Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

حادثة تحويل القبلة

الكاتب

هيئة التحرير

حادثة تحويل القبلة

تُعد حادثة تحويل القبلة في السنة الثانية للهجرة انعطافة تاريخية كبرى جسدت استقلال الشخصية الإسلامية وتمايزها العقدي، لم يكن الأمر مجرد تغيير اتجاه مكاني، بل كان امتحانًا إلهيًا لليقين، واستجابةً لرغبة نبوية شريفة، وإعلانًا لوسطية الأمة وارتباطها بالإرث الإبراهيمي العتيق.

السياق التاريخي والزمني

اتفق أهل العلم على أن تحويل القبلة كان في السنة الثانية من الهجرة النبوية الشريفة ، ولكن تعددت الأقوال في وقتيتها على أقوال منها:

قال بعضهم: كان ذلك في رجب من سنة ثنتين. وبه قال قتادة وزيد بن أسلم، وهو رواية عن محمد بن إسحاق.[ انظر "الطبقات الكبرى" لابن سعد (١/ ٢٤٢)، وتفسير "الطبري" (٢/ ٣ - ٥)، و"دلائل النبوة" (٢/ ٥٧٥)].

وقد روى أحمد عن ابن عباس ما يدلّ على ذلك، وهو ظاهر حديث البراء بن عازب كما سيأتي، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ ‌إِلَى ‌بَيْتِ ‌الْمَقْدِسِ ‌سِتَّةَ ‌عَشَرَ ‌شَهْرًا، ثُمَّ صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ بَعْدُ». [أحمد (٣٢٧٠)].

وقيل: في شعبان منها. قال ابن إسحاق: بعد غزوة عبد اللَّه بن جحش، ويقال: صرفت القِبلة في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرًا من مقدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المدينة ["السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٦٠٦)]، وحكى هذا القول ابن جرير، من طريق السّدّيّ بسنده عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة [ "تاريخ الطبري" (٢/ ٤١٦)].

قال الجمهور الأعظم؛ إنّها صرفت في النصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهرًا من الهجرة. ثم حكى عن محمد بن سعد، عن الواقديّ أنّها حوّلت يوم الثلاثاء النصف من شعبان، وفي هذا التحديد نظرٌ، واللَّه أعلم ["تاريخ الطبري" (٢/ ٤١٦)، "شذرات الذهب" (١/ ١١٤)].

تحويل القبلة في القرآن الكريم

خلّد القرآن الكريم هذه اللحظة في سورة البقرة، موضحًا تقلب وجه النبي صلى الله عليه وسلم في السماء انتظارًا للوحي، واستجابة الله لرغبته:

حدثنا محمد بن مسلم الزهري قال: أوّل ما نسخ من القرآن من سورة البقرة القبلة. كانت نحو بيت المقدس، تحولت نحو الكعبة، فقال الله عز وجل: ﴿‌وَلِلَّهِ ‌ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ فَأَیۡنَمَا تُوَلُّوا۟ فَثَمَّ وَجۡهُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِیمࣱ﴾ [البقرة: ١١٥]،  نسخ بقوله تعالى: ﴿قَدۡ ‌نَرَىٰ ‌تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِی ٱلسَّمَاۤءِۖ فَلَنُوَلِّیَنَّكَ قِبۡلَةࣰ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ﴾ [البقرة: ١٤٤] .[ابن شهاب الزهري، الناسخ والمنسوخ، ص١٨].

  • تلبية الرغبة النبوية: صلى النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم وأصحابه قبل بيت المَقْدِس من أول مقدمه المدينة سبعة عشر شهرًا وصلت الأَنْصَار قبل بيت المَقْدِس سنتين قبل هجرة النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم وكانت الكعبة أحبّ القبلتين إلى النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم. فَقَالَ لجبريل- عليه السلام وددت أن ربي صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها. فَقَالَ جبريل- عليه السلام إِنَّمَا أَنَا عَبْد مثلك لا أملك شيئًا، فاسأل ربك ذَلِكَ، وصعد جبريل إلى السماء، وَجَعَل النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل- عليه السلام بما سَأَلَ.

