Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

قيمتي: "السعي، والعمل" من خلال "علم العمران" ... "مقدمة ابن خلدون" نموذجًا

قيمتي: "السعي، والعمل" من خلال "علم العمران" ... "مقدمة ابن خلدون" نموذجًا

تجلت عبقرية الإمام ابن خلدون في "مقدمته" الرائدة؛ حيث تجاوز السرد التاريخي المألوف إلى استكشاف القوانين الحاكمة لصعود الدول وسقوطها؛ ليؤسس بذلك "علم العمران البشري" ليقدم للبشرية منهجًا فريدًا يفسر تطور المجتمعات. وتتركز رؤيته العميقة في هذا العلم المبتكر على قيمتين جوهريتين هما: "العمل والسعي"، إذ اعتبرهما الركيزة الأساسية، والمحرك الفاعل لبناء الحضارات الإنسانية وتحقيق التقدم والازدهار

التعاون هو أساس العمران

يرى "ابن خلدون" – رحمه الله- أن الإنسان يحتاج إلى التعاون مع الآخرين؛ لتلبية حاجاته الأساسية، وهذا أمر فطري في داخل الإنسان، هذا التعاون هو أساس "العمران البشري" الذي لا يمكن أن يقوم إلا بالعمل، والجهد المشترك، فالعمل ليس مجرد وسيلة؛ لكسب الرزق، بل هو دافع أساسي للبقاء، والرغبة في الارتقاء، وأن الناس إذا اجتهدوا في أعمالهم، وأتقنوها، فإن ذلك يؤدي إلى توفير فائض من الإنتاج، مما ينشط الأسواق، ويدفع عجلة الاقتصاد، والتنمية، والتي من خلالها ترتقي الدول، والمجتمعات.

العمل ضرورة وجودية للإنسان

يؤكد "ابن خلدون"– رحمه الله- من خلال "مقدمته" أن العمل ضرورة وجودية للإنسان، فبدون العمل لا يمكن للإنسان أن يحصل على ما يحتاجه من غذاء، وكساء، ومسكن، بل إن قيمة الإنسان ذاتها في نظر ابن خلدون– رحمه الله- ترتبط بمدى إنتاجه، وعطائه، فالشخص الذي يشارك في عملية الإنتاج، سواء بالزراعة، أو الصناعة، أو التجارة، يضيف قيمة إلى المجتمع، ويستحق تقديرًا اجتماعيًا.

ذهب ابن خلدون– رحمه الله- إلى ما هو أبعد من مجرد الربط بين العمل، والوجود، فيربطهما بالنمو الاقتصادي، والحضاري، فهو يرى– رحمه الله- أن ازدهار الدول يعتمد على وفرة الإنتاج، وتنوعه، وهو ما يتحقق من خلال تقسيم العمل، وتخصيص المِهَن، وزيادة العمل، وضرورة السعي حيث عبر عن ذلك ابن خلدون– رحمه الله- بهذا النص في "المقدمة" فقال: "إن الرزق كسب، والكسب هو قيمة الأعمال، ويزيد إذا زادت الصناعات، والأعمال" أ.هـ،  فالمجتمع الذي تتخصص فيه المِهَن، ويتقن أفراده أعمالهم، ينتج فائضًا كبيرًا مما يساهم في تنشيط الأسواق، وزيادة الثروة.

السعي والعمل يؤسسان حضارة مجتمعية قوية

كما أن العمل في منظور ابن خلدون– رحمه الله- يساهم في بناء التماسك الاجتماعي، فتبادل المنافع بين الناس يخلق علاقات اجتماعية قوية، ويؤسس للتعاون؛ فعلى سبيل المثال: يرى – رحمه الله- أن الحرفيين، والعمال، وجميع التخصصات يكمل بعضهم بعضًا، مما يؤدي إلى إنشاء مجتمع متناسق، ومتناغم، يحقق رؤية حضارية مكتملة الأركان.

