Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الزاد الرمضاني للأئمة والواعظات (١٢)

الكاتب

الإدارة العامة للفتوى وبحوث الدعوة

الزاد الرمضاني للأئمة والواعظات (12)

رمضانُ مِضمارٌ لاغتنامِ الأنفاسِ المَعدودة، تترقَّى فيه الأرواحُ بصِدقِ السَّريرة وصبرِ اليقين، لتفيضَ برحماتِها على الأكوان، مُستمسِكةً بحبلِ القرآن، ومُستنيرةً بأنوارِ الهَدْيِ المحمديِّ الذي يَجبرُ القلوبَ ويُتمِّمُ الفضائل.

درس العصر: قيمة الفطانة في استثمار فرص الأوقات

بسم الله الرحمن الرحيم 

اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، الذي جعله الله ميزانًا للزمان، ونورًا يُضيء دروب الأوقات، القائل: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ». وعلى آله وصحبه أهل الانتباه واليقظة.

يقول الله جلَّ وعلا في كتابه العزيز، مخاطبًا عباده المؤمنين بصيام شهر رمضان: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. 

وفي هذه الآية الكريمة، يلفت الباري سبحانه الأنظار إلى حقيقةٍ عظيمةٍ لا ينتبه لها إلا أولو الفطانة والبصيرة: أن الأيام التي رخَّص لنا أن نقضيها بدلًا من أيام رمضان هي: "أيامٌ معدودات"، قليلةٌ عددًا، عظيمةٌ وزنًا، غاليةٌ ثمنًا.

فما أعظم هذا التعبير! "أيامًا معدودات"، كأنها تنطق قائلةً: لا تغفل، فإن العدَّ قليل، والفرصة عابرة، والزمن لا يعود. فليس كل يومٍ كغيره، بل هناك أيامٌ اختصَّها الله بالفضل، وجعلها مواسمَ للقرب، ومنازلَ للارتقاء. فمن فطِنَ إليها، اغتنمها؛ ومن غفل عنها، خسرها. 

والفطانة في أصلها ليست ذكاءً عقليًّا فحسب، بل هي نورٌ يقذفه الله في قلب العبد يُبصر به مواطن الخير، ويستشعر به لحظات الفضل. والفطن هو من إذا رأى بابًا مفتوحًا للطاعة، دخله قبل أن يُغلق. وهو من إذا سمع: "أيامًا معدودات"، لم يرَ مجرد أيامٍ تُقضى، بل رأى فرصًا ذهبيةً تُستثمر، وكنوزًا إيمانيةً تُجنى، وأوقاتًا مباركةً تُرفع بها الدرجات. 

ولقد كان السلف - رضوان الله عليهم - أشدَّ الناس فطانةً في استثمار الوقت. 

فهل بعد هذا فطانة؟! إنهم لم ينظروا إلى القضاء على أنه عبءٌ، بل نظروا إليه على أنه نعمةٌ من الله أن أبقاهم ليقضوا ما فاتهم. فاستثمروا "الأيام المعدودات" كما يستثمر التاجر الفرص النادرة، بل بما هو أكثر حرصًا، لأن تجارتهم مع الله، وربحهم الجنة. 

واليوم، في زمنٍ كثرت فيه الانشغالات، وتشتَّتت فيه الهمم، صار كثيرٌ من الناس يُؤخِّر القضاء إلى أن يضيق الوقت، أو ينسى العدد، أو يُفاجأ بالأجل. فكم من نفسٍ ماتت وعليها صيامٌ لم تقضِه! وكم من فرصةٍ ضاعت لأن صاحبها ظن أن العمر طويل! 

لكن الفطن الحقيقي لا يغترُّ بالعمر، ولا يأمنُ المنية. فهو يعلم أن "الأيام المعدودات" قد تكون آخر فرصةٍ له في الدنيا ليرفع بها عمله، ويُكمل بها عدَّته، ويُحقِّق بها شكره لربه. 

فليُعلم أن الزمان نعمةٌ لا تُقدَّر بمالٍ، وأن الأيام المعدودات من أنفس أجزائه. ومن أدرك ذلك، لم يُضيِّع منها لحظةً في غير طاعة. قال الحسن البصري رحمه الله: "إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما". 

