لا يقتصر حديث الإمام الغزالي عن منكرات الشوارع على تنظيم المرور أو حفظ النظام العام، بل يقدم رؤية تربوية تجعل حق الطريق في الإسلام ميدانًا لتهذيب النفس، وترسيخ قيم الرحمة والتواضع واحترام حقوق الآخرين.
لا يقتصر حديث الإمام الغزالي عن منكرات الشوارع على تنظيم المرور أو حفظ النظام العام، بل يقدم رؤية تربوية تجعل حق الطريق في الإسلام ميدانًا لتهذيب النفس، وترسيخ قيم الرحمة والتواضع واحترام حقوق الآخرين.
مما لا شك فيه أن رقي الحضارات يقاس بمدى نبل السلوك الإنساني في تفاصيل الحياة اليومية، وتحديدًا في قضية حق الطريق الذي تتقاطع فيه مصالح الناس وحرياتهم، ومن جماليات التراث تعد قضية "نظام الشارع" جزءاً أصيلاً من المنظومة الأخلاقية والروحية، وتتجاوز القوانين البلدية الجافة لتصبح عبادة وقربة تتقرب بها النفوس إلى بارئها، ويبرز الإمام أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥هـ) في كتابه "إحياء علوم الدين" كأحد أهم من صاغوا "أدب الطريق " برؤية تربوية فريدة، إذ يربط حركة الإنسان داخل الشارع بطهارة باطنه ونقاء نفسه، ويجعل من نظافة الطريق وسكينة المارة سبيلاً لترقي السالك في مقامات القرب من الله عز وجل.
وفيما يلي، نضع هذا الجزء الذي سطره الغزالي من كتاب الإحياء ، ثم نتبعه بتحليل سلوكي يفكك أبعاده الإنسانية والروحية :
قال الإمام الغزالي:[ منكرات الشوارع) :فمن المنكرات المعتادة فيها وضع الأسطوانات، وبناء الدكات متصلة بالأبنية المملوكة، وغرس الأشجار، وإخراج الرواشن والأجنحة، ووضع الخشب، وأحمال الحبوب والأطعمة على الطرق، فكل ذلك منكر إن كان يؤدي إلى تضييق الطرق، واستضرار المارة، وإن لم يؤد إلى ضرر أصلاً لسعة الطريق، فلا يمنع منه، نعم يجوز وضع الحطب وأحمال الأطعمة في الطريق في القدر الذي ينقل إلى البيوت فإن ذلك يشترك في الحاجة إليه الكافة، ولا يمكن المنع منه، وكذلك ربط الدواب على الطريق بحيث يضيق الطريق، وينجس المجتازين منكر يجب المنع منه إلا بقدر حاجة النزول والركوب، وهذا لأن الشوارع مشتركة المنفعة وليس لأحد أن يختص بها إلا بقدر الحاجة، والمرعى هو الحاجة التي ترد الشوارع لأجلها في العادة دون سائر الحاجات، ومنها سوق الدواب وعليها الشوك بحيث يمزق ثياب الناس فذلك منكر إن أمكن شدها وضمها بحيث لا تمزق أو أمكن العدول بها إلى موضع واسع وإلا فلا منع، إذ حاجة أهل البلد تمس إلى ذلك، نعم لا تترك ملقاة على الشوارع إلا بقدر مدة النقل، وكذلك تحميل الدواب من الأحمال ما لا تطيقه منكر يجب منع الملاك منه ..... ، وكذلك إذا كان له كلب عقور على باب داره يؤذي الناس فيجب منعه منه، وإن كان لا يؤذي إلا بتنجيس الطريق، وكان يمكن الاحتراز عن نجاسته لم يمنع منه، وإن كان يضيق الطريق ببسطه ذراعيه فيمنع منه، بل يمنع صاحبه من أن ينام على الطريق أو يقعد قعوداً يضيق الطريق فكلبه أولى بالمنع) [ينظر إحياء عوم الدين للغزالي ( ٢/٣٩ ٣ ) ط المعرفة].
