هل ليلة بدر ليلة يُستجاب فيها الدعاء؟
اللهم لك الحمد حمدًا يوافي نعمك ويكافئ مزيدك والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى والنبي المجتبى وعلى آله مصابيح الدجى وصحابته مفاتيح الهدى وسلم تسليماً كثيرًا.
تُعد ليلة السابع عشر من رمضان (ليلة غزوة بدر الكبرى) ليلة فارقة في التاريخ الإسلامي، ليس فقط لكونها يوم نصر وعزة، بل لأنها اقترنت بتضرعٍ نبويٍ عظيمٍ واستجابةٍ إلهيةٍ فورية.
لم يأتِ هذا النصر إلا بعد ليلة قضاها حضرة النبي ﷺ في تذلل ودعاء منقطع النظير، طالبًا من الله - عز وجل - أن ينجز له ما وعده، وفي ذلك يقول الله تعالى مخلداً ذكرى هذه الاستجابة: ﴿إِذۡ تَسۡتَغِیثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّی مُمِدُّكُم بِأَلۡفࣲ مِّنَ ٱلۡمَلَٰۤئِكَةِ مُرۡدِفِینَ﴾ [الأنفال: ٩]
وقد جاء عن سيدنا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: "لقد رأيتُنا ليلةَ بدرٍ وما فينا إلّا نائمٌ غيرَ رسولِ اللَّهِ ﷺ يصلِّي ويدعو حتّى أصبحَ" [أخرجه النسائي وأحمد].
عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وصف حال النبي ﷺ قائلاً: "لما كان يوم بدر، نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاث مئة وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: «اللهمّ أَنجزْ لي ما وعدتّني، اللهمّ آتِ ما وعدتّني، اللهمّ إن تهلك هذه العصابة من أهلِ الإسلامِ لا تعبدُ في الأرضِ»، فما زال يهتف بربه، مادًّا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه... فأمده اللهُ بالملائكة" [صحيح مسلم].
فلسـفة الدعـــاء في هذه الليلة
بناءً على ما سبق، كانت ليلة السابع عشر من رمضان ليلة عادية مثل ليالي باقي الشهر الكريم لا مزية فيها سوى أنها ليلة رمضانية يُسن للمسلم أن يقومها إيمانًا واحتسابًا، إلى أن دعا رسول الله - صلى الله على حضرته وآله - مستغيثًا بربه وأجابه الله بما دعا؛ وتحقق ما وعده به، فتحولت تلك الليلة إلى زمان شريف استجاب الله فيه الدعاء، وأهل الله يتلمسون أوقات الاستجابة وأماكن التجلي فيسمونها مواطن استجابة الدعاء سواء كانت مواطن مكانية أو مواقيت زمانية، وكأن لسان حالنا يقول نحن أمام وقت مبارك استجاب الله فيه لنبيه ونحن نتوجه إلى اللّه جل جلاله في نفس الوقت أن يارب استجب منا كما استجبت منه صلوات ربي وسلامه عليه وانصرنا كما نصرته، لذلك نجد اهتمامًا بالغًا من بعض الصحابة بالدعاء في تلك الليلة المباركة بل والإشارة إليها أنها ليلة القدر، فعنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودْ: "تَحّرُّوَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ صَبَاحَةَ بَدْرٍ، أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، أَوْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ" المصنف - عبد الرزاق - ت الأعظمي ٤/٢٥١ — عبد الرزاق الصنعاني (ت ٢١١).
بل إن الأمر يتخطى -عند أهل السنة والجماعة- التشفع بالأوقات المباركة ومواطن استجابة الدعاء إلى تلمس الاستجابة بكل من أصابه هذا التجلي -في قوله تعالى ﴿فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ﴾- من أصحاب النبي -صلى الله عليه وآله وسلّم- فكان من مجربات الصالحين في استجابة الدعاء أن يسألوا الله بأهل بدر متوسلين إليه بأسمائهم.
قال العلامة نور الدين الحلبي: "وذكر الإمام الدواني أنه سمع من مشايخ الحديث أن الدعاء عند ذكرهم يعني أصحاب بدر مستجاب" [السيرة الحلبية: إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون (٢ / ٢٠٢)].
وهذا ما دفع أحد أعلام السادة الشافعية لنظم أسماء أهل بدر للتشفع بهم في عظائم الأمور في نظمٍ أسماه: جالية الكدر في ذكر أسماء أهل بدر وشهداء أحد السادة الغُرَر، للعلامة المؤرخ السيد جعفر بن حسن بن عبد الكريم البرزنجي مفتي الشافعية بالمدينة المنورة؛ لذلك استحب صلحاء الأمة وأوليائها الإكثار من الدعاء في هذه الليلة لما ذكرناه وللأساب التالية:
- الاقتداء بسيدنا النبي ﷺ: الذي استغاث ربه فاستجاب له فنحن نقتدي به في الدعاء والاستغاثة في هذا الزمان الشريف.
- استجابة الله لرسوله: فهي ليلة شهدت نزول الملائكة وتغيرت مجرياتها ببركة دعائه عليه الصلاة والسلام.
- ليلة قضاء الحوائج: كما سماها البعض، وذلك من باب التجربة تفاؤلاً بأنه سبحانه استجاب للمسلمين وهم قلة مستضعفون، سيستجيب بفضله لكل مضطر يطرق بابه متيمنًا بهذا الوقت المبارك.
من دعاء سيدنا رسول الله ﷺ ليلة بدر ويومها
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ. فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ، فَقَال حَسْبُكَ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُول: سَیُهۡزَمُ ٱلۡجَمۡعُ وَیُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ» [صحيح البخاري]
وعن عُمَر بْن الْخَطَّابِ، قَالَ: نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا. فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ الْقِبْلَةَ. ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ «اللَّهُمَّ! أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ! آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ! إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ» فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ، مَادًّا يَدَيْهِ، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ. فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ. فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ. ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ. وقال: يا نبي الله! كذاك مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ. فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [٨ / الأنفال /٩] فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلَائِكَةِ [صحيح مسلم]
وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - كرم الله وجهه- قَالَ: "لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ قَاتَلْتُ شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ ثُمَّ جِئْتُ مُسْرِعًا لِأَنْظُرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا فَعَلَ فَجِئْتُ فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا فَرَجَعْتُ إِلَى الْقِتَالِ، ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ ذَلِكَ ثُمَّ ذَهَبْتُ إِلَى الْقِتَالِ، ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ ذَلِكَ فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ» [دلائل النبوة للبيهقي]
وعن عبد الله بن عَمرِو: أن رسولَ الله -ﷺ- خرجَ يوم بدر في ثلاثِ مئةٍ وخمسةَ عشرَ، فقالَ رسولُ الله -ﷺ-: «اللهم إنهم حُفَاةٌ فاحْمِلْهم، اللهم إنهم عُرَاةٌ فاكْسُهُم، اللهم إنَّهُم جِياعٌ فأشْبِعْهُم» ففتح اللهُ لهُ يومَ بدرٍ، فانقلبُوا حين انقلَبُوا وما منهم رجلٌ إلا وقد رجَع بجمَل أو جملَين، واكتَسَوا، وشَبِعُوا [سنن أبي داود]
والله أعلم.