وختامًا، فإن قول الله تعالى: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: ١٨٥] ليس مجرد تحديدٍ عددي، بل هو نداءٌ إلهي للفُطَنَاء: يا من تبحث عن القرب، ها هي الفرصة! يا من تطلب الدرجة العُليا، ها هو الباب مفتوح! فلا تغفل، ولا تُسوِّف، ولا تُضيِّع، فإن الأيام تمرُّ مرَّ السحاب، والفرص لا تعود. 

وصلى الله على سيدنا محمد، الذي علَّمنا أن نغتنم اللحظات، ونُحسن استثمار الأوقات، "ليس يَتَحَسَّرُ أهلُ الجنةِ إلا على ساعةٍ مَرَّتْ بهم لم يذكروا اللهَ فيها" .  وعلى آله وصحبه أهل اليقظة والورع، وسلم تسليمًا كثيرًا.

درس الليلة: ترويحة إيمانية، أحسن القصص وعاقبة الصبر

نحيا ونعيش في هذه الليلة المباركة مع أنوار وأسرار آية كريمة من الجزء الثاني عشر وهي قول الله تعالى: {قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: ٩٠]

في هذه الآية الكريمة توجيهات وإرشادات "عاقبة التقوى، والصبر، وجزاء الإحسان"

عاقبة التقوى والصبر: إننا نحيا في مدرسة الصيام نأخذ من أحسن القصص تربية النفس لذا فمن عفَّ نفسه عن المحرمات، كان عاقبته الضياء والسـرور، وقد بين الجناب النبوي المعظم أن الصبر ضياء؛ فعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ» [رواه مسلم].

قال ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم ٢/ ٦٤٩ "وأمَّا الصبرُ، فإنَّه ضياء، والضياءُ: هو النُّورُ الذي يحصلُ فيه نوعُ حرارةٍ وإحراقٍ كضياء الشمس بخلاف القمر، فإنَّه نورٌ محضٌ، فيه إشراقٌ بغير إحراقٍ، قال الله - عز وجل {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا} [يونس: ٥] ، ووصف شريعةَ سيدنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم بأنَّها نورٌ لما فيها من الحَنيفيَّةِ السمحة، قال تعالى: {قَدْ جَاءكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} [المائدة: ١٥]، وقال: {... فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: ١٥٧]"

وقال: {إنه} لتعم كل متق وصابر، وجاء بصيغة المضارع في قوله: "يتق"؛ لتفيد الحاضر والاستمرار، فقد يتوقف المرء عن التقوى والصبر وتتقلب حاله ويختم له بسوء الخاتمة

وقدم التقوى في الآية للأهمية: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ}؛ فهي الأصل والأساس الذي يبنى عليه الصبر، فصبر دون تقوى دنيا بلا آخرة، والتقوى والصبر سلاح المؤمن وعدته في كل أحواله وتقلباته وخاصة في أوقات المصائب والمحن، وقد جاء ذكر الصفتين لمناسبتهما في المعنى، فقد اتقى وصبر سيدنا يوسف عليه السلام على كيد إخوته، وعلى مراودة امرأة العزيز، وعلى مراودة نسوة المدينة.

جزاء الإحسان: {فَإِنَّ} الفاء للتعقيب القريب أو للسببية، أي بسبب التقوى والصبر لله لا يضيع أجر المحسنين، و{إن} للتأكيد {اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [التوبة:١٢٠]، وقدم الأجر للأهمية ليدل في هذه المناسبة على ما صار إليه سيدنا يوسف من أجر كريم وإحسان في الدنيا والآخرة.

وقد قرر سيدنا يوسف الحقيقة الإيمانية بتعليله لإخوته المدهوشين السبب من إنعام الله عليه، وفي إيصاله إلى كونه عزيز مصر، فيقول: {إنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:٩٠] ففي كل مراحله تقيًا صابرًا محسنًا.

