إن اختلاف مطالع الهلال بين البلدان البعيدة أمر ثابت كاختلاف مطالع الشمس، لكن يبقى السؤال: هل يُعتد بهذا الاختلاف في تحديد بدء الصيام ومواقيت عيدي الفطر والأضحى وسائر الشهور، فيتباين المسلمون في بداياتها ونهاياتها، أم يُغضّ الطرف عنه، ويتوحد المسلمون جميعًا في صومهم وأعيادهم؟
وقد اختلف الفقهاء في الإجابة على هذا السؤال إلى ثلاثة أقوال:
- القول الأول للجمهور: فقد ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة، وهو قول عند الشافعية: إلى عدم اعتبار اختلاف المطالع في إثبات شهر رمضان، فإذا ثبت رؤية هلال رمضان في بلد لزم الصوم جميع المسلمين في جميع البلاد، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» [متفق عليه]، وهو خطاب للأمة كافة [رسائل ابن عابدين ١ / ٢٢٨، ٢٢٩، والفروق ٢ / ٢٠٣، ومواهب الجليل ٢ / ٣٨٤].
القول الثاني للشافعية: ذهب الشافعية إلى اختلاف المطالع فقالوا: إن لكل بلد رؤيتهم، وإن رؤية الهلال ببلد لا يثبت بها حكمه؛ لما بعد عنهم.
واستدلوا مع من وافقهم بأن ابن عباس - رضي الله عنهما - لم يعمل برؤية أهل الشام؛ لحديث كُرَيْبٍ "أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ، بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، قَالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ، فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا، وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ، فَرَأَيْتُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ؟ فَقُلْتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ، وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ: "لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ، أَوْ نَرَاهُ، فَقُلْتُ: أَوَ لَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقَالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" [صحيح مسلم رقم (١٠٨٧)].
وقد علل الإمام النووي هذه الفتوى من ابن عباس - رضي الله عنهما - بأن الرؤية لا يثبت حكمها في حق البعيد، وقال: "إذا رئي هلال رمضان في بلد، ولم ير في الآخر، فإن تقارب البلدان، فحكمها حكم البلد الواحد، وإن تباعدا، فوجهان، أصحهما: لا يجب الصوم على أهل البلد الآخر" [روضة الطالبين وعمدة المفتين (٢/ ٣٤٨)، وشرح النووي على مسلم ٥ / ٥٨ - ٥٩].
وأما الجمهور فقالوا: إن ما ورد في حديث ابن عباس رضي الله عنهما من اجتهاده، وليس نقلًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
القول الثالث: يعتبر اختلاف المطالع بالنسبة للبلاد البعيدة جدًّا عن بعضها البعض، وهذا الذي قرره مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة في مؤتمره الثالث المنعقد في المدة من ٣٠ سبتمبر إلى ٢٧ أكتوبر سنة (١٩٦٦م) بشأن تحديد أوائل الشهور القمرية أنه لا عِبرة باختلاف المطالع، وإن تباعدت الأقاليم متى كانت مشتركة في جزء من ليلة الرؤية، وإن قَلَّ، ويكون اختلاف المطالع معتبرًا بين الأقاليم التي لا تشترك في جزء من هذه الليلة. اهـ.
وتأكد هذا - أيضًا - في قراره رقم (٤٢) وفي جلسته الثامنة والعشرين التي عقدت بتاريخ ٢٣ ربيع الآخر لسنة ١٤١٢هـ، الموافق ٣١ من أكتوبر لسنة ١٩٩١م بشأن رؤية الهلال، ونصه: "أنه إذا تعذر دخول الشهر القمري، وثبتت رؤيته في بلد آخر يشترك مع المنطقة في جزء من الليل، وقال الحسابيون الفلكيون: إنه يمكث لمدة عشر دقائق فأكثر بعد الغروب، فإن دخول الشهر القمري يثبت" اهـ.