الحجُّ معراجٌ لا يُقطع بحدوِ الركائب، بل بصدقِ الرغائب؛ فرحلةُ البيتِ تبدأُ من هجرِ العبدِ لكونِه، ليفوزَ بحضرةِ مكوِّنِه.
الحجُّ معراجٌ لا يُقطع بحدوِ الركائب، بل بصدقِ الرغائب؛ فرحلةُ البيتِ تبدأُ من هجرِ العبدِ لكونِه، ليفوزَ بحضرةِ مكوِّنِه.
متى أذن الحقُّ لغرس النية أن ينبت في قاع قلبك، فاعلم أنه قد استدعاك لِحضرةِ قربه؛ فالقصدُ إلى البيتِ بالبدنِ تلبيةٌ، والقصدُ إلى ربِّ البيتِ بالروحِ تخلية، إنَّ الشوقَ الذي يحدو الركائبَ صوبَ مكةَ ليس مجردَ نُزهةِ عينٍ في أطلالِ التاريخ، ولا وقفةِ إعجابٍ بآثارٍ خلت، بل هو سفرٌ من كونك إلى مُكوِّنك، وهجرةٌ من ضيقِ "نفسك والأنا" إلى سعةِ "رِضاه".
جاء في الحديث عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَجَرَ، ثُمَّ وَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ، يَبْكِي طَوِيلًا، ثُمَّ الْتَفَتَ، فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَبْكِي، فَقَالَ يَا عُمَرُ: «هَاهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ» [ابن ماجه: ٢٩٤٥].
هنا، ينسكبُ لُبابُ العبوديةِ في قوالبِ المناسك، لتغدو الرحلةُ "معراجًا وجدانيًا" يفرُّ فيه العبدُ من صخبِ الفناءِ إلى سكونِ البقاء، ومن ظمأِ المادةِ إلى ريِّ اليقين، فواه حسرةَ من سار ببدنه والقلبُ في وطنه، ومن لبس الإحرامَ وما انخلع عن الآثام! فالحجُّ ليس مجردَ طوافٍ حول الحجر، بل هو طوافُ السرِّ حولَ ربِّ البشر؛ وهو زادٌ لا يُدركُ بالراحلة، بل بالروحِ الصالحة.
فيا أيها السائرُ في دربِ الأشواق، قِف بنا نتدبر معالمَ هذا الطريق؛ لئلا يكون حظُّك من مَسيرك كدَّ الأبدانِ وعناءَ الأقدام، ولتشرقَ في سُويداء قلبك أنوارُ القبول التي تجعلُ من عودتك بدايةَ حياة، لا نهايةَ سفر.
الغالب فيمن حاز "الاستطاعة المادية" أن تغيب عنه حيازة "الاستطاعة الروحية"؛ وهي القدرة على فهم الدلالات الباهرة لهذه الشعيرة. فالاستطاعة ليست مجرد تكديسٍ للمال لقطع التذاكر، بل هي في جوهرها: إيثار الله عز وجل بكسر شهوة حب المال الذي أُفني فيه العمر.
بيد أن الأهم من جمع المال هو "طهارته" إن السفر إلى ملك الملوك يقتضي زادًا لا تشوبه شائبة، فكيف نقصد الله بمال نبت من ربا، أو بيع فاسد، أو أكل لحقوق الناس؟ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ حَاجًّا بِنَفَقَةٍ طَيِّبَةٍ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، فَنَادَى: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، نَادَاهُ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، زَادُكَ حَلَالٌ، وَرَاحِلَتُكَ حَلَالٌ، وَحَجُّكُ مَبْرُورٌ غَيْرُ مَأْزُورٍ، وَإِذَا خَرَجَ بِالنَّفَقَةِ الْخَبِيثَةِ، فَوَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، فَنَادَى: لَبَّيْكَ، نَادَاهُ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: لَا لَبَّيْكَ وَلَا سَعْدَيْكَ، زَادُكَ حَرَامٌ وَنَفَقَتُكَ حَرَامٌ، وَحَجُّكَ غَيْرُ مَبْرُورٍ» [الطبراني في الأوسط: ٥٢٢٨].
ويؤصل نبينا ﷺ هذا المعنى العظيم في الحديث الصحيح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا» [مسلم: ١٠١٥].
فلا يليق بالمسلم أن تكون استطاعته غُرمًا من دين يثقل كاهله، أو مالًا فيه شبهة تحجب صوته حين يلبي فيقول: "لبيك اللهم لبيك"، فيُنادى: "لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام ونفقتك حرام، وحجك مأزور غير مأجور".
عجبًا لأقوامٍ يفرضون الحج ولم تنفك قلوبهم بعد عن معاقرة الخصال الذميمة، يذهبون إلى ضيافة الرحمن وقد أثقلت كواهلهم حقوق الناس، متدثرين بمظالم تُبطئ بهم عن بلوغ الحج المبرور! إن التوبة قبل السفر هي بمثابة الاغتسال الروحي، فكما يغسل الحاج بدنه للإحرام، عليه أن يغسل قلبه بماء التوبة.
فالتوبة النصوح لا تستقيم إلا بشروطها: الإقلاع عن الذنب، والندم بالقلب، والعزم على عدم العود، ورد المظالم إلى أهلها، وقد كان السلف أشد الناس حرصًا على تحلل الذمم قبل الحج، امتثالًا لقوله ﷺ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ...» [البخاري: ٢٤٤٩].