وقول سيدنا يوسف عليه السلام هذا يدل على سمو أخلاقه حتى لكأنه يلتمس لهم العذر، لأن ما فعلوه معه ومع أخيه بنيامين كان في وقت جهلهم وقصور عقولهم، وعدم علمهم بقبح ما أقدموا عليه، ثم علل ذلك بما حكاه القرآن عنه في قوله {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:٩٠] [الوسيط للإمام محمد سيد طنطاوي].

وهذا الموقف أحرجهم وأخجلهم، حيث تذكروا ما فعلوا به وهو صغير، فشعروا بالندم، ثم ها هم يقابلون سيدنا يوسف عزيز مصر ثلاث مرات، وهو يعلم أنهم إخوته وأنهم فعلوا به ما فعلوا، وقد رآهم في المرة الأخيرة من اللقاء بعد مرتين أخريين من اللقيا؛ حريصين على رغبات أبيهم في الطلب، قال سيدنا يوسف عليه السلام لهم: هل علمتم ما فعلتموه بيوسف وأخيه من أذى وعدوان عليهما؟!، ومع ذلك كان يكرمهم ويحسن إليهم في كل مرة، ولم يعاقبهم أو يحاسبهم أو يعاتبهم، لقد قابل إساءتهم بالإحسان وجهلهم بالعلم.

إن الإنسان قد يبتلى بحُساد يحسدونه على ما آتاه الله من فضله، وقد يجد من آثار هذا الحسد ألوانًا من الأذى القولي والفعلي، لكن عند تقواه وافتقاره إلى العزيز الغفار وصبره على الأذى يمنحه الله تعالى عطاءات من عنده تجعله في ضمان وأمان وإحسان، والإحسان كما قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «أَنْ تَعْبُدَ الِلَّه كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [رواه مسلم]، ويُقصد به استحضار عظمة الله ومراقبته في العبادة بقلب حاضر ومشاهدة قلبية، كأنك ترى الله أمامك، مما يورث الخشوع، والإخلاص، وترك الرياء.

قال ابن عجيبة: "في إشارات الآية التي معنا، من رام الدخول إلى حضرة الكريم الغفار، فليدخل من باب الذل والانكسار [البحر المديد ٢/٦٢٤].

وفي الحكم: "ما طلب لك شيء مثل الاضطرار، ولا أسرع بالمواهب مثل الذلة والافتقار".                                  

درس الملتقى: رمضان شهر القرآن.

الرحمة بالمخلوقات وأثرها الإيماني

العناصر:

١-       الرحمة ومشتقاتها في القرآن الكريم.

٢-       الرحمة والتراحم بين الخلق.

٣-       كيف ننال رحمة الله تعالى.

المحتوى: الرحمة ومشتقاتها في القرآن الكريم

ورد وردت كلمة "رحمة" في القرآن الكريم فيما يقرب من ١١٤ مرة، وهذا يدلنا على سعة رحمة الله بعباده: يقول الحق سبحانه: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف:١٥٦]

والرحمة هي إفاضة الخير على المحتاجين وإرادته لهم عناية بهم، يتضمنها اسمه سبحانه: الرحمان، واسمه: الرحيم، فهو رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، فهو ذو الرحمة الواسعة الشاملة لجميع خلقه، يقول سبحانه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣]

الرحمة والتراحم بين الخلق:

من رحم الناس رحمه الله جل جلاله، فإن الرحمة بمخلوقات الله تعالى من لطف القلوب والنفوس قال ﷺ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» [سنن أبي داود]

 إن الله ســبحانه أثنى في كتابه الكريم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ومن معه من الصحابة الكرام يقول سبحانه وتعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح:٢٩]

كيف ننال رحمة الله تعالى؟

المسلم العظيم يمكنه أن يحصل على رحمة الله تعالى بإحسانه إلى عباد الله، فالإحسان أصل المعاملات والأخلاق قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِیبࣱ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِینَ﴾ [الأعراف: ٥٦]، فرحمة الله قريب من المحسنين الذين يراقبونه في كل صغيرة وكبيرة، ويحسنون في عباداتهم لله تعالى ويؤدونها دون خلل أو تقصير أو تفريط، ويحسنون إلى خلق الله بالمعاملة الحسنة.

