بعد
أن مَنّ الله عليك بالبقاء، أصبحت المسؤولية بين يديك، يقول النبي ﷺ: «رَغِمَ أَنْفُ
رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ» [ابن الاثير، جامع الأصول (٩٣٥٥)، فالحرمان الحقيقي ليس
جوع البطن، بل هو الإعراض عن نفحات الله، يقول الحسن البصري:" إن الله عز وجل جعل شهر رمضان مضمارًا لخلقه يستبقون فيه لطاعته
فسبق قوم ففازوا وتخلف أقوام فخابوا، فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي
فاز فيه السابقون وخاب فيه المبطلون، أما والله لو كشف الغطاء لاشتغل المحسن
بإحسانه والمسيء بإساءته". [حجة الإسلام الغزالي، إحياء علوم الدين، ١/٢٣٦].
فإذا
كان الموتى يتمنون "تسبيحة" تزيد في صحائفهم، فكيف بك وأنت تمتلك شهرًا
كاملًا؟ إنها فرصة العمر التي قد لا تتكرر، فاجعل شعارك: "وعجلتُ إليك ربي
لترضى".
فيا
من أطال الله عمرك وأمد بقاءك فجاوزت الشهور والسنين ولا تدري متى الرحيل: إن كنت
ممن وفقت للخيرات فاشكر الله على الفضل الكبير، واحمده على الخير الكثير، واسأله
سبحانه الإخلاص والثبات حتى الممات، وإن كنت من أهل التقصير والتفريط، فبادر
بالتوبة قبل فوات الأوان، فأبوابها -ولله الحمد- مفتوحة للتائبين، واغتنم هذا
الشهر الكريم، اغتنم كل وقته بما يقربك إلى الله -جل وعلا-، فَقَدْ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: «ارْتَقَى
النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى الْمِنْبَرِ دَرَجَةً فَقَالَ: «آمِينَ»،
ثُمَّ ارْتَقَى الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: «آمِينَ»،
ثُمَّ ارْتَقَى الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: «آمِينَ»،
ثُمَّ اسْتَوَى فَجَلَسَ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: عَلَامَ أَمَّنْتَ؟ قَالَ"
: «أَتَانِي جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلامُ-، فَقَالَ: رَغِمَ أَنْفُ مَنْ ذُكِرْتَ
عِنْدَهُ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، ثُمَّ قَالَ: رَغِمَ أَنْفُ
امْرِئٍ أَدْرَكَ أَحَدَ أَبَوَيْهِ أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ،
فَقُلْتُ: آمِينَ، ثُمَّ قَالَ: رَغِمَ أَنْفُ مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ
يُغْفَرْ لَهُ، فَقُلْتُ: آمِينَ». [القاضي إسماعيل المالكي، فضل الصلاة على النبي (١٥)].
قال
الحافظ ابن رجب رحمه الله: وروي عن علي رضي الله عنه أنه كان يُنادي في آخر ليلة
من شهر رمضان: يا ليت شعري! من هذا المقبول فنُهنِّئَه؟ ومن هذا المحروم فنُعزِّيَه؟
وعن ابن مسعود أنه كان يقول: من هذا المقبول مِنَّا
فنُهنِّئَه؟ ومن هذا المحروم فنُعزِّيَه؟ أيها المقبول هنيئًا لك، أيها المردود
جبر الله مصيبتك. [لطائف المعارف، ص٣٦٩].
عن معلى بن الفضل -رحمه الله- قال: كانوا يدعون الله
ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبَّله منهم. [الأصفهاني، الترغيب والترهيب، ٢/٣٥٤].
ويقول
الإمام ابن الجوزي رحمه الله: اغتنم شهر رَمَضَان المتضمن بِالرَّحْمَةِ والغفران
وَانْظُر لنَفسك يَا مِسْكين قبل أَن تصل إِلَى حلقك السكين وانتبه من نومك يَا
مغرور فَإِن رَبك كريم غَفُور، إِلَى أَي وَقت تعانق حوبتك؟ ولأي يَوْم تُؤخر
توبتك؟ إِلَى حول حَائِل، أَو إِلَى عَام قَابل، كلا وَالله مَا إِلَيْك الأقدار،
وَلَا بِيَدِك الْمِقْدَار، لَعَلَّك إِذا انْقَضى عَنْك شهر الصَّوْم لم يبْق من
عمرك إِلَّا يَوْم. يَا هَذَا إِذا أَنْت صمت فلتصم جوارحك كلهَا بَطْنك من
الْحَرَام، وَلِسَانك من قبح الْكَلَام، وبصرك ويدك وسمعك من الإجرام واكتساب
الآثام. [ابن الجوزي، بستان الواعظين، ص٢٢٦].