فأنزل اللَّه- عز وجل فِي رجب عِنْد صلاة الأولى قبل قتال بدر بشهرين: ﴿قَدۡ ‌نَرَىٰ ‌تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِی ٱلسَّمَاۤءِۖ فَلَنُوَلِّیَنَّكَ قِبۡلَةࣰ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَیۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ﴾ [البقرة: ١٤٤] [د. عبدالله شحاته ، تفسير مقاتل بن سليمان، ص١٤٤].

أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿قَدۡ ‌نَرَىٰ ‌تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِی ٱلسَّمَاۤءِۖ﴾ [البقرة: ١٤٤]   قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقلِّبُ وجهَه إلى السماءِ يحبُّ أن يَصرِفَه اللهُ إلى الكعبةِ حتى صرَفه اللهُ إليها.[جامع البيان، الطبري، ج٢، ص٦٥٧].

قَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذِهِ الْآيَةُ مُقَدَّمَةٌ فِي النُّزُولِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَیَقُولُ ٱلسُّفَهَاۤءُ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢]، وَمَعْنَى ﴿‌تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ﴾ [البقرة: ١٤٤]: تَحَوُّلُ وَجْهِكَ إِلَى السَّمَاءِ، قَالَهُ الطَّبَرِيُّ، الزَّجَّاجُ: تَقَلُّبُ عَيْنَيْكَ فِي النَّظَرِ إِلَى السَّمَاءِ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ، وَخَصَّ السَّمَاءَ بِالذِّكْرِ إِذْ هِيَ مُخْتَصَّةٌ بِتَعْظِيمِ مَا أُضِيفَ إِلَيْهَا وَيَعُودُ مِنْهَا كَالْمَطَرِ وَالرَّحْمَةِ وَالْوَحْيِ، وَمَعْنَى ﴿تَرۡضَىٰهَاۚ﴾ تُحِبُّهَا. قَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ إِذَا صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ يَنْظُرُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى قِبَلِ الْكَعْبَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدۡ ‌نَرَىٰ ‌تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِی ٱلسَّمَاۤءِۖ ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وَرَوَى أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَدۡ ‌نَرَىٰ ‌تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِی ٱلسَّمَاۤءِۖ ﴾ [البقرة: ١٤٤] [القرطبي، تفسير القران العظيم،ج٢، ص١٥٨]

  • الاختبار والابتلاء: أوضح القرآن أن هذا التغيير كان امتحانًا لتمييز المؤمن الصادق من المتشكك: ﴿وَمَا جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِی كُنتَ عَلَیۡهَاۤ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن یَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن یَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَیۡهِۚ﴾ [البقرة: ١٤٣]، قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: “وما جَعلنا القبلة التي كنت عليها"، ولم نجعل صَرْفك عَن القبلة التي كنت على التوجه إليها يا محمد فصرفْناك عنها، إلا لنعلم من يَتَّبعك ممن لا يتَّبعك، ممن يَنقلبُ على عقبيه.[الطبري، جامع البيان،٣/١٥٥].

وقوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِی كُنتَ عَلَیۡهَاۤ إِلَّا لِنَعۡلَمَ﴾ [البقرة: ١٤٣]: اختبار إيماني ليعلم الله مدى إيمانكم ومن سيطيع الرسول فيما جاءه من الله ومن سينقلب على عقبيه. . فكأن أمر تحويل القبلة سيحدث هزة إيمانية عنيفة في المسلمين أنفسهم، فيعلم الله من يستمر في إيمانه واتباعه لرسول الله، ومن سيرفض ويتحول عن دين الإسلام.[الشيخ الشعراوي، تفسير الشعراوي، ص٦٢٨].

تحويل القبلة في السنة النبوية

تروي كتب السنة النبوية المطهرة الأحاديث الشريفة لتفاصيل تحويل القبلة:

عن الْبَرَاءَ رضي الله عنه قَالَ: "صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صَرَفَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ".[البخاري، ٤٢٢٢].

عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «بَيْنَمَا النَّاسُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ، إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأْمِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْقِبْلَةِ: الكعبة».[البخاري،( ٤٢٢٤)].

عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ ﴿وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فَنَزَلَتْ بَعْدَمَا صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَمَرَّ بِنَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُمْ يُصَلُّونَ فَحَدَّثَهُمْ، فَوَلَّوْا وُجُوهَهُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ».[مسلم (٥٢٥)].

 انتشار الخبر: مرَّ أحد الصحابة الذين صلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم على أهل مسجد آخر (يُقال مسجد قباء) وهم ركوع في صلاة الفجر، فنادى فيهم: "أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة"، فانحرفوا وهم ركوع نحو الكعبة. وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ،  عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ ،  عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «بَيْنَمَا النَّاسُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءٍَ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبَِلُوهَا. وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ » [البخاري (٣٩٥)، مسلم (٥٢٦)].

عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم  كَانَ يُصَلِّي نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَنَزَلَتْ ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً فَنَادَى: أَلَا إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ، فَمَالُوا كَمَا هُمْ نَحْوَ الْقِبْلَةِ».[مسلم(٥٢٧)].

الموقف الاجتماعي والديني

كان هناك ردود الفعل المتباينة عندما تحول النبي صلى الله عليه وسلم من ناحية بيت المقدس الى الكعبة المشرفة:

١- موقف اليهود والمنافقين: أثاروا الشكوك قائلين: ﴿مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِی كَانُوا۟ عَلَیۡهَاۚ﴾ [البقرة: ١٤٢]، زاعمين أن النبي صلى الله عليه وسلم تائه بين الأديان، فرد القرآن عليهم بأن المشرق والمغرب لله وحده.

حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يصلِّى قِبَلَ بيتِ المقدس، فنَسَختها الكعبةُ، فلمّا تَوجَّه قِبلَ المسجدِ الحرامِ، اختلفَ الناسُ فيها فكانوا أصنافًا؛ فقال المنافقون: ما بالُهم كانوا على قبلةٍ زمانًا، ثم ترَكوها وتوجَّهُوا غيرَها؟ وقال المسلمون: ليت شِعْرَنا عن إخوانِنا الذين ماتوا وهم يصلُّون قِبلَ بيتِ المقدسِ، هل تَقبَّل اللهُ منّا ومنهم أم لا؟ وقالت اليهودُ: إن محمدًا اشتاقَ إلى بلد أبيه ومولدِه، ولو ثبَت على قبلتِنا، لكنا نرجُو أن يكونَ هو صاحبَنا الذي ننتظِرُ، وقال المشرِكون من أهلِ مكةَ: تحيّرَ محمدٌ على دينِه، فتوجَّه بقبلتِه إليكم، وعلِم أنكم كنتم أهدَى منه، ويوشِكُ أن يدخُلَ في دينِكم. فأنزَل اللهُ في المنافقين: ﴿سَیَقُولُ ٱلسُّفَهَاۤءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِی كَانُوا۟ عَلَیۡهَاۚ﴾ [البقرة: ١٤٢] إلى قولِه: ﴿وَإِن كَانَتۡ لَكَبِیرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِینَ هَدَى ٱللَّهُۗ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وأنزلَ في الآخَرين الآياتِ بعدَها [الطبري، جامع البيان،٢/٦٤٠].

لما وقع هذا حصل لبعض الناس من أهل النفاق والريب والكفرة من اليهود ارتياب وزيغ عن الهدى وتخبيط وشك، وقالوا: ﴿مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِی كَانُوا۟ عَلَیۡهَاۚ﴾ [البقرة: ١٤٢]  أي: قالوا: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا؟ فأنزل الله جوابهم في قوله: ﴿قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ﴾ [البقرة: ١٤٢]   أي: الحكم والتصرف والأمر كله لله ﴿فَأَیۡنَمَا تُوَلُّوا۟ ‌فَثَمَّ ‌وَجۡهُ ٱللَّهِۚ﴾ [البقرة: ١١٥]. [ابن كثير، تفسير القران العظيم، ٢/٥].