وننال رحمة الله جل جلاله بالتقوى والإتيان بالطاعات، فمن اتقى الله تعالى فقد نال رحمة الله تعالى يقول الحق سبحانه ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ (الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧).

وننال رحمة ربنا جل جلاله بالاستغفار والتوبة قال العزيز الغفار: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النمل:٤٦]                                      

إثراء دعوي ومعرفي.

من مشكاة الحكم العطائية في رمضان.

"مَا اسْتُودِعَ فِي غَيْبِ السَّرَائِرِ، ظَهَرَ فِي شَهَادَةِ الظَّوَاهِرِ "

يضع سيدي ابن عطاء الله في هذه الحكمة يده على آفة خفية من آفات القلوب، وهي الانشغال بتزيين المظاهر مع غفلة عن تطهير المخابر، فالسائر إلى الله قد يظن أن صلاحه في تحسين صورته أمام الخلق، أو أن عبادته في حركات بدنه وجوارحه، فينشغل بطلب القبول من الناس عن إصلاح ما بينه وبين رب الناس، والحقيقة أن باطنك أيها السالك هو مرآة ظاهرك، والقدرة الإلهية جعلت القلوب كالأواني تنضح بما فيها، فلو امتلأ قلبك بنور الإخلاص والصدق، لفاض أثره على وجهك وكلامك وحركاتك دون تكلف.

فالأدب مع الله يقتضـي رعاية خبايا النفس، فمن عمَّر قلبَه بالخوف والرجاء والمحبة، فعبادته في سمت الوقار ونور الطاعة، ومن ترك قلبه لظلمات الرياء والعجب، فعبادته في كدر الرياء وثقل التكليف، وطلب الصلاح من الخارج مع خراب الداخل هو نوع من الخداع للنفس ومنازعة لسنن الله في خلقه، مصداقاً لقوله تعالى: {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} [سورة الطارق: الآية ٩].

وفي ظلال شهر رمضان المبارك، تتجلى هذه الحكمة بوضوح؛ فالبعض قد يحرص على إظهار التعب من الصيام أو طول القيام ليعلم الناس حاله، ظنًا منه أن هذا هو عنوان التقوى، فيطلب الثناء من الخلق بصورة العمل، وهنا يذكره ابن عطاء الله: "أصلح ما استودعت في سرك"، إن خشوعك في صلاتك المنفردة، ودمعتك في خلوتك، وسلامة صدرك تجاه المسلمين، هي الكنوز التي تخرج نضرتها على محياك في نهار رمضان، ولو أخلصت لله في سرك لألبسك رداء القبول في علانيتك، ولكن قد يكون سبب حرمان التأثير في الآخرين هو خلل في طوية النفس،

فالصائم الحق هو الذي يراقب ربه في خلواته، ولا يرهن روحانيته بمحافل الناس، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: {إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ}، وهذا أصل في أن القبول يبدأ من الأعماق ليشرق على الجوارح.{

إن رمضان يربينا على أن التقوى في القلوب في السرائر، فإذا استودعت في سرك تعظيم شعائر الله فأنت في نور، وإذا استودعت في سرك الصبر والاحتساب فأنت في رفعة، وإذا استودعت في سرك التواضع لله فأنت في عز، فقلب المؤمن يزرع في الغيب ليحصد في الشهادة، ولا ينتظر ثناءً من عبد ليوثق صلة بالرب، ممتثلًا قول الحق سبحانه {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورً} [الإنسان، الآية ٩]، فليكن رمضانك هو العناية بكنوز قلبك، لتشرق على ظاهرك.

ب- المعجم المستلهم من الألفاظ المتداولة في شهر رمضان.

الإجابة والاستجابة 

{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: ١٨٦].

