Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

قيمتي العمل والسعي في أدبيات رواد علم النفس المعاصر

قيمتي العمل والسعي في أدبيات رواد علم النفس المعاصر

تتقاطع مفاهيم السعي والعمل في علم النفس المعاصر مع القيم الإسلامية التي تعدّ الجهد والاجتهاد أساسًا للفلاح، وقد تناول رواد علم النفس مفاهيم مثل المعنى، والإتقان، والكفاءة الذاتية، وأبرزوا أثرها في تحقيق السعادة والنجاح، ويتجلى في هذه الرؤى تكامل بين الإيمان والعمل، حيث يشكل السعي فلسفة حياة ومسؤولية فردية تجاه الذات والمجتمع.

قيمة السعي والعمل في علم النفس المعاصر

تناول علماء النفس المعاصرون قيمة السعي والعمل في  دراساتهم، فلا أحد يمكنه إنكار أن السعادة والنجاح لا يكمنان في الخمول والكسل، بل في الحركة والجهد، وهذا ما أدركه الأنبياء والحكماء منذ فجر التاريخ، وما سطره علماء النفس في أدبيّاتهم الحديث، فمن خلال الدراسات السلوكية النفسية والسلوكية عند علماء النفس المعاصرين، برزت قيمتان أساسيتان شكلتا جوهر الوجود وسبيل الفلاح، وهما  السعي و العمل، فمخطئ من يحصر السعي والعمل في تصنيف أنهما مجرد أنشطة اقتصادية عابرة، بل هما فلسفة حياة، وركيزة أساسية في بناء الفرد والمجتمع.

العمل في الإسلام وعلم النفس الحديث

لذلك كانت قيمتي السعي والعمل محط أنظار علماء النفس من زوايا متعددة، ففي كتاب "الإنسان يبحث عن المعنى" يصف عالم النفس النمساوي فيكتور فرانكل كيف أن الإنسان يجد ذاته في البحث عن معنى لحياته،  حتى في أحلك الظروف، هذا المعنى يتجلى في العمل الإبداعي، أو في تجربة الحياة وقيمها، هذا المفهوم يتناغم بشكل عميق مع ما ورد في القرآن الكريم من أن العمل الصالح هو سبب فلاح الإنسان في الدنيا والآخرة، حيث يقول الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: ٩٧] فنجد هذا الربط القرآني بين الإيمان والعمل الصالح والحياة الطيبة، في نفس إطار الفكرة المتولدة عند فرانكل والتي تقوم على الربط بين السعي للمعنى وتحقيق الذات.

وفي سياق آخر، يؤكد مارتن سيليجمان، أحد رواد علم النفس الإيجابي، على أن السعادة الحقيقية تكمن في "الاندماج الكامل في العمل"، والتي وردت في كتابه "السعادة الحقيقية" حيث يفقد الشخص إحساسه بالوقت وهو يؤدي مهمة يحبها ويتقنها، تلك الحالة الاندماجية المبدعة، ليست إلا تجسيدًا للشغف الذي يدفع الإنسان إلى الإبداع والتميز،  وقد حثّنا النبي – صلى الله عليه وسلم - على إتقان العمل والإبداع فيه، فقال: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ إذا عَمِل أحَدُكم عَمَلًا أن يُتقِنَه»، هذا الحديث الشريف ليس مجرد دعوة للإتقان المهني، بل هو دعوة لتقدير العمل كقيمة في حد ذاته، وجعله مصدرًا للفخر والإنجاز.

إن السعي هو الدافع الداخلي الذي يحركنا، والعمل هو التجسيد المادي لهذا الدافع، وكلاهما يمثلان جزءًا لا يتجزأ من الإيمان؛ فالقرآن الكريم يربط دائمًا بين الإيمان والعمل الصالح، مشيرًا إلى أن أحدهما لا يكتمل بدون الآخر، قال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: ١٠٥] فهذه الآية الكريمة تضع العمل في مكانة عظيمة، وتجعله مرئيًا ومقدرًا من الله ورسوله والمؤمنين، مما يمنح العمل قيمة أخلاقية ودينية فائقة.

ولم يقتصر الأمر على العمل الروحي أو الفكري، بل شمل العمل الدنيوي أيضًا، فقد جعل الإسلام السعي لكسب الرزق عبادة، يقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: «ما أكَلَ أحَدٌ طَعامًا قَطُّ، خَيْرًا مِن أنْ يَأْكُلَ مِن عَمَلِ يَدِهِ، وإنَّ نَبِيَّ اللَّهِ داوُدَ عليه السَّلامُ، كانَ يَأْكُلُ مِن عَمَلِ يَدِهِ» هذا الحديث الشريف يرفع من قيمة العمل اليدوي، ويجعله مثالًا يقتدى به حتى من الأنبياء، وهو ما يعكس تقدير الإسلام للسعي والجهد في جميع صوره.

نظرية الكفاءة الذاتية والتوكل على الله

إلى جانب هذه الرؤى العميقة، تأتي نظرية الكفاءة الذاتية التي قدمها عالم النفس الكندي "ألبرت باندورا" حيث يرى أن الكفاءة الذاتية هي إيمان الفرد بقدرته على تنظيم وتنفيذ مسار العمل المطلوب لتحقيق أهدافه، هذا الإيمان ليس مجرد تفاؤل عابر، بل هو قوة دافعة أساسية تحدد مدى استمرارية الفرد في السعي والعمل، خاصة عند مواجهة الصعوبات.

فمفهوم الكفاءة الذاتية يعمق فهمنا لقيمة السعي،  فالشخص الذي يؤمن بقدرته على تحقيق أهدافه هو الأكثر قدرة على المثابرة وتجاوز العقبات، هذه الثقة بالنفس، التي يطلق عليها باندورا "الكفاءة الذاتية"، تتناغم تمامًا مع المفهوم القرآني للتوكل على الله والأخذ بالأسباب، فالإسلام يدعو المؤمن إلى بذل قصارى جهده، مع اليقين بأن التوفيق من عند الله، حيث يقول الله تعالى {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ} [النجم: آية ٣٩]، فتلك الآية الكريمة تلخص فلسفة العمل والسعي، وتؤكد أن نتيجة الجهد مرتبطة بالعمل ذاته، مما يمنح الفرد شعورًا بالمسؤولية والقدرة على التحكم في مصيره من خلال أفعاله.

الخلاصة

وفي الختام، تتجلى قيمة السعي والعمل كجسر يربط بين تعاليم ديننا، وعلم النفس الحديث، فبينما يؤكد علماء النفس على أن السعي للمعنى والاندماج في العمل هما مفتاحا السعادة والتحقق، فإن تعاليمنا الدينية تؤكد أن السعي والعمل الصالح هما السبيل للفلاح في الدنيا والآخرة، إنها دعوة للنهوض، للحركة، وللإيمان بأن كل جهد نبذله هو خطوة نحو غاية أسمى، وأن كل عمل نتقنه هو بصمة إيمان تخلد أثرنا في هذه الحياة.