أما عن دخول النبي ﷺ مكة على راحلته
القصواء، وصفة طوافه بالبيت وسعيه بين الصفا والمروة، وما وقع في هذه العمرة من
أمر الأذان فوق الكعبة، وتزويجه ﷺ بميمونة بنت الحارث، وقضائه في ابنة حمزة بن عبد
المطلب؛ يبين ذلك ما ترويه لنا أُمّ عُمَارَةَ، فتقول: شَهِدْت عُمْرَةَ الْقَضِيّةِ مَعَ
رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُنْت قَدْ شَهِدْت
الْحُدَيْبِيَةَ، فَكَأَنّي أَنْظُرُ إلَى النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ حِينَ انْتَهَى إلَى الْبَيْتِ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَابْنُ
رَوَاحَةَ آخِذٌ بِزِمَامِ رَاحِلَتِهِ - وَقَدْ صُفّ لَهُ الْمُسْلِمُونَ- حِين
دَنَا مِنْ الرّكْنِ حَتّى انْتَهَى إلَيْهِ، فَاسْتَلَمَ الرّكن بمحجنه مضطبعا
بثوبه، على راحلته، وَالْمُسْلِمُونَ يَطُوفُونَ مَعَهُ قَدْ اضْطَبَعُوا
بِثِيَابِهِمْ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَقُولُ:
خَلّوا بَنِي الْكُفّارِ عَنْ سَبِيلِهْ ***
إنّي شَهِدْت أَنّهُ رَسُولُهْ
حَقّا وَكُلّ الْخَيْرِ فِي سَبِيلِهْ ***
نَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهْ
كَمَا ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهْ ***
ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهْ
وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهْ
فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ: يَا ابْنَ
رَوَاحَةَ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَا عُمَرُ، إنّي أَسْمَعُ!»
فَأَسْكَتَ عُمَرُ.
وعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ:
نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السّلَامُ عَلَى النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إنّ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْجَبَلِ وَهُمْ يَرَوْنَكُمْ،
امْشُوا مَا بَيْنَ الْيَمَانِيّ وَالْأَسْوَدِ» فَفَعَلُوا.
وعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: طَافَ رَسُولُ
اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصّفَا
وَالْمَرْوَةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمّا كَانَ الطّوَافُ السّابِعُ عِنْدَ
الْمَرْوَةِ عِنْدَ فَرَاغِهِ، وَقَدْ وَقَفَ الْهَدْيُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَذَا الْمَنْحَرُ،
وَكُلّ فِجَاجِ مَكّةَ مَنْحَرٌ!» فَنَحَرَ عِنْدَ الْمَرْوَةِ، وَقَالَ ابْنُ
وَاقِدٍ: وَكَانَ قَدْ اعْتَمَرَ مَعَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَوْمٌ لَمْ يَشْهَدُوا الْحُدَيْبِيَةَ فَلَمْ يَنْحَرُوا، فَأَمّا مَنْ كَانَ
شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ وَخَرَجَ فِي الْقَضِيّةِ فَإِنّهُمْ شُرِكُوا فِي
الْهَدْيِ.
وعَنْ أُمّ عُمَارَةَ، قَالَتْ: لَمْ
يَتَخَلّفْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ إلّا اعْتَمَرَ عُمْرَةَ
الْقَضِيّةِ، إلّا مَنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ، فَخَرَجْت وَنِسْوَةٌ مَعِي فِي
الْحُدَيْبِيَةِ فَلَمْ نُصَلّ إلَى الْبَيْتِ، فَقَصّرْنَ مِنْ أَشْعَارِهِنّ
بِالْحُدَيْبِيَةِ ثُمّ اعْتَمَرْنَ مَعَ
النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَضَاءً لِعُمْرَتِهِنّ، وَنَحَرَ
رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَكَانَ مِمّنْ شَهِدَ
الْحُدَيْبِيَةَ وَقُتِلَ بِخَيْبَرَ وَلَمْ يَشْهَدْ عُمْرَةَ الْقَضِيّةِ:
رَبِيعَةُ بْنُ أَكْثَمَ، وَرِفَاعَةُ بْنُ مَسْرُوحٍ، وَثَقْفُ بْنُ عَمْرٍو،
وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ وَهْبٍ الأسدي، وأبو ضيّاح، وَالْحَارِثُ
بْنُ حَاطِبٍ، وَعَدِيّ بْنُ مُرّةَ بْنِ سراقة، وأوس بن حبيب، وأنيف ابن وائلة،
وَمَسْعُودُ بْنُ سَعْدٍ الزّرَفِيّ، وَبِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ، وَعَامِرُ بْنُ
الْأَكْوَع.
وَكَانَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
يُحَدّثُ أَنّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ فِي
الْقَضِيّةِ أَنْ يَهْدُوا، فَمَنْ وَجَدَ بَدَنَةً مِنْ الْإِبِلِ نَحَرَهَا،
وَمَنْ لَمْ يَجِدْ بَدَنَةً رَخّصَ لَهُمْ فِي الْبَقَرَةِ، فَقَدِمَ فُلَانٌ
بِبَقَرٍ اشْتَرَاهُ النّاسُ مِنْهُ.
وعن حِزَام بْن هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنّ
خِرَاشَ بْنَ أُمَيّةَ حَلَقَ رَأْسَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ عِنْدَ الْمَرْوَةِ،
وعَنْ مُحَمّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبّانَ،
أَنّ الّذِي حَلَقَهُ مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْعَدَوِيّ.
وعن سعيد ابن الْمُسَيّبِ، قَالَ: لَمّا
قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُسُكَهُ دَخَلَ
الْبَيْتَ، فَلَمْ يَزَلْ فِيهِ حَتّى أَذّنَ بِلَالٌ بِالظّهْرِ فَوْقَ ظَهْرِ
الْكَعْبَةِ، كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ
بِذَلِكَ،
وعَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ، قَالَ: لَمْ
يَدْخُلْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَعْبَةَ فِي
الْقَضِيّةِ، قَدْ أَرْسَلَ إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَأَبَوْا
وَقَالُوا: لَمْ يَكُنْ فِي شَرْطِك، وَأَمَرَ بَلَالًا فَأَذّنَ فَوْقَ
الْكَعْبَةِ يَوْمئِذٍ مَرّةً وَلَمْ يَعُدْ بَعْدُ، وَهُوَ الثّبْتُ.
وعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، أَنّ النّبِيّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَجَعَلَتْ
أَمْرَهَا إلَى الْعَبّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، فَزَوّجَهَا النّبِيّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْرِم، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ قَالَ:
لَمّا حَلّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوّجَهَا.
وعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ: إنّ عُمَارَةَ
بِنْتَ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ وَأُمّهَا سَلْمَى بِنْتَ عُمَيْسٍ كَانَتْ
بِمَكّةَ، فَلَمّا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كَلّمَ عَلِيّ عَلَيْهِ
السّلَامُ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: عَلَامَ نَتْرُكُ
بِنْتَ عَمّنَا يَتِيمَةً بَيْنَ ظَهْرَيْ الْمُشْرِكِينَ؟ فَلَمْ يَنْهَهُ
النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إخْرَاجِهَا، فَخَرَجَ بِهَا،
فَتَكَلّمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَكَانَ وَصِيّ حَمْزَةَ، وَكَانَ النّبِيّ
صلّى الله عليه وسلم آخَى بَيْنَهُمَا حِينَ آخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ،
فَقَالَ: أَنَا أَحَقّ بِهَا، ابْنَةُ أَخِي! فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ جَعْفَرٌ
قَالَ: الْخَالَةُ وَالِدَةٌ، وَأَنَا أَحَقّ بِهَا لِمَكَانِ خَالَتِهَا عِنْدِي،
أَسَمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، فَقَالَ عَلِيّ عَلَيْهِ السّلَامُ: أَلَا أَرَاكُمْ
فِي ابْنَةِ عَمّي، وَأَنَا أَخَرَجْتهَا مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ،
وَلَيْسَ لَكُمْ إلَيْهَا نَسَبٌ دُونِي، وَأَنَا أَحَقّ بِهَا مِنْكُمْ! فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَا أَحْكُمُ بَيْنَكُمْ!
أَمّا أَنْتَ يَا زَيْدُ فَمَوْلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَأَمّا أَنْتَ يَا عَلِيّ
فَأَخِي وَصَاحِبِي، وَأَمّا أَنْتَ يَا جَعْفَرُ فَتُشْبِهُ خَلْقِي وَخُلُقِي،
وَأَنْتَ يَا جَعْفَرُ أَحَقّ بِهَا! تَحْتَك خَالَتُهَا، وَلَا تُنْكَحُ
الْمَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا وَلَا عَلَى عَمّتِهَا» فَقَضَى بِهَا
لِجَعْفَرٍ.
قَالَ ابْنُ وَاقِدٍ: فَلَمّا قَضَى بِهَا
لِجَعْفَرٍ قَامَ جَعْفَرٌ فَحَجَلَ حَوْلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما هَذَا يَا جَعْفَرُ؟» قَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ، كَانَ النّجَاشِيّ إذَا أَرْضَى أَحَدًا قَامَ فَحَجَلَ حَوْلَهُ،
فَقِيلَ لِلنّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَزَوّجْهَا! فَقَالَ: «ابْنَةُ
أَخِي مِنْ الرّضَاعَةِ!» فَزَوّجَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ سَلَمَةَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ. فَكَانَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «هَلْ جَزَيْت سَلَمَةَ؟».