فإذا فرغ الزائر من
أداء تحية المسجد، وارتوى قلبه من الجلوس في الروضة الشريفة، توجه بخُطى خاشعة،
وقلب واجف، وعين دامعة، إلى المواجهة الشريفة، وهناك يقف قُبالة رسول الله ﷺ، في أدب جم، واحترام
بالغ، ومهابة تامة، خَافِضًا طَرْفَه، غَاضًّا بصره، وخافضًا صوته؛ امْتِثَالًا
لأمر الله تعالى، ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَرۡفَعُوۤا۟
أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِیِّ وَلَا تَجۡهَرُوا۟ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ
كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا
تَشۡعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]، واسْتِشْعَارًا لهيبة
النبوة.
ويُسَلِّم على رسول
الله ﷺ في صوت خفيض، يملؤه الحب الجارف، والشوق الصادق، والتبجيل العظيم،
قَائِلًا: "السلَامُ عليكَ يا سيدي يا رسولَ الله، السلَام عليك يا نبيَّ
الله، السلَام عليكَ يا خِيرةَ الله، السلامُ عليكَ يا خَيْرَ خَلْقِ الله،
السلَامُ عَلَيْكَ يَا حَبِيبَ الله، السلامُ عَلَيْكَ يا نذير، السلامَ عليك يا
بشيرُ، السلامُ عليكَ يا طُهْرُ، السلامُ عليك يا طاهِرُ، السلامُ عليكَ يا نبيَّ
الرحمةِ، السلامُ عليك يا نبي الأَمَّةِ، السلامُ عليك يا أبا الْقَاسِمِ،
السلَامُ عليكَ يا رَسُولَ رب العالمينَ، السلامُ عليك يا سيدَ المُرْسَلينَ ويا
خاتَم النَّبيين، السلامُ عليكَ يا خيرَ الخَلائِقِ أجْمَعينَ، السلامُ عليك يا
قائد الغُر المُحَجَّلينَ، السَّلامُ عليكَ وَعَلى آلِكَ وأهْلِ بَيْتِكَ
وأزواجِكَ وذُريتِكَ وأصحابِكَ أجمعين، السلَامُ عليكَ وَعَلى سائِرِ الأنبياءِ
وجميع عِبادِ الله الصَالحينَ، جَزَاكَ الله يا رَسُولَ الله عَنَّا أَفضَل مَا
جَزَى نَبيًأ وَرَسُولًا عَنْ أُمَتِهِ، وصلى الله عليك كُلَّمَا ذَكَرَكَ ذاكر
وغفل عَنْ ذكرِكَ غَافِل، أفْضَلَ وَأكْمَلَ وأطْيَبَ مَا صَلَّى على أَحَدٍ مِنَ
الْخَلْقِ أجْمَعِينَ، أشْهَدُ أنْ لَا إِلهَ إِلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ
لَهُ، وأشهدُ أنَّكَ عَبْدُهُ ورسوله وَخِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ، وأشْهَدُ أنَّكَ
قَدْ بَلَّغْتَ الرسَالة وَأدّيْتَ الأمَانَةَ وَنَصْحَتَ الأَمةَ وَجَاهَدْت في
الله حَقَّ جهَادِهِ، اللَّهُمَّ وآتِهِ الوَسيلَةَ والفضيلَة وابعثهُ مَقَامًأ
مَحْمُودًأ الذي وَعَدْتَهُ، وآتَهِ نِهَايةَ ما ينبغي أَنْ يَسْأَلهُ
السَّائِلُونَ".
وَمَنْ عَجَزَ عَنْ
حِفْظِ هَذَا أَوْ ضَاقَ وَقْتُهُ عَنْهُ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهِ، وَأَقلهُ
السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله ﷺ. [الإيضاح في مناسك
الحج والعمرة ص٤٥٣]
ثم يصلي الزائر على
رسول الله ﷺ بأي صيغة شاء، ويُبَلِّغ إليه في أدبٍ سلامَ من أوصاه بتبليغ السلام
من المشتاقين والمحبين، قَائِلًا: "السلام عليك يا رسول الله من فلان بن
فلان، يرجو شفاعتك فاشفع له عند ربك".
