الخطبة الأولى
الحمدُ للهِ الذي أحسنَ كلَّ شيءٍ خلقَه، وأتقنَ كلَّ ما صَنعَه، وأبدعَ الموجوداتِ على غير مثالٍ سبق، والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا محمدٍ، خيرِ من قامَ بما أُمرَ به من ربِّه، فبلَّغَ الرسالة، وأدَّى الأمانة، وبذلَ في سبيلِ ذلك كلَّ جهدٍ، حتى أشرقت بنور دعوته الآفاق، واهتدت به القلوبُ بعد ضلال، أما بعدُ...
فإنه لا يكتمل إيمان المرء إلا بإحسان صنعته وإتقان عمله والقيام بواجباته على أكمل وجه؛ فالإيمان الحق يدفع صاحبه للإتقان.
الإيمان يعلم الإتقان سواء في العبادة أو في غيرها:
الإتقان غاية شرعية قائمة على الإحسان تدفع للقيام بما ينفع الإنسانية، كما قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًاُ﴾ [الملك: ٢]، والإحسان أساسه المراقبة، قال ﷺ: «الإحسانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، فإذا بلغ العبد مرتبة الإحسان التي هي عين الإتقان ضُوعِف أجرُه، فعنه ﷺ: «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى اللهَ» [متفق عليه]، وغُفر ذنبه، فعنه ﷺ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِه» [رواه مسلم]، ولا يقتصر الإتقان على الحياة بل يشمل الجنائز؛ قال ﷺ: «إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ» [رواه مسلم].
وحذر سيدنا ﷺ من ترك الإتقان في الصلاة، فقال: «أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً، الَّذِى يَسْرِقُ صَلاتَهُ»، قالوا: يا رسول الله، كيف يسرقها؟ قال: «لا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلا سُجُودَهَا» [رواه أبو يعلى في مسنده].
الإتقان أساس انتظام الكون:
الإتقانُ منهجُ حياةٍ وسُنَّةُ كون؛ به تنتظمُ الأمور وتُبنى الحضارات؛ فلزم في العبادة والعمل؛ قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
والإحسانُ يشمل الإتقانَ والإتمامَ، قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨]؛ أي أحكمَه وأوثقه [جامع البيان للطبري]، وقال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: ٧]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٦-٧]، وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً مَا تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٣-٤] إيماءٌ إلى أن هذا النظام المُتقن اقتضته رحمته بالخلق؛ فلو وُجد تفاوتٌ لاختلَّ النظام، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: ٥].
الإتقان ضرورة إنسانية وفريضة شرعية:
الإتقان محبوب عند الله، قال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ عز وجل يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» [المعجم الأوسط للطبراني وشعب الإيمان للبيهقي]، فيشمل الدين والدنيا، والعبادة والسلوك، قال وُهيب بن الوَرْد: "لا يكن همّ أحدكم في كثرة العمل، ولكن ليكنْ همّه في إحكامه وتحسينه، فإن العبد قد يصلّي وهو يعصي الله في صلاته، وقد يصوم وهو يعصي الله في صيامه" [صفة الصفوة]؛ وعلى ذلك فالإتقان: أداء العمل على أكمل وجه، مع إحكامه، وإخلاص النية فيه [موسوعة الأخلاق للخراز].
والإتقان فريضة شرعية وضرورة إنسانية، قَال ﷺ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ» [رواه مسلم]، قال ابن علان المكي: "أي أوجب وقدر على الإنسان إيقاعه على مقتضى الشرع، والإحسان لُبُّ الإيمان والإسلام، وما من ركن إلا وقُرن به إحسان لائق به" [الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية، لمحمد بن علان المكي]، وقال ابن رجب الحنبلي: "وهذا الحديثُ يدلُّ على وجوب الإحسانِ في كل شيء من الأعمال، لكن إحسان كُلِّ شيء بحسبه" [جامع العلوم والحكم].
دعوة القرآن إلى إتقان العمل:
أشار القرآن الكريم إلى إحكام الصنعة في مواضع عدة، منها: قصة ذي القرنين وبناء السد، قال تعالى: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ [الكهف: ٩٥- ٩٦]، قال الحافظ ابن كثير: "وأما السد.. فلا يُعرف على وجه الأرض بناءٌ أجل منه، ولا أنفع للخلق منه في أمر دنياهم" [البداية والنهاية، لابن كثير].
