من مشكاة
الحكم العطائية في رمضان.
"مَا
اسْتُودِعَ فِي غَيْبِ السَّرَائِرِ، ظَهَرَ فِي شَهَادَةِ الظَّوَاهِرِ "
يضع سيدي
ابن عطاء الله في هذه الحكمة يده على آفة خفية من آفات القلوب، وهي الانشغال
بتزيين المظاهر مع غفلة عن تطهير المخابر، فالسائر إلى الله قد يظن أن صلاحه في
تحسين صورته أمام الخلق، أو أن عبادته في حركات بدنه وجوارحه، فينشغل بطلب القبول
من الناس عن إصلاح ما بينه وبين رب الناس، والحقيقة أن باطنك أيها السالك هو مرآة
ظاهرك، والقدرة الإلهية جعلت القلوب كالأواني تنضح بما فيها، فلو امتلأ قلبك بنور الإخلاص
والصدق، لفاض أثره على وجهك وكلامك وحركاتك دون تكلف.
فالأدب مع
الله يقتضـي رعاية خبايا النفس، فمن عمَّر قلبَه بالخوف والرجاء والمحبة، فعبادته
في سمت الوقار ونور الطاعة، ومن ترك قلبه لظلمات الرياء والعجب، فعبادته في كدر
الرياء وثقل التكليف، وطلب الصلاح من الخارج مع خراب الداخل هو نوع من الخداع
للنفس ومنازعة لسنن الله في خلقه، مصداقاً لقوله تعالى: {يَوْمَ تُبْلَى
السَّرَائِرُ} [سورة الطارق: الآية ٩].
وفي ظلال
شهر رمضان المبارك، تتجلى هذه الحكمة بوضوح؛ فالبعض قد يحرص على إظهار التعب من
الصيام أو طول القيام ليعلم الناس حاله، ظنًا منه أن هذا هو عنوان التقوى، فيطلب
الثناء من الخلق بصورة العمل، وهنا يذكره ابن عطاء الله: "أصلح ما استودعت في
سرك"، إن خشوعك في صلاتك المنفردة، ودمعتك في خلوتك، وسلامة صدرك تجاه
المسلمين، هي الكنوز التي تخرج نضرتها على محياك في نهار رمضان، ولو أخلصت لله في
سرك لألبسك رداء القبول في علانيتك، ولكن قد يكون سبب حرمان التأثير في الآخرين هو
خلل في طوية النفس،
فالصائم
الحق هو الذي يراقب ربه في خلواته، ولا يرهن روحانيته بمحافل الناس، فعن أبي هريرة
رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: {إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ
وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ}، وهذا أصل
في أن القبول يبدأ من الأعماق ليشرق على الجوارح.{
إن رمضان
يربينا على أن التقوى في القلوب في السرائر، فإذا استودعت في سرك تعظيم شعائر الله
فأنت في نور، وإذا استودعت في سرك الصبر والاحتساب فأنت في رفعة، وإذا استودعت في
سرك التواضع لله فأنت في عز، فقلب المؤمن يزرع في الغيب ليحصد في الشهادة، ولا
ينتظر ثناءً من عبد ليوثق صلة بالرب، ممتثلًا قول الحق سبحانه {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورً}
[الإنسان، الآية ٩]، فليكن رمضانك هو العناية بكنوز قلبك، لتشرق على ظاهرك.
ب- المعجم
المستلهم من الألفاظ المتداولة في شهر رمضان.
الإجابة
والاستجابة
{وَإِذَا
سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ
فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة:
١٨٦].
(أُجِيبُ)،
(فَلْيَسْتَجِيبُوا)
جاء الفعلان
(أجاب واستجاب)، بعد آيات الصيام ليتحقق قول سيدنا رسول الله (ﷺ) في الحديث النبوي
الشريف: «ثلاثةٌ لا تُردُّ دعوتُهم الصَّائمُ حتَّى يُفطرَ والإمامُ العادلُ
ودعوةُ المظلومِ يرفعُها اللهُ فوق الغمامِ وتُفتَّحُ لها أبوابُ السَّماءِ ويقولُ
الرَّبُّ وعزَّتي لأنصُرنَّك ولو بعد حينٍ» [رواه الترمذي].
والشاهد معنا في دعوة الصائم؛ فليجتهد الصائم في
الدعاء بما شاء من خيري الدنيا والآخرة.
(أجاب)
فعل ماض رباعي ومصدره إجابة، {واستجاب} فعل ماض خماسي ومصدره استجابة)، وكلا
الفعلين يُشيران إلى رد الفعل تجاه طلب أو دعوة، إلا أن هناك فرقًا دقيقًا يؤكد
جمال العربية وأسرارها المكنونة في علم الله جل جلاله.
ويكمن
الفرق الدقيق في أن "أجاب" تعني مجرد الرد أو التلبية (قد تكون إيجابية
أو سلبية)، الإجابة قد لا تكون وفق ما طلبت أي أن المولى جل جلاله يحقق لك الخير
وفق ما يعلمه سبحانه بأن يمنع عنك ضر كان سيصيبك وغير ذلك.
أجاب في
اللغة: أطاع، وأعطى ما سئل، يقال: أجاب النبات السماء بالمطر، وأجابت الأرض
بالنبات، كأن الأرض سألت السماء المطرَ، فأعطت، وسألت السماء الأرض فأعطت، وإذا
أجاب الرب أعطى، وإذا أجاب العبد أطاع.
والإجابة
تعني الردّ على السائل أو المنادي، تقول: ناداني فلان فأجبته، والله عز وجل من
شأنه أن يتفضل على عباده الصالحين، بإجابتهم في مناجاتهم وندائهم له.
{أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَان}، ذلك
لأن الله جل جلاله بكرمه، وحكمته، وعلمه قد يعدل دعوتك، وقد تكون الدعوة التي
دعوتها ضارة لك فيعدلها الخالق جل جلاله بما هو في صالحك لأنه ما من مؤمن يدعو
بدعوة إلا كان له بها إحدى ثلاثة: إما أن يعجل الله له دعوته في الدنيا، وإما أن
يصرف عنه من السوء بمثلها، وإما أن يدخر له دعوته إلى يوم القيامة.
أما
استجاب، فأن يحقق الله لك عين ما طلبت بأن تطلب مالًا فيعطيك مالًا، أو تطلب وظيفة
فيعطيك الله وظيفة، أو تطلب صحة فيحفظ عليك صحتك، ويبعد عنك الأمراض، والله عز وجل
يتكرم على عباده الذين يدعونه باستجابتهم في تحقيق ما يطلبون.
ومما ورد
في القرآن مبينًا معنى الاستجابة في قصة سيدنا يونس عليه السلام قوله تعالى: ﴿فَٱسۡتَجَبۡنَا
لَهُۥ وَنَجَّیۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡغَمِّۚ وَكَذَٰلِكَ نُۨجِی ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ [الأنبياء:
٨٨] وهذا الأمر لكل مؤمن صادق يقع في الكرب لقول الحق تبارك وتعالى “وكذلك ننجي
المؤمنين” أي بمثل هذا نكتب للمؤمنين من بعده ومن سار على نهج الأنبياء من التسبيح
واللجوء إلى الله جل جلاله.