٢- موقف المؤمنين: كان شعارهم "سمعنا وأطعنا"، مؤكدين أن الوحي هو المصدر الوحيد للتشريع. وقال الكلُّ مِن المؤمنين: سمِعنا قولَ ربِّنا وأمْرَه إِيَّانا بما أمَرَنا به، ونهيَه عما نهانا عنه {وَأَطَعْنَا}. يعنى: أطَعْنا رَبَّنا فيما أَلْزَمنَا مِن فرائضِه واسْتَعْبَدَنا به مِن طاعتِه، وسلَّمْنا له [الطبري، جامع البيان، ٥/١٥١]

ويؤكد ذلك ما ورد عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني في أهل الكتاب -: «إِنَّهُمْ لَا يَحْسُدُونَنَا عَلَى شَيْءٍ كَمَا يَحْسُدُونَنَا عَلَى الْجُمُعَةِ الَّتِي هَدَانَا اللَّهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا، وَعَلَى الْقِبْلَةِ الَّتِي هَدَانَا اللَّهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا، وَعَلَى قَوْلِنَا خَلْفَ الْإِمَامِ آمِينَ» [احمد، (٢٥٠٢٩)].

وسطية الأمة المحمدية

ارتبط التحويل بوصف الأمة بالوسطية حيث يقول تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ ‌أُمَّةࣰ ‌وَسَطࣰا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَاۤءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَیَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَیۡكُمۡ شَهِیدࣰاۗ﴾ [البقرة: ١٤٣]   : "إنما حَوّلناكم إلى قِبلة إبراهيم عليه السلام، واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأُمم، لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأُمم، لأن الجميع معترفون لكم بالفضل"، والوسط ههنا: الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسبًا ودارًا، أي: خيرها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطًا في قومه، أي: أشرفهم نسبًا، ومنه الصلاة الوسطى التي هي أفضل الصلوات وهي: العصر، كما ثبت في الصحاح وغيرها، ولما جعل الله هذه الأُمة وسطًا خصّها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأصح المذاهب [ابن كثير، تفسير القران العظيم، ٢/٨]

عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجيء النبي يوم القيامة ومعه رجلان وأكثر من ذلك، فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلّغكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال له: هل بلّغت قومك؟ فيقول: نعم. فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأُمته. فيُدعى محمد وأُمته، فيقال لهم: هل بلّغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم. فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبيّنا فأخبرنا أن الرُّسل قد بلّغوا، فذلك قوله عز وجل: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} قال: عدلًا، {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}» [احمد (١١٥٥٨)].

وقال صلى الله عليه وسلم«أنا وأُمتي يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق، ما من الناس إلا ودّ أنه مِنّا، وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد أنه قد بلغ رسالة ربه عز وجل» [ابن كثير، تفسير القران العظيم، ٢/٩].

الخلاصة

تتجلى أهمية تحويل القبلة في كونها وحدةً شعورية ورمزية للمسلمين، حسمت الجدل مع المشككين وأكدت طاعة المؤمنين المطلقة للوحي، ولقد ربطت الحادثة بين قدسية المسجد الأقصى وعراقة الكعبة المشرفة، مكرسةً مفهوم الوسطية والوحدة التي تجمع الأمة تحت لواء قبلة واحدة، وإله واحد.

موضوعات ذات صلة

تتجلى الرحمات الإلهية في ليلة النصف من شعبان؛ إذ ترفع فيها الأعمال وتُغفر الذنوب، وقد عظَّمها السلف الصالح

دراسة عن آية تحوي القبلة بوصفها نصًا مركزيًا يجمع بين بعدين: البعد التكريمي الشخصي لرسول الله صلى الله عليه وسلم

شعبان المبارك شهر الأسرار والأنوار، حيث تُرفع فيه الأعمال إلى رب العزة وتتسع فيه دائرة المغفرة