وفي هذا السياق -رحمه الله- يبرز مفهوم "السعي"، والذي اعتباره ابن خلدون -رحمه الله- بمثابة قوة دافعة للعمل، فالسعي ليس مجرد حركة فيزيائية، بل هو عملية إرادة، وعزم على تحقيق الأهداف، فيرى -رحمه الله- أن الأمم التي يتصف أفرادها بالسعي الدؤوب، والطموح هي الأمم التي تنجح في بناء حضارات قوية على النقيض من ذلك، فإن الأمم التي يسودها الكسل، والخمول محكوم عليها بالضعف، والزوال.

القيم الإسلامية داعية إلى العمل والعمارة

يمكننا أن نجد في فكر ابن خلدون– رحمه الله- صدىً  واضحًا للقيم الإسلامية التي تقدِّس العمل، والسعي، فلم يفصل بين الدين والدنيا،  بل رأى أن القيم الإسلامية الداعية للعمل، والسعي هي المحرك الأساسي؛ لقيام الحضارات الإسلامية، وازدهارها ، فالإسلام لا يكتفي بالدعوة إلى العبادة، بل قام بالدعوة أيضًا إلى عمارة الأرض، والسعي فيها، فالقرآن الكريم مليء بالآيات التي تحث على العمل، والسعي، وأنهما الوسيلة التي يرزق بها الله عباده، وجعل محور تلك الفكرة قوله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولࣰا فَٱمۡشُوا۟ فِی مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا۟ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَیۡهِ ٱلنُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥]، والأحاديث النبوية أيضًا ترفع من شأن العامل، وتعتبره شريكًا في بناء المجتمع، فعَنِ المِقْدَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا ‌مِنْ ‌أَنْ ‌يَأْكُلَ ‌مِنْ ‌عَمَلِ ‌يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ عليه السلام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» [صحيح البخاري: (٢٠٧٢)]، فهذا الحديث يؤكد على أن العمل اليدوي له قيمة عظيمة، وأن الكسب الحلال من ثمرة الجهد هو الأفضل، فالأمة التي تلتزم بهذه القيم هي الأمة التي ترتقي في مصاف الأمم.

العمل ليس مجرد مصدر للرزق بل أداة للتنمية

ويعتبر ابن خلدون –رحمه الله- أن العمل ليس مجرد مصدر رزق، بل هو أداة للتنمية الذاتية، فالفرد الذي يتقن عمله، يكتسب مهارات، وخبرات جديدة، مما يزيد من قيمته في المجتمع، ويوضح ابن خلدون –رحمه الله- ذلك بقوله: "الصناعة هي علم وعمل، وأن العمل يضيف إلى العلم". أ.ه. فالممارسة والخبرة هما الأساس؛ لتطوير المهارات، وهذا التراكم المعرفي، والمهاري هو الذي يرفع من شأن الأمة ككل.

وبناء على رؤية ابن خلدون– رحمه الله- يكون العمل هو أداة التغلب على الفقر، والتفاوت الاجتماعي، فالدولة التي توفر فرص العمل لمواطنيها هي الدولة التي تحقق استقرارًا اجتماعيًا، واقتصاديًا على العكس من ذلك، فإن البطالة، والكسل يسببان الفقر مما يؤدي إلى انتشار الجرائم، والاضطرابات الاجتماعية التي هي في النهاية سبب لانهيار الدول، والشعوب.

الخلاصة

ختامًا، لم تكن "مقدمة" ابن خلدون مجرد دراسة اجتماعية، بل مثَّلت دستورًا للحياة الإنسانية يدور في فلك "العمل والسعي". فقد أدرك -رحمه الله- أن هاتين القيمتين ضرورة وجودية وركيزة حتمية لقيام الحضارات؛ فبالعمل تُعمر الأرض، وبالسعي يتحقق الرخاء.

لقد كان ابن خلدون مصلحًا اجتماعيًّا فريدًا، استطاع أن يؤطر قيم الإسلام الداعية للعمل في نسق علمي ومنهجي ريادي، تاركًا لنا رؤيةً خالدة تثبت في كل زمان ومكان أن العمل والسعي هما السبيل الأوحد لبلوغ النهضة والتقدم.

موضوعات مختارة