وكذلك في الصرح في كلام سليمان - عليه السلام: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ [النمل: ٤٤]، قال ابن كثير: "أمر سليمان عليه السلام الشياطين فبنوا لها قصراً عظيماً من قوارير (زجاج) وأجرى تحته الماء، فمن لا يعرفه يحسبه ماءً، وكان غرضه أن يريها مُلكًا وسلطانًا أعظم من مُلكها، ﴿فَلَمَّا رَأَتۡهُ حَسِبَتۡهُ لُجَّةࣰ وَكَشَفَتۡ عَن سَاقَیۡهَاۚ﴾ لتخوضه، فقيل لها: ﴿إِنَّهُۥ صَرۡحࣱ مُّمَرَّدࣱ مِّن قَوَارِیرَۗ﴾، وحينها دعاها سليمان لعبادة الله وحده" [تفسير القرآن العظيم لابن كثير]؛ فكان الإتقان سببًا في إسلامها حين قالت: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٤٤].
وفي قصة داود – عليه السلام-: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١]، "والتقدير هو الإحكام والإجادة في نسج الدروع [التفسير الوسيط للقرآن الكريم، مولانا أ.د/ محمد سيد طنطاوي].
وحرص النبي ﷺ على تعليم الإتقان عمليًّا حتى للنشء، فقال لغلام يسلخ شاة: «تَنَحَّ حَتَّى أُرِيَكَ، فَإِنِّي لَا أَرَاكَ تُحْسِنُ تَسْلُخُ، قَالَ: فَأَدْخَلَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَهُ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ، فَدَحَسَ بِهَا حَتَّى تَوَارَتْ إِلَى الْإِبْطِ، ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَكَذَا يَا غُلَامُ فَاسْلُخْ، ثُمَّ انْطَلَقَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَلَمْ يَمَسَّ ماء» [رواه ابن حبان].
وفي السعي وطلب الرزق قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥]، والمناكب: "هي الجبال أو الفجاج أو أطراف الأرض" [النكت والعيون].
حضارات الأمم تبنى بعقول المتقنين وسواعدهم:
قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨].
وفي إتقان البيان: عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ أَبَاهُ زَيْدًا أَخْبَرَهُ: "أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، قَالَ زَيْدٌ: ذُهِبَ بِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأُعْجِبَ بِي، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا غُلَامٌ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، مَعَهُ مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ بِضْعَ عَشْرَةَ سُورَةً، فَأَعْجَبَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ: «يَا زَيْدُ، تَعَلَّمْ لِي كِتَابَ يَهُودَ، فَإِنِّي وَاللهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي» قَالَ زَيْدٌ: فَتَعَلَّمْتُ لَهُ كِتَابَهُمْ، مَا مَرَّتْ بِي خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حَتَّى حَذَقْتُهُ -أتقنته وأحكمته- وَكُنْتُ أَقْرَأُ لَهُ كُتُبَهُمْ إِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ، وَأُجِيبُ عَنْهُ إِذَا كَتَبَ" [رواه أحمد في المسند].
ولَمَّا دَخَلَ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ الْمَسْجِدَ نَادَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ وَرَاءِ حُجُرَاتِهِ: أَنْ اُخْرُجْ إلَيْنَا يَا مُحَمَّدُ، فَآذَى ذَلِكَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ صِيَاحِهِمْ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، جِئْنَاكَ نُفَاخِرُكَ، فَأْذَنْ لِشَاعِرِنَا وَخَطِيبِنَا، قَالَ: قَدْ أَذِنْتُ لِخَطِيبِكُمْ فَلْيَقُلْ، فَقَامَ عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ، فَقَالَ، وَكَانَ حَسَّانُ غَائِبًا، فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ حَسَّانُ: جَاءَنِي رَسُولُهُ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ إنَّمَا دَعَانِي لِأُجِيبَ شَاعِرَ بَنِي تَمِيمٍ، فَخَرَجْتُ فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَامَ شَاعِرُ الْقَوْمِ، فَقَالَ مَا قَالَ، وَقُلْتُ عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ، فقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: لَخَطِيبُهُ أَخْطَبُ مِنْ خَطِيبِنَا، وَلَشَاعِرُهُ أَشْعَرُ مِنْ شَاعِرِنَا، وَلِأَصْوَاتِهِمْ أَحْلَى مِنْ أَصْوَاتِنَا، فَلَمَّا فَرَغَ الْقَوْمُ أَسْلَمُوا، وَجَوَّزَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَحْسَنَ جَوَائِزَهُمْ" [السيرة النبوية لابن هشام بتصرف].