(أُجِيبُ)، (فَلْيَسْتَجِيبُوا)

جاء الفعلان (أجاب واستجاب)، بعد آيات الصيام ليتحقق قول سيدنا رسول الله (ﷺ) في الحديث النبوي الشريف: «ثلاثةٌ لا تُردُّ دعوتُهم الصَّائمُ حتَّى يُفطرَ والإمامُ العادلُ ودعوةُ المظلومِ يرفعُها اللهُ فوق الغمامِ وتُفتَّحُ لها أبوابُ السَّماءِ ويقولُ الرَّبُّ وعزَّتي لأنصُرنَّك ولو بعد حينٍ» [رواه الترمذي].

 والشاهد معنا في دعوة الصائم؛ فليجتهد الصائم في الدعاء بما شاء من خيري الدنيا والآخرة.

(أجاب) فعل ماض رباعي ومصدره إجابة، {واستجاب} فعل ماض خماسي ومصدره استجابة)، وكلا الفعلين يُشيران إلى رد الفعل تجاه طلب أو دعوة، إلا أن هناك فرقًا دقيقًا يؤكد جمال العربية وأسرارها المكنونة في علم الله جل جلاله. 

ويكمن الفرق الدقيق في أن "أجاب" تعني مجرد الرد أو التلبية (قد تكون إيجابية أو سلبية)، الإجابة قد لا تكون وفق ما طلبت أي أن المولى جل جلاله يحقق لك الخير وفق ما يعلمه سبحانه بأن يمنع عنك ضر كان سيصيبك وغير ذلك.

أجاب في اللغة: أطاع، وأعطى ما سئل، يقال: أجاب النبات السماء بالمطر، وأجابت الأرض بالنبات، كأن الأرض سألت السماء المطرَ، فأعطت، وسألت السماء الأرض فأعطت، وإذا أجاب الرب أعطى، وإذا أجاب العبد أطاع.

والإجابة تعني الردّ على السائل أو المنادي، تقول: ناداني فلان فأجبته، والله عز وجل من شأنه أن يتفضل على عباده الصالحين، بإجابتهم في مناجاتهم وندائهم له.

 {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَان}، ذلك لأن الله جل جلاله بكرمه، وحكمته، وعلمه قد يعدل دعوتك، وقد تكون الدعوة التي دعوتها ضارة لك فيعدلها الخالق جل جلاله بما هو في صالحك لأنه ما من مؤمن يدعو بدعوة إلا كان له بها إحدى ثلاثة: إما أن يعجل الله له دعوته في الدنيا، وإما أن يصرف عنه من السوء بمثلها، وإما أن يدخر له دعوته إلى يوم القيامة.

أما استجاب، فأن يحقق الله لك عين ما طلبت بأن تطلب مالًا فيعطيك مالًا، أو تطلب وظيفة فيعطيك الله وظيفة، أو تطلب صحة فيحفظ عليك صحتك، ويبعد عنك الأمراض، والله عز وجل يتكرم على عباده الذين يدعونه باستجابتهم في تحقيق ما يطلبون. 

ومما ورد في القرآن مبينًا معنى الاستجابة في قصة سيدنا يونس عليه السلام قوله تعالى: ﴿فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَنَجَّیۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡغَمِّۚ وَكَذَٰلِكَ نُۨجِی ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ [الأنبياء: ٨٨] وهذا الأمر لكل مؤمن صادق يقع في الكرب لقول الحق تبارك وتعالى “وكذلك ننجي المؤمنين” أي بمثل هذا نكتب للمؤمنين من بعده ومن سار على نهج الأنبياء من التسبيح واللجوء إلى الله جل جلاله.

رمضان سؤال وجواب

حكم صيام من نام أغلب النهار في رمضان.

السؤال: اقتضت طبيعة عملي أن أعمل ليلاً إلى وقت الفجر، فنويت الصوم ونمت من شدة التعب بعد صلاة الفجر إلى قرب أذان المغرب، فهل يفسد ذلك صومي ويجب عليَّ القضاء؟

الجواب: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.. أما بعد:

فإن صيام مَن نام أغلب النهار أو كله في رمضان صحيحٌ شرعًا ولا قضاء عليه، ما دام قد نوى الصيام؛ وذلك لأن النوم ليس من المفطرات، ولا يقطع استدامة حكم النية، ولأن الإمساك عن المفطرات قد تحقق حقيقًة، وتطبيقًا لقاعدة   "اليقين لا يزول بالشك"، وإليكِ تفصيل مذاهب الفقهاء في ذلك:

أثر النوم على صحة الصوم عند الفقهاء.