وحين نُمعن النظر في هذه الأسطر النورانية الشريفة، ينكشف لنا كيف صاغ الغزالي آداب الطريق العام بلطائف التزكية وأسرار الترقية القلبية، وهي ما نلتمس أنوارها في المعالم التالية:
رعاية المشترك وقمع شهوة التملك
يؤسس الغزالي لمنع التعدي على الطريق بوضع الأخشاب أو بناء الدكات كعلاج مباشر لعلة "الأنانية والتعالي" الكامنة في النفوس، فالطريق في رؤية السالك ملك عام لخلق الله، واحترام هذا الطريق يعد تدريبًا عمليًا على التواضع والفناء عن حظ النفس، إذ يتنازل السالك عن رغبته في التوسع الفردي إيثارًا لراحة الآخرين وسلامتهم، وهو من صميم الأدب مع الخلق وتزكية النفس.
يتجلى رفق السالك في تفادي تنجيس المارة بربط الدواب، وتجنب تمزيق ثيابهم بسوق الشوك في المسالك الضيقة، هذا الملحظ يعكس حسًا جماليًا راقيًا يربط طهارة الظاهر بنقاء الباطن، فصيانة ثياب الناس وأبدانهم من الأذى تعد شُعبة إيمانية تترجم رحمة الله الخافية في قلوب السائرين، الذين يعبرون الدنيا كالنسمة الباردة تاركين خلفهم الأثر الطيب الجميل.
يمد الغزالي ولايته الشفيقة إلى الحيوان حيث يمنع تحميل الدواب فوق طاقتها، ويصنف ذلك منكرًا تجب مراجعته فورًا، فالإنسان العارف يرى في هذه المخلوقات تسبيحًا خفيًا وقدرة إلهية تتطلب الرفق والرعاية، هذه اللمسة الروحية تعيد صياغة علاقة الإنسان بالبيئة من حوله، لتكون علاقة رحمة متبادلة تستنزل تجليات اللطف الإلهي على العباد.
يختم الإمام نصه بمنع الكلب العقور، ومنع افتراش الطرق بما يضيق على الناس، مقدمًا طمأنينة العابرين على رغبات الأفراد الخاصة، فحفظ السكينة النفسية ودفع الخوف عن قلوب عباد الله يمثل مقصداً جليلاً في التربية السلوكية، فالقلب المطمئن في طريقه يتفرغ لذكر الله وطاعته، وصناعة البيئة الآمنة هي الثمرة الحقيقية للتصوف القائم على كف الأذى وبث السلام.
إن هذه الرؤية العميقة التي سطرها الإمام الغزالي تؤكد أن إصلاح المجتمع يبدأ من تهذيب السلوك اليومي البسيط في تفاصيله، العظيم في أثره الروحي والاجتماعي، فالطريق في منظور "حجة الإسلام" هو محراب مفتوح تتجلى فيه قيم الإسلام من رحمة، وجمال، وتواضع، ورعاية للضعيف والجماد والحيوان على حد سواء، وحين نعيد إحياء هذا الفهم الأخلاقي في عصرنا المعاصر، فإننا نحول مدننا وشوارعنا إلى مساحات تفيض بالسكينة والطمأنينة، ونرتقي بحياتنا اليومية لتصبح جسرًا حقيقيًا يربط طهارة الأرض بقدسية السماء، ويترجم صدق السير إلى الله تعالى في كل خطوة نخطوها بين الناس.
الحمدُ للهِ الذي جعلَ الاستقامةَ على شرعِهِ سلامةً وأمانًا.
لقد دلَّ القرآن الكريم على أهمية الطرق واعتبارها من نعم الله.
اهتم الإسلام بمفهوم المسئولية الاجتماعية في جانبيها.
قطع الطريق هو البروز لأخذ مال أو لقتل أو لإرعاب على سبيل المجاهرة.