وعن قيمة العمل: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «طَلَبُ الْحَلَالِ جِهَادٌ، وَإِنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ يُحِبُّ الْعَبْدَ الْمُحْتَرِفَ» [رواه ابن أبي الدنيا]، وقال ذو النون: "ثلاثة من أعلام الخير في التاجر، ترك الذم إذا اشترى، والمدح إذا باع خوفا من الكذب، وبذل النصيحة للمسلمين حذرًا من الخيانة، والوفاء في الوزن إشفاقًا من التطفيف، وثلاثة من أعلام الخير في المكاسب، حفظ اللسان، وصدق الوعد، وإحكام العمل" [شعب الإيمان للبيهقي].
وشمل الإتقان أدق التفاصيل، فكان النبي ﷺ يوجه من يحفر القبر قائلًا: «خُذْ مِنْ مَوْضِعِ كَذَا، وَسَوِّ مَوْضِعَ كَذَا»، حَتَّى ظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ سُنَّةٌ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى النَّاسِ فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا لَا يَنْفَعُ الْمَيِّتَ وَلَا يَضُرَّهُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مِنَ الْعَامِلِ إِذَا عَمِلَ شَيْئًا أَنْ يُجَوِّدَهُ» [معجم الصحابة لابن قانع].
احتراف المهن باب رزق ومغفرة ذنوب:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلَالًا اسْتِعْفَافًا عَنِ الْمَسْأَلَةِ وَسَعْيًا عَلَى أَهْلِهِ وَتَعَطُّفًا عَلَى جَارِهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجْهُهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلَالًا مُفَاخِرًا مُكَاثِرًا مُرَائِيًا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» [مسند إسحاق بن راهوية]، وعَنْه رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ مِنَ الذُّنُوبِ ذُنُوبًا لَا تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَلَا الصِّيَامُ وَلَا الْحَجُّ وَلَا الْعُمْرَةُ» قَالُوا: فَمَا يُكَفِّرُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْهُمُومُ فِي طَلَبِ الْمَعِيشَةِ» [المعجم الأوسط للطبراني].
كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "ما من موضعٍ يأتيني الموتُ فيه أحَبُّ إلىَّ من موطن أَتَسَوَّق فيه لأهلي أبيع وأشتري" [إحياء علوم الدين]، وقال عمر رضي الله عنه: "من اتَّجَر في شيء ثلاث مرات فلم يصِبْ فيه شيئًا، فليتحول إلى غيره"، وقال أيضًا: "تعلموا المهنةَ فإنه يوشك أن يحتاج أحدُكم إلى مِهنة" [التراتيب الإدارية لعبد الحي الكتاني].
حث الإسلام على اتخاذ المهنة للكسب مهما كانت بسيطة فهي خير من المسألة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَتَصَدَّقَ مِنْهُ فَيَسْتَغْنِيَ بِهِ عَنْ النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا أَفْضَلُ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» [رواه الترمذي].
حسن التوكل على الله من الإتقان:
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢]، وفي الحرف (على) إشارة إلى تفويض الأمور كليًّا لله القوي العزيز؛ فالمتوكل ينال الأجر والسكينة، وغيره يزداد ألمه وخيبة أسبابه [نظم الدرر في تناسب الآيات والسور]، وحيث إن السماء لا تمطر ذهبًا، وجب الأخذ بالأسباب؛ لقوله ﷺ: «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ؛ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا» [رواه الترمذي وحسنه].
واعتبر القرطبي قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] "أصلًا في اتخاذ الصنائع، وأن الطعن في الأسباب طعن في الكتاب والسنة" [الجامع لأحكام القرآن].
وضرب الله مثلاً بمريم عليها السلام حين أمرها: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥]، قال ابن عجيبة: "إن تحريك الأسباب الشرعية لا ينافي التوكل، لقوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ﴾ لكن إذا كانت خفيفة مصحوبة بإقامة الدين غير معتمد عليها بقلبه، فإن كان متجردًا فلا يرجع إليها حتى يكمل يقينه، ويتمكن في معرفة الحق تعالى، وقد كانت في بدايتها تأتي إليها الأرزاق بغير سبب كما في «سورة آل عمران»، وفي نهايتها قال لها: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ﴾"، وقال سيدي أبو العباس المرسي - رضي الله عنه -: "كانت في بدايتها متعرفًا إليها بخرق العادات، وسقوط الأسباب، فلما تكمَّل يقينها رجعت إلى الأسباب، والحالة الثانية أتم من الحالة الأولى" [البحر المديد في تفسير القرآن المجيد].