ثم يترك هذا الموضع
المهيب، ويتحرك إلى اليمين قَلِيلًا بما يساوي ذِرَاعًا -أي أقل من المتر- ليجد
نفسه وَاقِفًا قُبالة رأس الصِّدِّيق الأعظم، أبي بكر رضي الله عنه، فيسلم عليه
ببالغ التقدير والعرفان بقوله: "السلام عليك يا خليفة رسول الله،
السلام عليك يا ثاني اثنين إذ هما في الغار، السلام عليك يا صاحب رسول الله ورفيقه
وأمينه في الأسرار. جزاك الله عن أمة محمد ﷺ خَيْرًا، ورضي عنك وأرضاك".
ثم يتجاوز مكانه إلى
اليمين قدر ذراع أَيْضًا، ليجد نفسه وَاقِفًا قُبالة رأس الفاروق، عمر بن الخطاب
رضي الله عنه، فيقول: "السلام عليك يا أمير المؤمنين، السلام عليك يا مُظهِر
الإسلام وفاروق الأمة، جزاك الله عنا وعن الإسلام أفضل الجزاء، ورضي عنك وأرضاك".
وبعد إتمام هذا السلام
العاطر، والموقف الزاهر، يدعو الله تعالى بما شاء، ويُفيض بما في قلبه لنفسه،
ولوالديه، ولأهل بيته، ولمن أوصاه بالدعاء، شَامِلًا بصالح دعائه جميع المسلمين،
سَائِلًا الله القبول والتوفيق.
وَيَتَوَسَّلُ بِهِ في
حَقّ نَفْسِهِ وَيَتَشَفَّعُ بِهِ إِلَى رَبّهِ سبحانه وتعالى، وَمِنْ أحْسَن مَا
يقُولُ مَا حَكَاهُ أصْحَابُنَا عَنِ الْعُتْبِيّ مُسْتَحْسِنِينَ لَهُ قَالَ:
كُنْتُ جَالِسًأ عِنْدَ قَبْرِ النَّبي ﷺ فَجَاءَ أَعْرَابِيّ
فَقَالَ: "السَّلامُ عَلَيكَ يا رسول الله سَمِعْت الله يقُولُ: ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ
إِذ ظَّلَمُوۤا۟ أَنفُسَهُمۡ جَاۤءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ
لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا۟ ٱللَّهَ تَوَّابࣰا رَّحِیمࣰا﴾ [النساء:
٦٤]،
وقد
جئتك مستغفرًا من ذنبي، مُسْتَشْفِعًا بِكَ إِلَى رَبّيِ، ثُمَّ أنْشَأً يقُولُ
(البسيط):
يَا خَيْرَ مَنْ
دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أعْظُمهُ … فَطَابَ مِنْ طِيبهِن القاعُ والأكَمُ
نَفْسِي فِدَاءٌ
لِقَبْر أَنْتَ سَاكِنُهُ … فِيهِ العَفَافُ وَفِيهِ الْجُودُ وَالْكَرَمُ
أَنْتَ الشفِيعُ
الَّذِي تُرْجَى شَفَاعَتُه … عَلَى الصِّراطِ إِذَا مَا زَلَّتِ القَدَمُ
وَصَاحِبَاكَ فَلَا
أَنْسَاهُمَا أبَدًأ … مِنّي السَّلَامُ عَلَيْكُمْ مَا جَرَى الْقَلَمُ
قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ
فَغَلَبتَنِي عَيْنَايَ فَرَأيْتُ رسول الله ﷺ في النَّوْمِ فَقَالَ:
«يَا عُتْبي إلْحَقْ
الأَعْرَابِيَّ وَبَشّرْهُ بِأن الله تَعَالَى قَدْ غَفَرَ لَه». اهـ. [الإيضاح في
مناسك الحج والعمرة ص٤٥٤، ٤٥٥]