قبل الخوض في تفاصيل الدور البطولي لرجال الشرطة، يجب أن نؤسس للمفهوم الشرعي للأمن؛ فقد رفع الإسلام قيمة الأمن إلى أعلى المراتب، واعتبره ركيزة التوحيد، وقوام الحياة، وتزخر المكتبة الإسلامية من خلال إصداراتها العريقة كـ مجلة الأزهر، ومجلة منبر الإسلام، بالبحوث التي تؤكد أن الأمن مطلب يسبق في أهميته الغذاء والكساء.
ويتجلى ذلك في دعاء الخليل إبراهيم عليه السلام لمكة حيث قدم نعمة الأمن في الأوطان، فإن حاجة الناس إلى الأمن أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، فقد قدمه سيدنا إبراهيم عليه السلام على الرزق فقال كما ورد في التنزيل الحكيم: {رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنࣰا وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ} [البقرة: ١٢٦]، فإن الناس لا يهنأون بطعام ولا شراب إذا فقدوا الأمن.
وفي آية أخرى امتن الله على قريش بنعمتي الأمن والشبع فقال سبحانه: ﴿فَلۡیَعۡبُدُوا۟ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَیۡتِ * ٱلَّذِیۤ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعࣲ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ﴾ [قريش: ٣-٤].
وفي السنة النبوية المطهرة، نجد حديثًا يزن نعمة الأمن بالدنيا وما فيها؛ فعن سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِحْصَنٍ الخَطْمِيَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» [رواه الترمذي في "سننه" رقم ٢٣٤٦، وحسَّنه، وابن ماجه في "سننه" رقم ٢١٤٢].
معركة الوعي.. وتكامل المؤسسات الدينية والأمنية
إن احتفالاتنا هذا العام تأتي في توقيت بالغ الدقة، يتطلب تضافر الجهود؛ لتنفيذ توجيهات القيادة السياسية بشأن "بناء الوعي"، وهنا يبرز الدور المحوري للمؤسسات الوطنية وعلى رأسها الأزهر الشريف، ووزارة الأوقاف.
تتجه الأنظار دائمًا صوب هذه المؤسسات العريقة حيث يلجأ إليها الظامئون للوسطية، وقد اضطلعت وزارة الأوقاف بدور ريادي في تثبيت معالم الاعتدال، مستخدمة الطرق المختلفة بفهم النصوص الشَّرْعِيَّةِ في ضَوْءِ "مقاصد الشريعة"؛ لتقدم للعالم صورة الإسلام الوسطي الذي ينبذ العنف والغلو، وقد ترجمت الوزارة هذا الدور عبر أذرع عملية قوية، منها:
المنصة الرقمية لوزارة الأوقاف، والقوافل الدعوية، والحملات التوعوية مثل تصحيح المفاهيم وغيرها الكثير.
هذه المؤسسات تقف كحائط صد فكري، يُكمل دور "الشرطة" في الميدان؛ فالشرطة تحاصر الجريمة، والمؤسسات الدينية تحاصر الفكر المتطرف الذي يُنتج الجريمة، محققين بذلك "الأمن الفكري" الذي هو أساس "الأمن المجتمعي".