ولله در القائل:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِمَرْيَمَ * * * وَهُزِّي إِلَيْكَ الْجِذْعَ يَسَّاقَطِ الرُّطَبُ
وَلَوْ شَاءَ أَنْ تَجْنِيَهُ مِنْ غَيْرِ هَزِّهِ * * * جَنَتْهُ وَلَكِنْ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ سَبَبُ
الأجر على قدر الإتقان:
التعب في العمل المتقن بابٌ للمغفرة؛ قال ﷺ: «مَنْ أَمْسَى كَالًّا مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ أَمْسَى مَغْفُورًا لَهُ» [رواه الطبراني في "المعجم الأوسط]، وبنقص الإتقان ينقص الأجر؛ لقوله ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ، تُسْعُهَا ثُمْنُهَا سُبْعُهَا سُدْسُهَا خُمْسُهَا رُبْعُهَا ثُلُثُهَا نِصْفُهَا» [رواه أبو داود]، وفي الحديث القدسي: «.. يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» [رواه مسلم]، وقد وعد الله المتقنين بحفظ أجورهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠].
إتقان العمل أمانة:
العمل أمانة يُسأل عنها المرء يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لَأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ٨]، والإهمال خيانةٌ للأمانة، خاصة مع تقاضي الأجر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]، وخيانة الأمانة من علامات النفاق؛ قَالَ ﷺ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» [متفق عليه].
عوامل إجرائية لإتقان العمل:
يتحقق الإتقان عبر خطوات عملية تُترجم القيم إلى سلوك منضبط، وهي:
- وضوحُ النية فاستحضار الغاية يجعل العمل رسالة تتجاوز مجرد الواجب.
- التخطيطُ الجيد؛ بتحديد الأهداف وتنظيم الأولويات لتركيز الجهد وضمان الجودة.
- اكتسابُ المهارة: بالتعلم المستمر والممارسة التي تصقل الكفاءة وتدفع للتميز.
- المراقبةُ الذاتية؛ بمحاسبة النفس ومراجعة العمل بعين الناقد لتحسين الأداء.
- الالتزامُ بالمعايير الأخلاقية؛ كالأمانة والصدق، فالإتقان الحقيقي يقوم على القيم.
- إدارةُ الوقت بكفاءة؛ باستثمار الزمن وتجنب التسويف لإنجاز العمل بلا تقصير..
- العمل الجماعي؛ فتبادل الخبرات يكمل النقص ويرتقي بمستوى الأداء.
- تقبل النقد؛ بالاستفادة من الملاحظات البنّاءة لاختصار طريق التحسين.
- العنايةُ بالتفاصيل؛ فالإتقان يظهر في الجزئيات الدقيقة قبل الكليات الكبرى.
- الاستمراريةُ فالتطوير الدائم يحول الإتقان من فكرة إلى أسلوب حياة
بهذه العوامل العملية، يتحول الإتقان من فكرةٍ مثالية إلى واقعٍ ملموس، ومن قيمةٍ نظرية إلى أسلوب حياة يُثمر جودةً في العمل، وسموًا في الأخلاق.
*****
الخطبة الثانية
الاحتيال المالي أو (المستريح) من أخطر المشكلات التي تستهدف البسطاء، مستغلةً احتياجهم للربح السريع، عن طريق إغراء الناس بعوائد مرتفعة مقابل استثمارات وهمية؛ مما يترتب عليه ضياع أموال آلاف الأسر وإفلاسهم.
