Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

تحرير سيناء: دراسة نفسية لإعادة بناء الوجدان المصري

تحرير سيناء: دراسة نفسية لإعادة بناء الوجدان المصري

لا يمثل تحرير سيناء مجرد استرداد لقطعة أرض مسلوبة، بل هو في جوهره "عملية استشفاء نفسي" من صدمة نفسية عنيفة، إن الانتقال من انكسار ١٩٦٧م إلى ملحمة ١٩٧٣ وصولًا إلى التحرير الكامل، وهو أكبر دليل على قدرة المجتمع المصري على ترك مشاعر الضعف واليأس، واستعادة الثقة في نفسه وقدرته على تغيير الواقع.

كسر "العجز المتعلم" وصناعة الأمل

في أعقاب يونيو ١٩٦٧م، تعرض الإنسان المصري لما يسميه عالم النفس مارتن سليجمان بـ "العجز المتعلم"، وهو وصول الفرد أو الجماعة إلى قناعة بأن الظروف السيئة حتمية ولا يمكن تغييرها مهما بذلوا من جهد، نتيجة تكرار الصدمات.

وقد أشار الدكتور: قدري حفني -رائد علم النفس السياسي في مصر- في دراساته حول الصراع العربي الإسرائيلي، إلى أن الحرب النفسية التي خاضها العدو لم تكتفِ بالجانب العسكري، بل سعت لتحويل الهزيمة إلى انكسار نفسي دائم؛ وذلك من خلال حملات ممنهجة لتضخيم قدرات الطرف الآخر وتقزيم الذات العربية في وعي المواطن.

وهنا جاء "العبور" في أكتوبر ١٩٧٣م ليكون الأداة السيكولوجية الحاسمة التي نسفت هذا التوجه، فقد أطاح باليقين الزائف بالعجز، واستبدل شعور "الدونية" بإيمان عميق بـ "الكفاءة الذاتية"، حيث استرد المصري ثقته في قدرته على التأثير، وتحول من ضحيةٍ للظروف إلى صانعٍ للواقع.

سيناء كجزء من "مفهوم الذات"

في علم النفس الاجتماعي، لا تُعتبر الأرض مجرد حيز مكاني، بل هي مكون أصيل في "الهوية الاجتماعية".

وقد عبّر عالم الجغرافيا والمفكر الكبير الدكتور: جمال حمدان عن هذه الحقيقة في كتابه (شخصية مصر)، إذ يقول: "إن سيناء ليست مجرد صندوق من الرمل، إنها صندوق من الذهب، ولكن قيمتها النفسية في الضمير المصري تفوق قيمتها المادية، فهي تمثل قدسية التراب الذي لا يقبل التجزئة".

لذلك فإن انفصال سيناء كان يعني "بترًا سيكولوجيًا" في جسد الهوية المصرية؛ لذا فإن التحرير كان بمثابة "إعادة الالتئام للهوية"، وهو ما يفسر حالة الابتهاج الجمعي التي تجاوزت حدود المكسب العسكري إلى الشعور باستعادة الكرامة الشخصية لكل مواطن.

سيكولوجية المقاتل (الثبات الانفعالي والدافعية)

لم يكن تحرير سيناء مجرد معركة عسكرية، بل كان ثمرة لإعادة صياغة عميقة في "المنظومة القيمية" للمقاتل المصري، حيث تحول بؤرة التركيز من غريزة "البقاء والخوف من الفقد" إلى دافعية "الانتصار أو الشهادة"

فالمقاتل في تلك الفترة لم يكن يعتمد على سلاحه وحده، بل استمد قوته من "عقيدة استعادة الحق"، وهي طاقة نفسية فعّالة تعمل على تحييد مشاعر الخوف، وتمنح الإنسان قدرة استثنائية على التفكير والإبداع حتى تحت ضغوط الحرب القاسية.

وأثبتت الدراسات التي أُجريت على المقاتلين في تلك الفترة أن "الروح المعنوية" كانت في أعلى مستوياتها نتيجة وضوح الهدف، وهو ما يقلل من نسب الإصابة بـ (اضطراب ما بعد الصدمة)؛ لأن المقاتل هنا يمتلك (معنى) لوجوده وتضحياته، تماشيًا مع مدرسة فيكتور فرانكل في العلاج بالمعنى.

من "هياج الحرب" إلى "حكمة السلام"

لم ينتهِ التحرير بإطلاق الرصاصة الأخيرة، بل كان ذلك إيذانًا ببدء مرحلة جديدة لا تقل صعوبة، وهي مرحلة "المفاوضات"، ويحلل علماء النفس السياسي هذه الخطوة بوصفها نقلة نوعية في الوعي الجمعي، فقد كان لزامًا على المجتمع أن ينتقل من حالة "الاندفاع العاطفي" التي تغذيها مشاعر الحماسة، إلى حالة من "العقلانية الاستراتيجية" التي تتطلب ضبط النفس، والصبر، والقدرة على رؤية المصلحة العليا على المدى البعيد.

لقد كانت هذه الرحلة النفسية صبورة وممتدة حتى توجت بـ ٢٥ أبريل عام ١٩٨٢م، وهو اليوم الذي لم يمثل فقط عودة الأرض، بل جسّد ذروة الانتصار السياسي والدبلوماسي، حيث استُكمل تحرير سيناء بالكامل، إن هذه القدرة على تحويل طاقة الحرب إلى مسارات بناء في السياسة والدبلوماسية تُعد مؤشرًا على نضج الشخصية الوطنية، فهي تعكس انتقالًا من التفكير الانفعالي المباشر إلى التفكير التحليلي الهادئ، مما يضمن أن ما تحقق في الميدان بالتضحيات، قد أُحكمت سيادته الكاملة على طاولة المفاوضات.

الخلاصة

إن تحرير سيناء سيظل الدرس الأهم في تاريخنا الحديث، ليس لأنه أعاد لنا الأرض، بل لأنه أعاد لنا "أنفسنا"، لقد أثبتت هذه الملحمة أن الإرادة قادرة على تطويع الواقع، وأن الهزيمة النفسية هي الوحيدة التي لا يمكن الجبر منها، أما الهزيمة العسكرية فما هي إلا محطة نحو انتصار أكبر لمن يمتلك وعيًا نفسيًا صلبًا.

موضوعات ذات صلة

مصر عبر تاريخها كانت مركزًا حضاريًا عالميًا، وتضم الشعوب والثقافات من كل حدب وصوب.

يتميز الإنسان المصري بارتباطه العميق بالسماء والإيمان بالغيب، حيث تجلى تدينه عبر التاريخ في بناء المعابد والكنائس والمساجد.

يتميز الإنسان المصري بارتباطه العميق بالسماء والإيمان بالغيب، حيث تجلى تدينه عبر التاريخ في بناء المعابد والكنائس والمساجد.

الإنسان المصري إنسان قوي، صلب، مقدام، وترجع قوة الإنسان المصري في الأساس إلى قدرته على البقاء والاستمرار.