مع غروب شمس الوفاء، يطوي رمضان خيامه، مُخلفًا في الوجدان لوعة الفراق ويقين القبول في رحاب الرب الرحيم؛ فهو الكيانُ الروحانيُّ الذي لا ينسى وداد الطائعين، ليظلَّ شفيعَهُم الوفيَّ الذي يخبئ لهم الفرج والرزق في قابل الأيام.
مع غروب شمس الوفاء، يطوي رمضان خيامه، مُخلفًا في الوجدان لوعة الفراق ويقين القبول في رحاب الرب الرحيم؛ فهو الكيانُ الروحانيُّ الذي لا ينسى وداد الطائعين، ليظلَّ شفيعَهُم الوفيَّ الذي يخبئ لهم الفرج والرزق في قابل الأيام.
طويت خيامُ الشهرِ المبارك، وأزفَ رحيلُ الضيفِ العزيز، وفي لحظاتِ الغروبِ الأخيرةِ من رمضان، يمتزجُ ألمُ الفراقِ برجاءِ القبول، إنّ رمضانَ ليس مجردَ زمنٍ ينصرم، بل هو "كيانٌ روحاني" وحالةٌ شعوريةٌ تُصاحبُ المؤمنَ في مسيره إلى الله، إنه "الصديقُ الوفي" الذي لا ينسى خُطى الساعين في محاريبه، ولا أنينَ المستغفرين في أسحاره، فقبل أن تغيبَ شمسُ آخِرِ يومٍ منه، يجدرُ بالعبدِ أن يودِّعَهُ "بدعوةٍ مخبوءة" في حَنايا القلب، يذخرُها لليالي الحاجةِ وكُرُباتِ الدهر؛ فمن أكرمَ الشهرَ بالصيام، أكرمهُ اللهُ بالفرجِ الذي لا تتوقعه الأذهان، والرزقِ الذي لا تدركهُ الظنون، ببركة الوصل والرضا، فرمضان لن ينسى لك خيرًا،
ونجد أصل حقيقة هذا في شهادة الزمان والمكان يوم القيامة، حيث ينطق رمضان وفاءً لمن عمّره بالطاعة، ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ...» [مسند الإمام أحمد: ٦٦٢٦، والحاكم: ٢٠٣٦]، ووجه الشاهد: الصيام هنا يتكلم بلسانِ مقال، مدافعًا عن صاحبه في وقت الشدة الكبرى، وهذا هو "الوفاء" الذي لا يُنسى.
وفي هذا المعنى يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي: "يا شهر رمضان: ترفق.. دموع المحبين تدفق، قلوبهم من ألم الفراق تشقق، عسى وقفة للوداع تطفئ من نار الشوق ما أحرق، عسى ساعة توبة وإقلاع ترفو من الصيام كلما تخرق، عسى منقطع عن ركب المقبولين يلحق، عسى أسير الأوزار يطلق، عسى من استوجب النار يعتق.
عسى وعسى من قبل وقت التفرق *** إلى كل ما ترجو من الخير تلتقي
فيجبر مكسور، ويقبل تائب *** ويعتق خطاء، ويسعد من شقي.
[لطائف المعارف: ص ٢١٦].
إن إيداع دعوة في ختام رمضان هو الكنز الذي يظهر أثره في الشدائد، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أُعْطِيَتْ أُمَّتِي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي: أَمَّا وَاحِدَةٌ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ نَظَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ نَظَرَ إِلَيْهِ اللَّهُ لَمْ يُعَذِّبْهُ أَبَدًا، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّ خَلُوفَ أَفْوَاهِهِمْ حِينَ يُمْسُونَ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَسْتَغْفِرُ لَهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَأَمَّا الرَّابِعَةُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَأْمُرُ جَنَّتَهُ فَيَقُولُ لَهَا: اسْتَعِدِّي وَتَزَيَّنِي لِعِبَادِي، أَوْشَكَ أَنْ يَسْتَرِيحُوا مِنْ تَعَبِ الدُّنْيَا إِلَى دَارِي وَكَرَامَتِي، وَأَمَّا الْخَامِسَةُ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ آخِرُ لَيْلَةٍ غُفِرَ لَهُمْ جَمِيعًا» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟ فَقَالَ: «لَا، أَلَمْ تَرَ إِلَى الْعُمَّالِ يَعْمَلُونَ فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ أَعْمَالِهِمْ وُفُّوا أُجُورَهُمْ» [رواه البيهقي].
التأصيل القرآني للفرج والرزق: ربط الله الصيام بالتقوى في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَیۡكُمُ ٱلصِّیَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ثم جعل للتقوى ثمرة الفرج والرزق غير المتوقع: ﴿وَمَن یَتَّقِ ٱللَّهَ یَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجࣰا * وَیَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَیۡثُ لَا یَحۡتَسِبُۚ﴾ [الطلاق: ٢-٣] فمن أودع تقواه في رمضان، وجد "المخرج" والرزق عند الحاجة.
وما وداع رمضان إلا قمة الرخاء الإيماني لإيداع الدعوات التي تُنجي في كُرَب الدنيا والآخرة، كما جاء في الحديث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أُهْدِيَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَغْلَةً أَهْدَاهَا لَهُ كِسْرَى، فَرَكِبَهَا بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ، ثُمَّ أَرْدَفَنِي خَلْفَهُ، ثُمَّ سَارَ بِي مَلِيًّا، ثُمَّ الْتَفَتَ فَقَالَ: «يَا غُلَامُ» قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، ...» [الحاكم: ٦٣٠٣].
