القاعدة الأولى: المبادرة لتفنيد الفكر المتطرف بعد
الرصد والمتابعة:
وقد ظهر هذا جليا في سعي سيدنا عبدالله بن عباس إليهم دون
انتظاره أن يسألوه، وهو ما يجب أن تقوم به المؤسسات والعلماء والباحثون في زماننا
بالمبادرة وتتبع ورصد ما يثار من أفكار لتفنيدها، وعدم الانتظار حتى تنتشر وتقوى
وتجابه الحق وتلبس على الناس دينهم.
وهو ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم وعلمه أصحابه
رضوان الله عليهم، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينما النَّبيُّ صلَّى اللهُ
عليه وسلَّم يخطُبُ إذا هو برجُلٍ قائمٍ في الشَّمْسِ، فسأَل عنه، قالوا: هذا أبو
إسرائيلَ نذَر أن يقومَ ولا يقعُدَ ولا يستظِلَّ ولا يتكلَّمَ ويصومَ، قال:
«مُرُوهُ فليتكلَّمْ وليستظِلَّ وليقعُدْ وليُتِمَّ صومَه»
[رواه البخاري].
فقد رصد النبي حالة الرجل العجيبة، فجمع المعلومات عنه
ثم بادر بتصحيح أخطائه حتى لا يتمادى أو يفتن به أحد من الناس فيفعل مثل فعله.
القاعدة الثانية: حسن اختيار المدخل لمناقشة المتطرفين:
وجاء هذا المدخل بلفت انتباههم لمّا لبس حُلتين من أجود
حُلل اليمن، فظهر أمامهم بأبهى مظهر، وهذا تصرف حكيم منه رضي الله عنه؛ لأنهم
كانوا يرفعون شعارات التقشف ويظهرون الزهد في الدنيا ويشقون على أنفسهم، فاستفزَّ سيدنا
عبدالله بن عباس فيهم ما يحرك عندهم الفكر ويدعوهم للتأمل، ويستثير فيهم الحس
الجمالي والذوق حتى يتدرج للفكر وطرائق الفهم والنظر.
فإن أصحاب الكهف على ما كان بهم من حال بعثهم من رقاد
استمر ثلاثمائة سنة وتسع سنوات، إلا أنهم جُبلوا على الرقي والذوق الرفيع، فقد
طلبوا الطعام الأزكى رغم كل هذا، قال تعالى: {فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ
وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} [الكهف: ١٩].
وقد نجح هذا المدخلُ معهم فاستثار فيهم السؤال عن مظهره،
قال: "فلما نظروا إليَّ قالوا: مرحبا مرحبا يا ابن عباس، فما هذه الـحُلة؟!
قال قلت: وما تنكرون من ذلك؟، لقد رأيت على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من
أحسن الحلل، قال: ثم تلوت عليهم: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ
زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ}[الأعراف: ٣٢].
إن من مظاهر المتطرفين ضعفَ الذوق أو انعدامه، وفهم
الدين على أنه مظاهر وتعذيب للنفس وحرمانها من المباحات التي أحلها الله تعالى
لها، وهو ما فَطِن إليه ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن كما وصفه النبي صلى
الله عليه وسلم.
القاعدة الثالثة: إظهار مواضع القوة في المنهج المعتدل:
وهذا ما قام به سيدنا عبدالله بن عباس لما بين عوارَ
منهجهم وما ذهبوا إليه، وبين قوة منهجه بقوله: "جئتكم من عند أمير المؤمنين،
ومن عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن عند المهاجرين والأنصار، ولا أرى
فيكم أحد منهم، وعليهم نزل القرآن فهم أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم منهم
أحد"
وهي قاعدة هامة في مواجهة التيارات المتطرفة اليوم، حيث
يخرجون على فهم الأمة سلفا وخلفا مستأثرين بأحادية فهمهم، فهم يرفضون في زماننا
اتباع مناهج علماء الأمة في فهم الكتاب والسنة، ويقولون: مذهبنا أن نرجع للكتاب
والسنة مباشرة! يضربون بذلك عُرض الحائط بجموع علماء الأمة ومناهجهم العلمية في
فهم الكتاب والسنة، ويظنون أنهم وحدهم يمتلكون الفهم المباشر للكتاب والسنة.
القاعدة الرابعة: حصر المقولات المركزية التي تتبناها
التيارات المتطرفة:
فقد سأل ابن عباس الخوارج عن سبب نقمتهم على أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، قال: "ما تنقمون على ابن عم رسول
الله صلى الله عليه وسلم وختنِه، وأول من آمن به، وأصحاب رسول الله معه؟" فقد
دفعهم لحصر مقولاتهم المركزية ورؤوس قضاياهم التي دفعتهم لما هم عليه، ثم أغلق
عليهم باب التشعب بعد أن ذكروها، فقال لهم: "هل غير هذا؟ قالو: حسبنا
هذا""، ثم بدأ يفندها واحدة تلو الأخرى ويستنطقهم بعد كل قضية يفندها
لهم، فيقول لهم: "أخرجت من هذه؟، فيقولون: اللهم نعم".
إن التيارات المتطرفة تسلك في كل زمان نفس مسلك الخوارج
الأُول في فهمهم الأحادي لكتاب الله تعالى، وخروجهم على الأمة وادعائهم امتلاك
الحق المطلق. ولو تمكن هؤلاء من الخلق؛ لعاثوا في الأرض فساداً، وباتوا سيفًا
مسلطاً على رقاب الخلق.
قال وَهْب بن مُنَبِّه: "وَلَوْ مَكَّنَ اللهُ
لَهُم مِنْ رَأْيِهِم، لَفَسَدَتِ الأَرْضُ، وَقُطِعَتِ السُّبُلُ وَالحَجُّ،
وَلَعَادَ أَمْرُ الإِسْلاَمِ جَاهِلِيَّةً، وَإِذاً لَقَامَ جَمَاعَةٌ كُلٌّ
مِنْهُم يَدْعُو إِلَى نَفْسِهِ الخِلاَفَةَ، مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم أَكْثَرُ
مِنْ عَشْرَةِ آلاَفٍ، يُقَاتِلُ بَعْضُهُم بَعْضاً، وَيَشْهَدُ بَعْضُهُم عَلَى
بَعْضٍ بِالكُفْرِ، حَتَّى يُصْبِحَ المُؤْمِنُ خَائِفاً عَلَى نَفْسِهِ
وَدِيْنِهِ وَدَمِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ، لاَ يَدْرِي مَعَ مَنْ يَكُوْنُ"
[سير أعلام النبلاء].
وإذا كان سيدنا عبدالله بن عباس رضي الله عنه قد واجه
الخوارج الأول، فإن منهجه ما زال بيننا وقد نهل منه العلماء وفرعوا منه حسب
احتياجات كل عصر وكل ظرف.