من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه:
روى أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَإِسْنَادُ أَحَدِهِمْ حَسَنٌ: «يَدْعُو اللَّهُ بِصَاحِبِ الدَّيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ فِيمَ أَخَذْت هَذَا الدَّيْنَ؟ وَفِيمَ ضَيَّعْتَ حُقُوقَ النَّاسِ؟ فَيَقُولُ يَا رَبِّ إنَّك تَعْلَمُ أَنِّي أَخَذْتُهُ فَلَمْ آكُلْ وَلَمْ أَشْرَبْ وَلَمْ أَلْبَسْ وَلَمْ أُضَيِّعْ، وَلَكِنْ إمَّا حَرَقٌ وَإِمَّا سَرَقٌ وَإِمَّا وَضِيعَةٌ: أَيْ بَيْعٌ بِأَقَلَّ مِمَّا اشْتَرَى بِهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ صَدَقَ عَبْدِي أَنَا أَحَقُّ مَنْ قَضَى عَنْكَ فَيَدْعُو اللَّهُ بِشَيْءٍ فَيَضَعُهُ فِي كِفَّةِ مِيزَانِهِ، فَتَرْجَحُ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ».
من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله:
عدَّ الهيتمي الاستدانة بنية عدم الوفاء من الكبائر، لقوله ﷺ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللهُ» [رَوَاهُ البُخَارِيّ وَابْن مَاجَه وَغَيرهمَا].
قال ابن بطَّال: "فيه الحض على ترك استئكال أموال الناس والتنزه عنها، والترغيب في حسن التأدية إليهم عند المداينة، وأن الجزاء من جنس العمل".
آكل أموال الناس لا يدخل الجنة:
فعَن مُحَمَّد بن عبد الله بن جحش رَضِي الله عَنهُ قَالَ: "كَانَ رَسُول الله ﷺ قَاعِدا حَيْثُ تُوضَع الْجَنَائِز، فَرفع رَأسه قِبَل السَّمَاء ثمَّ خفض بَصَره فَوضع يَده على جَبهته، فَقَالَ: «سُبْحَانَ الله سُبْحَانَ الله مَا أنزل من التَّشْدِيد» قَالَ: فَعرفنَا وسكتنا حَتَّى إِذا كَانَ الْغَد سَأَلت رَسُول الله ﷺ فَقُلْنَا: مَا التَّشْدِيد الَّذِي نزل؟ قَالَ: «فِي الدَّيْن، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو قُتل رجلٌ فِي سَبِيل الله ثمَّ عَاشَ ثمَّ قتل ثمَّ عَاشَ ثمَّ قتل وَعَلِيهِ دَيْنٌ مَا دَخَلَ الْجنَّةَ حَتَّى يُقْضى دينُه» [رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَالْحَاكِم وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ: صَحِيح الْإِسْنَاد].
أموال الناس تؤخذ من حسنات العبد يوم القيامة:
روى الطَّبَرَانِيُّ: «الدَّيْنُ دَيْنَانِ فَمَنْ مَاتَ وَهُوَ يَنْوِي قَضَاءَهُ فَأَنَا وَلِيُّهُ، وَمَنْ مَاتَ وَهُوَ لَا يَنْوِي قَضَاءَهُ فَذَلِكَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ لَيْسَ يَوْمَئِذٍ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ»، وللطبراني أيضا فِي الصَّغِيرِ وَالْأَوْسَطِ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ: «أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى مَا قَلَّ مِنْ الْمَهْرِ أَوْ كَثُرَ لَيْسَ فِي نَفْسِهِ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهَا حَقَّهَا خَدَعَهَا فَمَاتَ وَلَمْ يُؤَدِّ إلَيْهَا حَقَّهَا لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ زَانٍ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ اسْتَدَانَ دَيْنًا لَا يُرِيدُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ إلَى صَاحِبِهِ خَدَعَهُ حَتَّى أَخَذَ مَالَهُ فَمَاتَ وَلَمْ يُؤَدِّ إلَيْهِ دَيْنَهُ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ سَارِقٌ».
آكل أموال الناس غادر:
عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ، وَلَمْ يُوفِهِ أَجْرَهُ» [أَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي مُسْنَده].
إجراءات عملية لمواجهة مشكلة المستريح:
- التروي؛ وعدم الاندفاع وراء الربح السريع، فمعظم الاحتيال يعتمد على استعجال الضحية.
- التحقق؛ من الترخيص والسجل التجاري والسمعة، وعدم الاكتفاء بالوعود.
- المستند الرسمي؛ عدم تسليم أموال دون عقد مكتوب يحدد الحقوق والالتزامات.
- استشارة أهل الخبرة؛ سؤال المختصين في المال والقانون قبل أي شراكة.
- القنوات الرسمية؛ تجنب التسليم النقدي والاعتماد على البنوك لحفظ الحقوق.
- الحذر؛ من الوعود غير المنطقية بأرباح كبيرة في وقت قصير بلا مخاطر.