في
الماء حياة الناس، ورحمة الله تعالى لهم، ونعمته عليهم، وفيه هلاكهم وعذابهم
وانتقامه سبحانه وتعالى منهم.
فمن
دلائل قدرة الله تعالى في خلقه، أن يجعل في الشيء الواحد فعلين متضادين، كما جعل
في الماء حياة وهلاكًا، ونعيمًا وعذابًا؛ فلا حياة للأرض وما عليها إلا بالماء، كما
أن فيه هلاكها ودمارها.
إن
الناظر في القرآن الكريم يجد أن الماء ملازم للإنسان في الدنيا وفي الآخرة، وتكون
به حياته وهلاكه، ونعيمه وعذابه.
ففي الدنيا يعذب الله تعالى به قومًا فيمسكه
عنهم حتى يموتوا جوعًا وعطشًا؛ وقد يغرق به المكذبين المعاندين، كما أغرق قوم نبي
الله نوح عليه السلام، ففتح عليهم ماء السماء، وفجر لهم ماء الأرض، فَحَدَثَ الطوفان
العظيم الذي أغرق الأرض وما عليها، ولم ينج منه إلا نوح ومن آمن معه، يقول الله
تعالى: {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ
عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ
أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} [سورة القمر: ١١، ١٣].
وعندما
طغا فرعون وتجبر، كان هلاكه بالماء، يقول الله تعالى: {فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ
الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً} [سورة الإسراء: ١٠٣].
يقول الإمام القشيري: "أراد فرعون
إهلاك بنى إسرائيل واستئصالهم، وأراد الحقّ سبحانه نصرتهم وبقاءهم، فكان ما أراد الحقّ
لا ما كاد اللعين"، [لطائف الإشارات]
وكانت هذه معجزة من المعجزات التي أيد
الله تعالى بها نبيه موسى عليه السلام حيث نجاه والمؤمنين معه، وأغرق فرعون وجنده.
هذا في الدنيا، وفي الآخرة جعل الله الماء
من أرقى أنواع النعيم الذي يُنَعَّم به المؤمنون في الجنة، يقول الله تعالى: {فِيهَا
أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ}، [سورة محمد: ١٥]، أي أن في الجنة أنهارًا من الماء العذب
الطاهر، لا يتغير طعمه ولا رائحته، بخلاف ماء الدنيا الذي يعتريه الفساد، وهو جزء من
التكريم الإلهي للصالحين من عباده.
أما أهل النار، فإنهم يُسقَون ماءً على
صورة العذاب لا الرحمة، كما قال تعالى: {وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ
يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} [سورة الكهف: ٢٩]، والمُهل هو الماء المغلي الشديد الحرارة،
يشوي الوجوه قبل أن يُشرب، وهو دليل على شدة العذاب.
فالماء الذي كان في الدنيا نعمة، يتحول
يوم القيامة إلى عذاب ونقمة للكفار، جزاءً لما قدموا من كفر وعصيان.
فبهذا التباين، بَيّن القرآن الكريم أن
نفس العنصر (الماء) يمكن أن يكون في الآخرة وسيلة رحمة أو وسيلة نقمة، بحسب حال الإنسان،
وهذا يدعو المؤمن إلى التفكر في مصيره، والاستعداد ليكون من أهل الأنهار الجارية، لا
من طالبي الغوث بالماء الذي لا غوث فيه ولا رحمة.