لقد سبق كل هذه الأحداث وعد من سيدنا رسول الله -صلى الله على حضرته وآله وسلّم- لعثمان بن طلحة بأن هذا المفتاح يومًا ما سيكون بيده يعطيه من يشاء ويمنعه ممن يشاء.
فقد روى ابن سعد عن إبراهيم بن محمد العبدري عن أبيه ، محمد بن عمر عن شيوخه ، قالوا : قال عثمان بن طلحة : لقيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة قبل الهجرة ، فدعاني إلى الإسلام فقلت : يا محمد العجب لك حيث تطمع أن أتبعك ، وقد خالفت دين قومك وجئت بدين محدث ، وكنا نفتح الكعبة في الجاهلية الاثنين والخميس ، فأقبل يوما يريد أن يدخل الكعبة مع الناس فأغلظت عليه ونلت منه ، فحلم عني ، ثم قال : «يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت» فقلت ، لقد هلكت قريش وذلت ، قال : «بل عمرت يومئذ وعزت ، ودخل الكعبة ، فوقعت كلمته مني موقعا فظننت أن الأمر سيصير كما قال ، فأردت الإسلام فإذا قومي يزبرونني زبرًا شديدًا؛
فلما كان يوم الفتح قال لي يا عثمان : «ائت بالمفتاح فأتيته به ، فأخذه مني ، ثم دفعه إلي وقال : «خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم ، يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته ، فكلوا مما وصل إليكم من هذا البيت بالمعروف فلما وليت ناداني ، فرجعت إليه ، فقال : «ألم يكن الذي قلت لك ؟ فذكرت قوله لي بمكة قبل الهجرة «لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت فقلت : بلى . أشهد أنك رسول الله ، فقام علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة بيده فقال : يا رسول الله - اجمع لنا الحجابة مع السقاية! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أين عثمان بن طلحة ؟ فدعا فقال : «هاك مفتاحك يا عثمان ، اليوم يوم بر ووفاء” قالوا : وأعطاه المفتاح ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - مضطبع بثوبه عليه ، وقال «غيبوه . إن الله تعالى رضي لكم بها في الجاهلية والإسلام» .[ابن سعد، الطبقات الكبرى ، ٥/١٦].
وهذه روايات متعددة لإعطاء المفتاح لعثمان بن طلحة
وروى الفاكهي عن جبير بن مطعم : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما ناول عثمان المفتاح قال له "غيبه".
قال الزهري : فلذلك يغيب المفتاح .[الفكاهي، أخبار مكة، ٥/٢٣٥].
وكان شيبة من خيار المسلمين، ودفع له سيدنا رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- مفتاح الكعبة، وإلى ابن عمه عثمان ابن طلحة بن أبي طلحة، وقال خذوها خالدة مُخَلَّدَة تالدة إلى يوم القيامة، يا بني أبي طلحة، لا يأخذها منكم إلا ظالم.[ابن الاثير، أسد الغابة، ٢/٥٣٥].
ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده فقال: يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أين عثمان بن طلحة؟ " فدعي له فقال: " هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء.[ابن سيد الناس، عيون الأثر، ٢/٢٢٧].
فدعا عثمان فقال: «تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم» .[ابن حبان، السيرة النبوية، ١/٣٣٨]
وروى الأزرقي عن جابر ومجاهد قال : نزلت هذه الآية ﴿إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰۤ أَهۡلِهَا﴾ في عثمان بن طلحة بن أبي طلحة ، فقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مفتاح الكعبة ودخل في الكعبة يوم الفتح ، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يتلو هذه الآية ، فدعا عثمان ، فدفع إليه المفتاح ، وقال - صلى الله عليه وسلم - «خذوها يا بني أبي طلحة بأمانة الله - سبحانه وتعالى - لا ينزعها منكم إلا ظالم».[الازرقي، أخبار مكة، ١/١١١].
وقال عمر بن الخطاب : لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الكعبة خرج وهو يتلو هذه الآية ، ما سمعته يتلوها قبل ذلك .
وروى أيضًا نحوه عن سعيد بن المسيب قال : دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة يوم الفتح ، وقال : «خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة لا يظلمكموها إلا كافر».
وروى عبد الرزاق والطبراني عن الزهري : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما خرج من البيت قال علي : «إنا أعطينا النبوة والسقاية ، والحجابة ، ما قوم بأعظم نصيبا منا فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقالته ، ثم دعا عثمان بن طلحة فدفع المفتاح إليه وقال : «غيبوه».
وقال عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعلي يومئذ حين كلمه في المفتاح : «إنما أعطيتكم ما ترزؤون ، ولم أعطكم ما ترزؤون» يقول :«أعطيتكم السقاية لأنكم تغرمون فيها ، ولم أعطكم البيت» .
قال عبد الرزاق : أي أنهم يأخذون من هديته .
وروى عبد الرزاق عن ابن أبي مليكة : أن العباس - رضي الله عنه - قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - :
يا نبي الله!! اجمع لنا الحجابة مع السقاية ، ونزل الوحي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : «ادعوا لي عثمان بن طلحة ، فدعي له فدفع له النبي - صلى الله عليه وسلم - المفتاح ، وستر عليه ، قال : فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أول من ستر عليه ، ثم قال : «خذوها يا بني طلحة لا ينتزعها منكم إلا ظالم» ، وذكر سعيد بن المسيب : أن العباس تطاول يومئذ لأخذ المفتاح في رجال من بني هاشم ، فرده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عثمان بن طلحة ».[ابن سيد الناس، عيون الأثر، ٢/٢٢٧].
الخلاصة
إن سيرة عثمان
بن طلحة مدرسة في الأخلاق والوفاء، حيث اجتمعت له كرامة الدنيا بحمل مفتاح البيت
الحرام، وكرامة التاريخ بشهادة المواقف النبيلة؛ لتظل قصته برهانًا على أن الإسلام
جاء ليتمم مكارم الأخلاق ويثمن الأمانة ويحفظ لأهل الفضل فضلهم.