إن قولنا "الحمد لله على إدراكنا أيامه" هو امتثالٌ لأمر الله الصريح في ختام آيات الصيام، فعند قوله تعالى: ﴿وَلِتُكۡمِلُوا۟ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، يكون الشكر هنا بالثناء على الله بما أنعم به من الهداية للصوم وإتمام العدة، فالحمد عند الغروب هو مفتاح بقاء الأثر، وبقاء بركة "الوصل" التي بدأها العبد مع ربه.
يقول الحافظ ابن رجب: كما أمَرَ بالتكبيرِ عندَ قضاءِ صيامِ رمضانَ، وإكمالِ العدةِ، شكرًا على ما هدانا إليه من الصيامِ والقيامِ المقتضِي لمغفرةِ الذنوبِ السابقةِ [تفسير ابن رجب: ١/١٥٦].
ويقول ابن عاشور: التَّشْبِيهِ بِالسَّابِقِينَ تَهْوِينًا عَلَى الْمُكَلَّفِينَ بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ أَنْ يَسْتَثْقِلُوا هَذَا الصَّوْمَ فَإِنَّ فِي الِاقْتِدَاءِ بِالْغَيْرِ أُسْوَةً فِي الْمَصَاعِبِ، فَهَذِهِ فَائِدَةٌ لِمَنْ قَدْ يَسْتَعْظِمُ الصَّوْمَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَيَمْنَعُهُ وُجُودُهُ فِي الْإِسْلَامِ مِنَ الْإِيمَانِ وَلِمَنْ يَسْتَثْقِلُهُ مِنْ قَرِيبِي الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ، وَقَدْ أَكَّدَ هَذَا الْمَعْنَى الضِّمْنِيَّ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ [التحرير والتنوير: ٢/١٥٦-١٥٧].
ومسك الختام بأن سؤال الله العفو والمسامحة في الوداع هو "جبرٌ" للصيام كما يُجبر الكسر بالجبيرة، ونجد بشارة العتق من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال ﷺ: «وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ» [الترمذي: ٦٨٢، وابن ماجه: ١٦٤٢] وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ آخِرُ لَيْلَةٍ غُفِرَ لَهُمْ جَمِيعًا» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟ فَقَالَ: «لَا، أَلَمْ تَرَ إِلَى الْعُمَّالِ يَعْمَلُونَ فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ أَعْمَالِهِمْ وُفُّوا أُجُورَهُمْ» [رواه البيهقي]..
قال الحافظ ابن رجب: وفي بعض الآثار: أن إبليس قال: أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، والاستغفار ختام الأعمال الصالحة كلها فيختم به الصلاة والحج وقيام الليل ويختم به المجالس، فإن كانت ذكرا كان كالطابع عليها، وإن كانت لغوا كان كفارة لها؛ فكذلك ينبغي أن تختم صيام رمضان بالاستغفار، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار يأمرهم بختم رمضان بالاستغفار وصدقة الفطر، فإن الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، والاستغفار يرقع ما تخرق من الصيام باللغو والرفث؛ ولهذا قال بعض العلماء المتقدمين: إن صدقة الفطر للصائم كسجدتي السهو للصلاة، وقال عمر بن عبد العزيز في كتابه قولوا كما قال أبوكم آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمۡنَاۤ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِینَ﴾ [لأعراف: ٢٣] وقولوا كما قال نوح عليه السلام: ﴿وَإِلَّا تَغۡفِرۡ لِی وَتَرۡحَمۡنِیۤ أَكُن مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِینَ﴾ [هود: ٤٧] وقولوا كما قال موسى عليه السلام: ﴿رَبِّ إِنِّی ظَلَمۡتُ نَفۡسِی فَٱغۡفِرۡ لِی﴾ [القصص: ١٦] وقولوا كما قال ذو النون عليه السلام: ﴿سُبۡحَٰنَكَ إِنِّی كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِینَ﴾ [الانبياء: ٨٧] .
فينبغي أن نودّع رمضانَ بقلبٍ ملؤه الرضا، ونودِع في غيبِ الله دعوةً تكونُ لنا عونًا وسندًا، فالمؤمنُ لا يخرجُ من رمضانَ بدموعِ الوداعِ فحسب؛ بل يخرجُ بـ "بصيرةِ اليقين" أنّ الربَّ الذي عُبِدَ في رمضان هو ربُّ الشهورِ كلها، وأنّ الصنيعَ الحسنَ في هذا الشهر هو بذرٌ سيُثمرُ فرحًا وبركةً في قابلِ الأيام، رزقًا وفيرا، وفرجًا قريبًا، ورضوانًا لا ينقطع.
مراجع الاستزادة:
يمثل وداع رمضان لحظة استيداعِ الدعوات المخبأة لليالي الحاجة، فهو "الصديق الوفي" والشاهد الشفيع الذي يُختم بالحمد على تمام العِدّة والاستغفار الجابر للخلل، إن العبرة تكمن في استدامة بركة "الوصل" وبصيرة اليقين؛ فمن حفظ الله في رخاء الشهر وجده أمامه في شدائد الدهر فرجًا ورزقًا موصولًا لا ينقطع برحيل الأيام.
الاستقامة بعد رحيل رمضان، تحمل دلالات القبول المتمثلة في المداومة على الطاعة.
من أسرار ليلة القدر ما يجعل قلب السالك يتقلب بين مقام الهيبة وعظمة القدس، وبين مقام الرجاء وسعة الفضل الإلهي
العشر الأواخر من رمضان ليست مجرد أيام عادية في آخر الشهر، ولا هي مجرد تكملة لأيام رمضان، العشر الأواخر في حقيقتها هي بمثابة "المستوى الرفيع