اتفق الفقهاء على أن النوم في نهار رمضان لا يبطل الصوم، سواء استغرق جميع النهار أو بعضه، طالما سبقت النية من الليل.

عند السادة الحنفية:

قال الإمام الجصاص: "ومن نوى الصوم في الليل من شهر رمضان، فأغمي عليه قبل الفجر، وأصبح كذلك: أجزأه صوم ذلك اليوم"، لأن النية قد صحت له من الليل، وليس شرط صحة الصوم أن تكون النية مقارنة لأوله؛ لأنه لو نوى، ثم نام وانتبه بعد ما أصبح: صح له الصوم" [شرح مختصر الطحاوي" [٢/ ٤١٠، ط. دار البشائر]

عند السادة المالكية:

قال الشيخ عليش: "وَلَا قَضَاءَ عَلَى نَائِمٍ وَلَوْ كُلَّ الشَّهْرِ إنْ بَيَّتَ النِّيَّةَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ" [منح الجليل: / ١٣٠، ط. دار الفكر].

عند السادة الشافعية:

قال الخطيب الشربيني: [فلو استغرق النوم جميع النهار صح صومه؛ لأن النوم لا يزيل أهلية العبادة، ولأنه لا ينافي الصوم] [مغني المحتاج: ٢/ ١٦٢، ط. دار الكتب العلمية].

عند السادة الحنابلة:

قال الإمام ابن قدامة: "النَّوْمُ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي الصَّوْمِ، سَوَاءٌ وُجِدَ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ أَوْ بَعْضِهِ" [المغني: ٣/ ١١٦، ط. مكتبة القاهرة].

هداية وإرشاد

أيها الأخ الكريم: إن الشريعة الإسلامية شريعة سمحة تراعي أحوال الناس، وعملك بالليل طلباً للرزق عبادة في حد ذاتها، ونومك بالنهار للاستعانة على التعب لا يقدح في صحة صيامك، لكن ينبغي للمسلم أن يحرص على اغتنام بركات هذا الشهر، فلا يجعل النوم سبيلًا لتضييع الصلوات المكتوبة أو التفريط في فضائل الذكر والتلاوة، فنم قرير العين، فصيامك مقبول بإذن الله، واحرص على ضبط المنبه لأداء الصلوات في وقتها، لتجمع بين أجر الصيام وأجر الصلاة واكتساب الرزق الحلال.

دعاء وختام.

نَسْأَلُكَ يَا حَنَّانُ، يَا مَنَّانُ، يَا قَاضِيَ الحَاجَاتِ، وَيَا مُجِيبَ الدَّعَوَاتِ، وَيَا غَافِرَ السَّيِّئَاتِ؛ لَا تَدَعْ لَنَا يَا رَبَّنَا ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ، وَلَا عَيْبًا إِلَّا سَتَرْتَهُ، وَلَا مَرِيضًا إِلَّا شَفَيْتَهُ، وَلَا مَيِّتًا إِلَّا رَحِمْتَهُ، وَلَا دُعَاءً إِلَّا اسْتَجَبْتَهُ، وَلَا تَائِبًا إِلَّا قَبِلْتَهُ، وَلَا عَاصِيًا إِلَّا هَدَيْتَهُ، وَلَا مَكْسُورًا إِلَّا جَبَرْتَهُ، وَلَا خَائِفًا إِلَّا آمَنْتَهُ.

موضوعات ذات صلة

يوضح المقال الأحكام الشرعية الدقيقة المتعلقة بالوسائل العلاجية الحديثة أثناء الصيام.

  الصيام عبادة بدنية قوامها الإمساك بنية التعبد من الفجر إلى الغروب.

جاءت الشريعة الإسلامية الغراء لتكون نبراسًا يضيء دروب البشرية، ومبناها وأساسها على إصلاح شؤون العباد في المعاش والمعاد

موضوعات مختارة