يسارع السائرون إلى الله في المزيد من العمل الصالح ومنه صيام التطوع، وهنا تثور مسألة الصيام في النصف من شعبان، حيث جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا» [أبو داود (٢٣٣٧)]، فقد اختلف الفقهاء في وجه الدلالة وفي الحكم على درجة الحديث مما ترتب عليه الاختلاف في حكم صيام النصف الثاني من شعبان بينهم.
اختلف العلماء في حكم صيام النصف الثاني من شعبان على ثلاثة أقوال:
القول الأول: جواز صيام النصف من شعبان وما بعده:
ذهب الحنفية والمالكية إلى جواز صيام النصف من شعبان وما بعده، لحديث عمران بن حصين رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: - أَوْ لِآخَرَ - «أَصُمْتَ مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَإِذَا أَفْطَرْتَ، فَصُمْ يَوْمَيْنِ» [البخاري (١٩٨٣) ومسلم (١١٦١) واللفظ له] وهذا على قول من فسر السرر بالوسط. [انظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (١/ ٣١٧)، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (٢/ ٤٠٨)].
كما أن أبا داود عقب روايته لحديث: «إذا انتصف شعبان» قال: وكان عبد الرحمن لا يحدث به، قلت لأحمد: لم؟ قال: لأنه كان عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصل شعبان برمضان، وقال عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه.
القول الثاني: كراهية صيام النصف من شعبان وما بعده:
ذهب الحنابلة إلى كراهية صيام النصف من شعبان وما بعده، وذلك لتضعيف الإمام أحمد للحديث الوارد في النهي. [الفروع لابن مفلح ٣ / ١١٨].
القول الثالث: حرمة صوم ما بعد النصف من شعبان:
يقول الخطيب الشربيني: "إذا انتصف شعبان حرم الصوم بلا سبب إن لم يصله بما قبله على الصحيح في المجموع وغيره؛ لخبر «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح لكن ظاهره أنه يحرم وإن وصله بما قبله وليس مرادًا حفظًا لأصل مطلوبية الصوم". [مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (٢/ ١٦٥)].
الجمع بين هذه الأقوال:
جمع الإمام الطحاوي بين حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وهو النهي، وحديث النهي عن تقدم رمضان بالصيام إلا إذا كان صومًا يصومه، بأن الحديث الأول محمول على من يضعفه الصوم، والثاني مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان، وحسَّن هذا الجمع ابن حجر في الفتح [فتح الباري ٤ / ٢٣٠ - ٢٣١].