معجزة الإسراء والمعراج فيها الامتحان والتمحيص والتثبيت؛ فكانت امتحانا واختبارا لذوي الإيمان هل يصدقون؟ أم يتلكؤون ويترددون ؟ قال تعالى : {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ * وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ} [العنكبوت: ٢ – ٣]، فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقدما على مرحلة جديدة (الهجرة) ويريد أن يبنى فيها دولة بناء قويا متماسكا برجال أقوياء في إيمانهم أشداء في صبرهم، فجعل الله رحلة الإسراء اختبارا وتمحيصا ليخلص الصف من الضعاف المترددين الذين في قلوبهم مرض ويَثْبُت المؤمنون الأقوياء الخُلَّص الذين عاينوا إيمان وصدق نبيهم صلى الله عليه وسلم بعد أن لمسوه تصديقا .
عندما أخبر المشركون سيدنا أبا بكر رضي الله عنه بخبر الإسراء والمعراج، سأل إن كان النبي صلى الله عليه وسلم هو من قال ذلك، فلما قيل له "نعم"، قال: "لقد صدق" وبرر تصديقه بقوله: "إني لأصدقه بأبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء غدوة وروحة" فهذا التصديق هو سبب تسميته بـ "الصديق".
أخبرت بعض الروايات أن بعض الناس بعد أن رأوا هذه الآية العجيبة؛ تحدّوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يثبت صدقه في أنه أسري به إلى بيت المقدس، ثم رجع في ليلة، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يصف لهم بيت المقدس وصفًا دقيقًا، وهم يعلمون أنه لم يره، وأخبرهم بِعِيرِهم التي في الطريق، وهذه آية عظيمة تستوجب منهم الإيمان بصدق نبوته صلى الله عليه وسلم، ولكنهم مع هذا كله قالوا: نحن لا نصدق بما يقول، فبدلًا من الإيمان ارتدّوا إلى كفرهم.
وهذا يشير إلى أن الحادثة كانت فتنة واختبارًا إيمانيًا للناس، فمنهم من ثبت ومنهم من انتكس.
واستغل المشركون الحادثة للسخرية والتشكيك، وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن تفاصيل بيت المقدس وعن عيرهم التي في الطريق، وهي التفاصيل التي وصفها لهم النبي صلى الله عليه وسلم.
فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ، قُمْتُ فِي الحِجْرِ، فَجَلاَ اللَّهُ لِي بَيْتَ المَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ» [البخاري: ٣٨٨٦، ومسلم: ١٧٠].
مواجهة هذه الأسئلة والإجابة عليها كانت دليلًا للمؤمنين على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وصعوبة الأمر على المشككين، كما تشير إليه الآية: {وَمَا جَعَلۡنَا ٱلرُّءۡيَا ٱلَّتِيٓ أَرَيۡنَٰكَ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلنَّاسِ} [الإسراء: ٦٠].
كان موقف الناس بين الثبات المطلق في شخص سيدنا أبي بكر رضي الله عنه ومن معه من الصحابة رضوان الله عليهم الذين ازدادوا إيمانا، وبين الشك والريب والتحدي والجدال مع المشركين، مما جعلها محكًّا إيمانيًا هامًا في تاريخ الدعوة.