فمن أراد لقلبه أن يتذوق لذة الاتصال في الطواف، وكرامة اللقاء في عرفات، وجب عليه أن يبرئ ذمته، ويسترضي والديه، ويفض المشاحنات، ويكتب وصيته الشرعية؛ لأنه مسافر إلى دار قد لا يعود منها.
إخلاص النية: محرقة حظوظ النفس ورياء المظاهر
إن النية هي ميزان الأعمال ومحور القبول، مصداقًا لقوله ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ...» [البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧] وفي عصرنا هذا، حيث طغت المظاهر، قد ينزلق الحاج دون أن يشعر إلى التماس الشهرة، أو التفاخر بلقب "الحاج"، أو الانشغال بتوثيق الرحلة للناس بدلًا من توثيق العهد مع الله، وهذا هو الرياء الذي يكون سببا في عدم قبول العمل، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ یُرِیدُ ٱلۡحَیَوٰةَ ٱلدُّنۡیَا وَزِینَتَهَا نُوَفِّ إِلَیۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِیهَا وَهُمۡ فِیهَا لَا یُبۡخَسُونَ﴾ [هود: ١٥].
لذا، كان من دعاء النبي ﷺ عند إحرامه: «اللَّهُمَّ حَجَّةٌ لَا رِيَاءَ فِيهَا، وَلَا سُمْعَةَ» [ابن ماجه: ٢٨٩٠] فإن إخلاص النية في الحج يقطع صوارف الهوى، ويجمع شتات القلب على الله وحده، فلا يرى الحاج في المشاعر إلا منة الله عليه أن اصطفاه واستدعاه.
إن بين الحج والموت ترادفًا معنويًا ومشاكلة تربوية؛ فدنيا الإنسان بدأت بلفافة بيضاء، وتنتهي بكفن أبيض غير مخيط، وبينهما يأتي "لِباس الإحرام" ليذكرنا بتلك الحقيقة؛ فحين يخلع الحاج ثيابه المعتادة، فهو في الحقيقة يخلع معها رُتبته الدنيوية، وثروته، ونسبه، ليقف أمام الله عبدًا مجردًا فقيرًا.
يقول الإمام الغزالي واصفًا هذه اللحظة المهيبة: وأما شراء ثوبي الإحرام فليتذكر عنده الكفن ولفه فيه فإنه فيه سيرتديه ويتزر بثوبي الإحرام عند القرب من بيت الله عز وجل وربما لا يتم سفره إليه وأنه سيلقى الله عز وجل ملفوفًا في ثياب الكفن لا محالة فكما لا يلقى بيت الله عز وجل إلا مخالفا عاداته في الزي والهيئة فلا يلقى الله عز وجل بعد الموت إلا في زي مخالف لزي الدنيا وهذا الثوب قريب من ذلك الثوب إذ ليس فيه مخيط كما في الكفن [إحياء علوم الدين: ١/٢٦٨].
إنه تجرد يورث تقوى القلوب؛ ﴿ذَٰلِكَۖ وَمَن یُعَظِّمۡ شَعَٰۤئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، فمن انخلع قلبه من كل ما سوى الله شوقًا إليه، فقد وُهب لذة التحليق في فضاء الربانية.
ليس الزاد في الحج كثرة الطعام والشراب، بل هو الرافد الإيماني الذي يمد المسافر بإلهامات السلامة؛ ﴿وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَیۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ یَٰۤأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [البقرة: ١٩٧].
ومما يُدمي القلب أن ترى فريقًا من الحجيج يغفل عن الذكر وقراءة القرآن، مستعيضًا عن ذلك بالجدال، أو الغيبة، أو الانشغال بالهواتف، أو تعاطي ما لا يليق في هذه الرحلة كالتدخين، والله سبحانه يقول: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِی ٱلۡحَجِّۗ﴾ [البقرة: ١٩٧] وقد أرشدنا سيدنا المصطفى ﷺ للقبول والمغفرة بترك هذه الآفات حين قال: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» [صحيح البخاري: ١٥٢١].
لذا، كان "اختيار الرفيق قبل الطريق" من أعظم أسباب نجاح الرحلة، فصاحب السنة والصلاح يُعلي همتك إذا فترت، ويذكرك إذا نسيت، وقد لخص الشاعر قديمًا أهمية الصحبة الصالحة في السفر بقوله:
أَتَرْضَى أَنْ تَكُونَ رَفِيقَ قَوْمٍ *** لَهُمْ زَادٌ وَأَنْتَ بِغَيْرِ زَادِ؟!
تطوي الأيام رحلة المناسك، ليعود الحاج بقلب غسلته دموع اليقين، وروح تذوقت حلاوة القرب في رحاب الله، هكذا تغدو العودة بداية لعهد نقي، تتنفس فيه الروح نسائم الطاعة، وتمضي في دروب الحياة بنور لا ينطفئ، لتبقى تلك الخطوات المباركة زادًا يرافق المؤمن في أيامه، وميثاقًا يحفظ عهد المحبة حتى يحين اللقاء.
حجة الوداع هى الحجة الوحيدة التي حجها رسول الله -صلى الله عليه وسلم
دخل سيدنا رسول الله ﷺ مكة فاتحًا مطأطئ الرأس تواضعًا لله الذي أكرمه بالفتح المبين
الحجّ هو قصد بيت الله الحرام لأداء المناسك في وقت مخصوص بشرائط مخصوصة
نشأت مكة المكرمة مهد النبوة ومنطلق رسالة الإسلام في قلب صحراء قاحلة وبين جبال جرداء