كان هناك ردود الفعل المتباينة عندما تحول النبي صلى الله عليه وسلم من ناحية بيت المقدس الى الكعبة المشرفة:
١- موقف اليهود والمنافقين: أثاروا الشكوك قائلين: ﴿مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِی كَانُوا۟ عَلَیۡهَاۚ﴾ [البقرة: ١٤٢]، زاعمين أن النبي صلى الله عليه وسلم تائه بين الأديان، فرد القرآن عليهم بأن المشرق والمغرب لله وحده.
حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يصلِّى قِبَلَ بيتِ المقدس، فنَسَختها الكعبةُ، فلمّا تَوجَّه قِبلَ المسجدِ الحرامِ، اختلفَ الناسُ فيها فكانوا أصنافًا؛ فقال المنافقون: ما بالُهم كانوا على قبلةٍ زمانًا، ثم ترَكوها وتوجَّهُوا غيرَها؟ وقال المسلمون: ليت شِعْرَنا عن إخوانِنا الذين ماتوا وهم يصلُّون قِبلَ بيتِ المقدسِ، هل تَقبَّل اللهُ منّا ومنهم أم لا؟ وقالت اليهودُ: إن محمدًا اشتاقَ إلى بلد أبيه ومولدِه، ولو ثبَت على قبلتِنا، لكنا نرجُو أن يكونَ هو صاحبَنا الذي ننتظِرُ، وقال المشرِكون من أهلِ مكةَ: تحيّرَ محمدٌ على دينِه، فتوجَّه بقبلتِه إليكم، وعلِم أنكم كنتم أهدَى منه، ويوشِكُ أن يدخُلَ في دينِكم. فأنزَل اللهُ في المنافقين: ﴿سَیَقُولُ ٱلسُّفَهَاۤءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِی كَانُوا۟ عَلَیۡهَاۚ﴾ [البقرة: ١٤٢] إلى قولِه: ﴿وَإِن كَانَتۡ لَكَبِیرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِینَ هَدَى ٱللَّهُۗ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وأنزلَ في الآخَرين الآياتِ بعدَها.[الطبري، جامع البيان،٢/٦٤٠].
لما وقع هذا حصل لبعض الناس من أهل النفاق والريب والكفرة من اليهود ارتياب وزيغ عن الهدى وتخبيط وشك، وقالوا: ﴿مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِی كَانُوا۟ عَلَیۡهَاۚ﴾ [البقرة: ١٤٢] أي: قالوا: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا؟ فأنزل الله جوابهم في قوله: ﴿قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ﴾ [البقرة: ١٤٢]، أي: الحكم والتصرف والأمر كله لله ﴿فَأَیۡنَمَا تُوَلُّوا۟ فَثَمَّ وَجۡهُ ٱللَّهِۚ﴾ [البقرة: ١١٥] [ابن كثير، تفسير القران العظيم، ٢/٥].
٢- موقف المؤمنين: كان شعارهم "سمعنا وأطعنا"، مؤكدين أن الوحي هو المصدر الوحيد للتشريع. وقال الكلُّ مِن المؤمنين: سمِعنا قولَ ربِّنا وأمْرَه إِيَّانا بما أمَرَنا به، ونهيَه عما نهانا عنه {وَأَطَعْنَا}. يعنى: أطَعْنا رَبَّنا فيما أَلْزَمنَا مِن فرائضِه واسْتَعْبَدَنا به مِن طاعتِه، وسلَّمْنا له.[الطبري، جامع البيان، ٥/١٥١]
ويؤكد ذلك ما ورد عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني في أهل الكتاب -: «إِنَّهُمْ لَا يَحْسُدُونَنَا عَلَى شَيْءٍ كَمَا يَحْسُدُونَنَا عَلَى الْجُمُعَةِ الَّتِي هَدَانَا اللَّهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا، وَعَلَى الْقِبْلَةِ الَّتِي هَدَانَا اللَّهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا، وَعَلَى قَوْلِنَا خَلْفَ الْإِمَامِ آمِينَ» [احمد، (٢٥٠٢٩)].