الذي أجمع عليه الفقهاءُ: أنَّ أوَّلَ الليل يبزغ
مع غروب شمس النهار، بيد أنَّ أنظارهم قد تباينت في تحديد نهايته؛ أهي بطلوع الفجر
أم بشروق الشمس؟
والذي مدار التحقيق وصريح النقل،
أنَّ الليل يضرب بجرانه لينتهي عند طلوع الفجر الصادق؛ ذلك الفجر المعترض في الأفق
الذي يفصل بين عتمة السكون وضياء البكور، ويشهد لهذا المنزع قول الحق سبحانه: ﴿وَأَقِمِ
ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَیِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفࣰا مِّنَ ٱلَّیۡلِۚ﴾ [هود: ١١٤]، فما
صلاة الفجر والمغرب إلا حارسان لطرفي النهار، وما بينهما هو حيز الليل ومستقره.
قال الإمام: الفخر الرازي
قولنا: "مِن أول طلوع الفجر الصادق"، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا۟
وَٱشۡرَبُوا۟ حَتَّىٰ یَتَبَیَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَیۡطُ ٱلۡأَبۡیَضُ مِنَ ٱلۡخَیۡطِ
ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ﴾ [البقرة: ١٨٧]،
وكلمة ﴿حَتَّى﴾ لانتهاء الغاية، وكان الأعمش
يقول: أوَّل وقته إذا طَلَعَتِ الشمسُ، وكان يُبيحُ الأكلَ والشربَ بعد طلوع الفجر
وقبل طلوع الشمس، ويَحتجُّ بأن انتهاء اليوم مِن وقت غروب الشمس، فكذا ابتداؤه يجب
أن يكون مِن عند طلوعها، وهذا باطلٌ بالنصِّ الذي ذكرناه] اهـ.[
مفاتيح الغيب (٥/ ٢٥٧، ط. دار إحياء التراث العربي)].
كما قرره حبر الأمة ابن عباس - رضي الله عنهما -
وأكده، مرجحًا أن الصلاة قبل الشروق هي القطب الذي يدور عليه تحديد الطرف الآخر.
[الإمام الطبري في جامع البيان ١٢/٦٠٣، ط. هجر].
فإذا كانت صلاتَا المغرب والفجر
طَرَفَي النَّهار، دلَّ ذلك على أنَّ ما بينهما هو وقت الليل، ويؤيد ذلك قول الله
تعالى في محكم التنزيل: ﴿وَكُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ حَتَّىٰ یَتَبَیَّنَ
لَكُمُ ٱلۡخَیۡطُ ٱلۡأَبۡیَضُ مِنَ ٱلۡخَیۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ﴾ [البقرة: ١٨٧]،
وقوله تعالى: ﴿سَلَٰمٌ
هِیَ حَتَّىٰ مَطۡلَعِ ٱلۡفَجۡرِ﴾ [القدر: ٥].
قال العلامة أبو العباس الفيومي: "الليلة
مِن غروب الشمس إلى طلوع الفجر" [المصباح المنير (٢/ ٥٦١، ط. المكتبة
العلمية)].
وقال شمس الدين الخطيب
الشِّرْبِينِيُّ: "والليل مدةٌ مِن غروب الشمس إلى طلوع الفجر" [السراج
المنير: (٤/ ٤١٣، ط. الأميرية]، وهو مذهب جمهور الفقهاء مِن الحنفية، والمالكية،
والشافعية. [يُنظر: بدر الدين العَيْنِيِّ الحنفي: البناية (٤/ ٢٦٠)، ط. دار الكتب
العلمية]، و [ابن عبد البَرِّ المالكي: الكافي (١/ ٤٠٥، ط. مكتبة الرياض الحديثة].
ويظهر لنا هذا التناغم البديع في
تقسيم أوقات الليل؛ حيث نُدب المسلمُ إلى سُنةٍ نبويةٍ رفيعة، وهي أن يختم ليله
بسكونٍ يسبق الفجر؛ فالمستحبُّ في فقه القائمين أن ينام العبدُ السُّدُس الأخير من
الليل، بعد أن يكون قد أحيا السُّدسين الرابع والخامس منه بالتهجد والمناجاة.
وإنَّ في هذا التقسيم لحكمةً بالغة؛ إذ يرمي إلى إعداد النفس لاستقبال فريضة الصبح
وأذكار البكور بنشاطٍ متدفقٍ وقوةٍ متجددة، بعيدًا عن كَلالِ الجسد أو شحوبِ
الإجهاد الذي قد يقدح في كمال الإخلاص.
ويؤيد هذا المنزع ما صحَّ عن النبي -
صلى الله عليه وسلم - في قوله: «أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ؛
وكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ»
[صحيح البخاري رقم (١١٣١)، مسلم (١١٥٩) باختلاف يسير].
قال الإمام ابن دقيق العيد:
"ونوم سُدسِه الأخير فيه مصلحة الإبقاء على النفس، واستقبال صلاة الصبح
وأذكار أول النهار بالنشاط.. ومن مصالح هذا النوع من القيام أيضًا: أنه أقرب إلى
عدم الرياء في الأعمال؛ فإن من نام السدس الأخير أصبح جامًا غير منهوك القوى، فهو
أقرب إلى أن يخفى أثر عمله على من يراه" [إحكام الأحكام شرح عمدة
الأحكام" (٢/ ٣١) ط. مكتبة السنة المحمدية].