله مدفوناً عن الرياء؛ إذ لا يعلم حقيقة صومه وفطره إلا الله، فهو السر الذي بين العبد وربه الذي لا يطلع عليه مَلَك فيكتبه ولا شيطان فيفسده.

وهنا تتربى في الصائم الهمة العلية التي تكتفي بعلم الله بها عن مدح المادحين، فكما يصبر الصائم على الجوع والعطش، يصبر كذلك على خمول الذكر وعدم الشهرة، يقيناً منه أن الله الذي أمره بالعمل هو نفسه الذي ضمن له الأجر بغير حساب في قوله: {إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ} [متفق عليه].

إن العارف في رمضان هو الذي يرى في الخمول كمال التمكين لروحه؛ فإذا لم يجد العبد ثناءً من الناس على ورعه، فإنه لا يسيء الظن بجهده، بل يرى في سكونه وانقطاعه عن الأغيار عطاءً أعظم من الوجاهة؛ لأن مراد الله من العبد هو تجريده من حظوظ نفسه، لا مجرد تكثير سواد الطائعين ،  وبذلك يخرج الصائم من رمضان وقد تحرر من أنانيته في الظهور ليدخل في رحابة الإخلاص المحض، موقناً أن تدبير الله لقلبه في الخفاء خير من تصدره في العلن، وأن وجوده الذي دفنه في أرض التواضع سينبت غداً ثماراً لا تنقطع في جنات النعيم، متمثلاً قول الحق سبحانه: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا} [سورة القصص، الآية ٨٣]، لذا لابد لكل من يعيش نفحات هذا الشهر أن يدفن نفسه في أرض الخمول.

المعجم المستلهم من الألفاظ المتداولة في شهر رمضان.

الفرق بين الفدية والكفارة

قال تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) [البقرة: ١٨٣]

 الفدية :

الفدية (مصدر) مشتق من الجذر (ف د ي)، ويدل لغويًا على ما يُدفع لتخليص النفس أو الأسير، وجمعها فِدًى وفِدْيات، والفعل الثلاثي هو "فَدَى، يَفْدِي، افْدِ)، والمصدر هو الفِداء أو الفِدية، وتُستخدم أيضاً بمعنى الكفارة. 

أنواع الفدية:

فدية الأسير: ما يدفع لاستنقاذه من الأسر، ومنه قوله تعالى: "وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ"، الفداء هنا بمعنى الإنقاذ.

فدية الصيام: إطعام مسكين عن كل يوم لمن أفطر لعذر مزمن، ومنه قوله تعالى: " (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) المعنى المقصود بها هنا كفارة التقصير في العبادة.

فدية الأذى: (الحج): ذبح شاة أو صيام أو صدقة لمن ارتكب محظوراً كحلق رأسه.

الفدية: تكون لعذر يجيز الفطر أو يمنع من الصيام.

كفـارة:

"كَفَّارَة" صيغة مبالغة على وزن (فَعَّالَة) مشتقة من الفعل كَفَّرَ    . 

والمادة الأصلية هي الكاف والفاء والراء وهو أصل صحيح ، يدل على معنى واحد ، وهو الستر والتغطية،

هذه المادة من المواد التي نالت الكثير من شرح اللغويين والمفسرين الذين وقفوا على معانيها، ويكاد يجمع هؤلاء وغيرهم على أن دلالتها الأصلية هي (التغطية والستر).

والكفارة: وهي ما يغرمه المسلم من صدقات أو غيره، لاقترافه إحدى المعاصي، وذلك لأنها تكفر الذنوب، أي: تسترها، مثل: كفارة الأيمان، وكفارة الظهار  .

قال ابن قتيبة: وكفَّارة الظِّهار، مأخوذة من كَفَرْتَ الشيء إذا غطَّيْته وسَتَرْتَه، كأنَّها تكفِرُ الذنوب، أي: تسترها، وكذلك الغُفْران والمغفرة: الستر، تقول: غفرت كذا؛ إذا سترته . 

يقول النووي: الكفارة أصلها من الكفر، وهو الستر؛ لأنها تستر الذنب، وتذهبه، هذا أصلها، ثم استعملت فيما وجد فيه صورة مخالفة أو انتهاك، وإن لم يكن فيه إثم، كالقاتل خطأ وغيره وقيل: أنها قربة شرعها الله لستر الخطايا ومغفرتها.

الخلاصة :

الفدية: تكون لعذر يجيز الفطر أو يمنع من الصيام.

الكفارة: تكون لمن ارتكب محظورًا من محظورات الصيام أو لاقترافه إحدى المعاصي.

رمضان سؤال وجواب

السؤال: ما حكم فطر صاحب المهنة الشاقة إذا ظن أو واجه مشقة في صومه بسبب عمله؟ وماذا يجب عليه؟

الجواب: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.. أما بعد:

 فإن الشريعة الإسلامية جاءت بالتيسير ورفع الحرج عن المكلفين، ومن القواعد المقررة شرعاً  أن "المشقة تجلب التيسير"، وأن "الضرورات تبيح المحظورات"، وبناءً عليه، فلا مانع شرعاً من ترخص أصحاب المهن الشاقة بالفطر في رمضان إذا أوقعتهم مزاولة مهنتهم في مشقةٍ غيرِ محتملةٍ، بحيث يَشُقُّ عليهم الصوم ويؤثر فيهم تأثيراً شديداً يضر بأجسادهم، أو كان الصوم سبباً في حصول مرضٍ لهم، فحينئذٍ يكون الفطر رخصة في حقهم، والتكليف منوط بالوسع والاستطاعة، ويعد هذا الفطر إفطاراً لعذرٍ شرعي، وعليهم قضاء الأيام التي أفطروها فقط حال قدرتهم على ذلك، وإليك نصوص الفقهاء في ذلك:

أولاً: مذهب السادة الحنفية:

قال العلامة ابن عابدين في "رد المحتار" (٢/ ٤٢٠، ط. دار الفكر): [وَاَلَّذِي يَنْبَغِي فِي مَسْأَلَةِ الْمُحْتَرِفِ حَيْثُ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّ مَا مَرَّ مِنْ تَفَقُّهَاتِ الْمَشَايِخِ لَا مِنْ مَنْقُولِ الْمَذْهَبِ أَنْ يُقَالَ إذَا كَانَ عِنْدَهُ مَا يَكْفِيه وَعِيَالَهُ لَا يَحِلُّ لَهُ الْفِطْرُ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ السُّؤَالُ مِنْ النَّاسِ فَالْفِطْرُ أَوْلَى وَإِلَّا فَلَهُ الْعَمَلُ بِقَدْرِ مَا يَكْفِيه، وَلَوْ أَدَّاهُ إلَى الْفِطْرِ يَحِلُّ لَهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْعَمَلُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ] انتهى.

ثانياً: مذهب السادة المالكية:

- قال الإمام شمس الدِّين الحَطَّاب المالكي في "مواهب الجليل" (٢/ ٤٤١، دار الفكر)، قال: [وعلى هذا يقع السؤال في زماننا إذا وقع الصيام في زمان الصيف هل يجوز للأَجِيرِ الخروج للحصادِ مع الضرورةِ للفطرِ أَم لا؟ كانت الفُتْيَا عندنا: إِن كان مُحتَاجًا لِصَنعَتِهِ لِمعَاشِهِ ما له منها بُد فله ذلك وإِلَّا كُرِه] انتهى.

 ثالثاً: مذهب السادة الشافعية:

- قال العلامة شمس الدين الرملي في "نهاية المحتاج" ( ٥/ ٣٩، ط. دار الفكر): [ويُباح تَركُهُ أَي: رمضان ومِثلُهُ بالأَولى كل صومٍ واجبٍ... (و) يُباح تَركُهُ لنحو حصادٍ أَو بناءٍ لنفسهِ أَو لغيرهِ تبرعًا أَو بأُجرة وإِن لم ينحصر الأَمر فيه أَخذًا مما يأتي في المُرضِعَة، خاف على المال إِن صام وتعذَّرَ العملُ ليلًا أَو لم يُغنِهِ فيؤَدِّي لتلَفِهِ أَو نَقصِهِ نقصًا لا يُتَغَابَنُ به، هذا هو الظاهر من كلامهم] انتهى.

رابعاً: مذهب السادة الحنابلة:

قال العَلَّامة ابن مُفْلِح الحنبلي في "الفروع وتصحيح الفروع " (٤/ ٤٣٧، ط. مؤسسة الرسالة)، [قَالَ الْآجُرِّيُّ: مَنْ صَنْعَتُهُ شَاقَّةٌ فَإِنْ خَافَ تَلَفًا أَفْطَرَ وَقَضَى، وَإِنْ لَمْ يَضُرَّهُ تَرْكُهَا أَثِمَ، وَإِلَّا فَلَا، قَالَ: هَذَا قَوْلُ الْفُقَهَاءِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى] انتهى.

 

هداية وإرشاد:

أيها العامل الكادح: إن سعيك على رزق عيالك وطلب الحلال هو في ذاته عبادة وقربة تتقرب بها إلى الله، فلا تظن أن فِطرك عند الضرورة والمشقة البالغة هو خروج عن الطاعة، بل هو امتثال لرخصة الله التي يحب أن تُؤتى كما يحب أن تُؤتى عزائمه.

واعلم أن صيامك الحقيقي هو تعظيم شعائر الله؛ فإذا بدأت يومك بنية الصوم وصبرت ما استطعت، ثم ألجأتك الضرورة للفطر، فلك أجر النية الصادقة وأجر العمل الصالح ، واحرص دائماً على أن تبدأ يومك صائماً تبيت النية، فإن وجدت من نفسك قوة فأتم صومك، وإن غلبتك المشقة فترخص برخصة الله، واقضِ ما فاتك في الأيام القصيرة أو الباردة التي يمنُّ الله بها عليك في سعة من الوقت.

والله تعالى أعلم

ختام ودعاء

اللّهم رب شهر رمضان الذي أنزلت فيه القرآن وجعلته بينات من الهدى والفرقان، أعنا على صيامه وقيامه وتقلبه منا.

اللهم اجعلنا ممن يقوم رمضان ويصومه إيمانًا واحتسابًا.

اللهم اجعل صيامي في رمضان صيام الصائمين وقيامي قيام القائمين، اللهم نبهني فيه عن نومة الغافلين، واعف عني وارحمني برحمتك يا أكرم المكرمين.

اللهم اجعلني في رمضان من المستغفرين التائبين.

اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

اللهم اجعل لي نصيب من رحمتك وعفوك.

موضوعات ذات صلة

الصيام في الإسلام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو عبادة تربوية عميقة تهدف إلى تهذيب النفس.

رمضان هو أعظم أبواب الرحمة الإلهية، فلو تُصورنا أننا خُلقنا دون أن يكون باب التوبة مفتوح دائمًا لهلكنا جميعًا إلا من عصم الله

إن بلوغ شهر رمضان هو اصطفاء رباني ومنحة إلهية تمنح العبد فرصة "الاستدراك" لما فاته من تقصير.

موضوعات مختارة