Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

فما ظنكم برب العالمين

فما ظنكم برب العالمين

فما ظنكم برب العالمين؟ ليست مجرد تساؤل بل مرآة للعقيدة، فمن ظنَّ بربه خيرًا، أدرك عطاءه ولو تأخَّر فلحكمة الله ولطفه بك، ومن أيقن برحمته سبحانه وتعالى، عاش الأمل حتى في عمق الظلمة، وحسن الظن بالله هو نبض الإيمان، وروح الصبر، وبذرة العمل الصالح التي تثمر في القلب رضًا، وفي الحياة يقينًا.

مفهوم حسن الظن بالله

مع بداية عام هجري جديد، وفي خضم زحمة الحياة وتوالي الأحداث، وحين تشتد الخطوب وتتكاثر الهموم وتصعب الأزمات، قد يجد الإنسان نفسه غارقًا في دوَّامةٍ من الابتلاءات، وتضيق عليه الأرض بما رحبت، في تلك اللحظات الحرجة، يبرز سؤال قرآني عظيم يلامس شغاف القلوب وينير الدروب: {فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} [الصافات: ٨٧]؟ إنه ليس مجرد استفهام عابر، بل هو دعوة عميقة للتأمل في عظمة الخالق، في كماله وجلاله، في رحمته التي وسعت كل شيء، وقدرته التي لا يعجزها شيء، فهذا السؤال يحمل في طياته مفتاح الطمأنينة والسكينة والسعادة التي لا حدود لها، ومفتاح الإيمان الراسخ الذي لا يتزعزع ولا يلين تحت وطأة البلايا والمدلهمات.

حسن الظن في ضوء القرآن والسنة

فحسن الظن بالله هو جوهر الإيمان، وهو وقود الرُّوح الذي يدفعها نحو التفاؤل والأمل حتى في أحلك الظروف، فكانت لحظة الإمداد والعطاء في قصة سيدنا يوسف حينما برز هذا الخطاب على لسان يعقوب -عليه السلام: {يَٰبَنِيَّ ٱذۡهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَاْيۡـَٔسُواْ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡـَٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ} [يوسف: ٨٧]، فالناظر في تلك الآية الكريمة يرى أنها ليست مجرد قصة تاريخية، بل هي منهج حياة ودستور للأمل، إنها تؤكد أن اليأس لا يتسرب إلا إلى القلوب التائهة، تلك التي لم تتذوق حلاوة اليقين برب العالمين، فكيف يمكن لقلبٍ يؤمن بقدرة الله المطلقة أن يستسلم لليأس؟ وكيف لروحٍ تستشعر عظمة الخالق أن تظن أن الله يضيعها؟!

فحسن الظن في الله ليس مجرد وهمٍ أو تمنٍّ، بل هو حقيقة راسخة أكدها الجناب المعظَّم - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث قدسية تبعث على الطمأنينة واليقين، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: يقول الله -تعالى: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ».

فهذا الحديث القُدسي كنزٌ عظيم يفتح آفاقًا لا حدودَ لها للتفاؤل والأمل، فالله -سبحانه وتعالى- يعاملنا وفقًا لظننا به، فإن ظننت به خيرًا فخيرٌ تناله،  وإن ظننت به رحمة فرحمته تشملك، فمفتاح الرضا والطمأنينة يكمن في قلب العبد، وفي مدى إيمانه بربه.

فمع عامك الجديد تأمل معي قول الله -تعالى- في سورة الزمر: {قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} [الزمر: ٥٣] فهذه الآية تمثل دعوة مفتوحة لكل تائه وضال، لكل مخطئ ومذنب؛ ليعود إلى رحاب ربه،  إنها تجسيد لتجلي المغفرة الإلهية، وتأكيد على أن باب التوبة مفتوح على مصراعيه لا يُغلق أبدًا في وجه العائدين،  فكيف يمكن لقلبٍ يقرأ هذه الكلمات أن يستسلم لليأس من رحمة الله، أو أن يظن به غير المغفرة والعفو؟

حسن الظن في حياة الصحابة والصالحين

لقد أولى الصالحون من قبلنا أهمية قصوى لحسن الظن بالله، وجعلوه أساسًا لحياتهم وسر سعادتهم، وفي سيرة الصحابة والتابعين نجد صورًا مشرقة لحسن الظن بالله،  فهذا سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، كان يقول: "لو نودي من السماء: أيها الناس، كلكم يدخل الجنة إلا واحدًا، لخفت أن أكون هو، ولو نودي: أيها الناس، كلكم يدخل النار إلا واحدًا، لرجوت أن أكون هو". هذا التوازن بين الخوف والرجاء، مع غلبة جانب الرجاء وحسن الظن بالله، كان سمة عظماء الصحابة، فما بالك إذا كان البيان صادرًا من العظمة العمرية.

وهذا الإمام الشافعي - رحمه الله - يقول: "إذا ضاقت بك الدنيا، فاتخذ القرآن صاحبًا، واستبشر بالخير، فإن مع العسر يسرًا". وهذا يدل على أن حسن الظن بالله ليس مجرد شعورٍ عابرٍ، بل هو قناعة راسخةٌ تدفع إلى العمل والاستبشار، حتى في أشد الظروف قسوة.

ويقول الفضيل بن عياض -رحمه الله-: "حسن الظن بالله من الأعمال الصالحة، ومن أحْسَن الظن بالله أحسن الله إليه". هذا القول يؤكد على العلاقة الوثيقة بين حسن الظن والجزاء من الله، فكأن ظنك الحسن هو بذرة تنمو لتثمر خيرًا وفضلًا.

الخلاصة

فيا أيتها الروح المتعبة، ويا أيها القلب القلق، عُد إلى ربك، والزم بابه، واسأل بصدق:  فما ظنكم برب العالمين؟ هل ظننت به أنه السند والعون؟ هل ظننت به أنه مفرج الكربات ومجيب الدعوات؟ هل أيقنت بأنه لن يتركك وحيدًا في هذا المضمار؟

دع ظنك السيئ بربك يتبدد كسراب، واستبدله بظنٍّ يليق بعظمة الله وكبريائه، ظنٍّ يملأ قلبك سكينة، وروحك طمأنينة، ويجعلك تسير في دروب الحياة بخطى واثقة، مستشعرًا معية رب العالمين في كل خطوة، في كل نفَس، وفي كل لمحةٍ؛  لأن حسن الظن بالله هو معين لا ينضب من الأمل، ومنبع لا يجف من الطمأنينة، وهو السبيل إلى حياة يغمرها الرضا والسلام، فلتجعل من هذا السؤال نبراسًا يضيء لك الدروب، ويقوِّي عزيمتك، ويجدد إيمانك بأن الله -تعالى- أقرب إليك من حبل الوريد، وأرحم بك من نفسك، بل أحن عليك من الأم الوالدة بولدها، دام وصلك مع ربك.

موضوعات مختارة