تعددت الأسس الشرعية التي يمكن أن يستدل بها على حب الوطن ووجوب
الدفاع عنه، مع أن الحق أن دافع الطبع يغني عن إيجاب الشرع، ولكن من باب التأكيد يكون
ما يلي:
(أ) الفطرة الإنسانية والاعتراف بالواقع:
إن
الانتماء للأرض التي وُلد فيها الإنسان ونشأ وتأثر بترابها وهواءها هو غريزة
فطرية، فالطيور تحن إلى أعشاشها، حتى الإبل تحن إلى أوطانها، وقد أقر الإسلام
هذه الفطرة، ويستدل على ذلك بحزن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم عند فراق مكة قائلاً: «وَاللَّهِ
إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ،
وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ». [رواه
الترمذي]. هذا
الاعتراف بالفطرة لا يتعارض مع عقيدة التوحيد، بل هو واقع بشري تعترف به الشريعة
وتنظمه.
(ب) الوطن
في فهم علماء الأمة من مفسرين ومحدثين وفقهاء:
باستقراء
كتب العلماء في الأمة الإسلامية على مر القرون السابقة، نجد أن مفهوم الوطن مختمر
في عقليتهم، وقريحتهم العملية، وأن كل الاختلال الحاصل عند هذه التيارات المتشددة،
ما هو إلا فهم مغلوط مخالف لهؤلاء الأعلام السابقين، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك من
كلام الإمام الرازي وغيره عند تفسير قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا
عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ مَا
فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ
لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} [النساء: ٦٦]، قال: " الْمَعْنَى:
أَنَّا لَوْ شَدَّدْنَا التَّكْلِيفَ عَلَى النَّاسِ، نَحْوَ أَنْ نَأْمُرَهُمْ
بِالْقَتْلِ وَالْخُرُوجِ عَنِ الْأَوْطَانِ لَصَعُبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَلَمَا
فَعَلَهُ إِلَّا الْأَقَلُّونَ... وجعل مفارقة الأوطان كقتل النفس".[
تفسير الرازي].
وجاء
الحديث عن سيدنا أنس رضي الله عنه: "أنَّ سيدنا النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه
وسلَّمَ كانَ إذَا قَدِمَ مِن سَفَرٍ، فَنَظَرَ إلى
جُدُرَاتِ المَدِينَةِ، أوْضَعَ رَاحِلَتَهُ، وإنْ كانَ علَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا؛
مِن حُبِّهَا"، [رواه البخاري]، فيقول
الإمام ابن حجر: "وفي الحديث دلالة على فضل المدينة، ومشروعية حب الوطن
والحنين إليه". [فتح الباري]، وقال
الإمام القرافي:" ومصالح الحج التأديب بمفارقة الأوطان". [الفروق]،
وكأن الحج من حكمه أن يؤدب الله عباده بالمفارقة لأوطانهم.
وهكذا
فهم علماء الأمة قيمة الوطن، وأنه أكبر من كونة قطعة أرض أو حفنة تراب، بل هو أرض
وسماء وشعب ومؤسسات، وذكريات، وبطولات، قيمة عظيمة لا يشعر هؤلاء بها، لحالة نفسية
عاشوها. إن حب الوطن فهمه الأدباء والشعراء، بل أفرد له كثير من العلماء كتباً
كالجاحظ وغيره، فألف كتابًا وسمَّاه: "حب الوطن"، ومن ثم كان الدفاع عنه
والموت في سبيله شرفا كبيرًا، وجهادًا عظيمًا في سبيل الله تعالى.
(ج) الوطن كمكان لازم لإقامة العبادة وأداء العمارة:
إن حب
الوطن ومقاصد الشريعة الكبرى بينهما صلة عظمى، فالوطن هو المجال الذي يمارس فيه
المسلم عباداته (الصلاة، الصيام، الزكاة)، وينشأ فيه أسرته، ويعمر الأرض بالعمل
الصالح والتعاون على البر والتقوى، ومفهوم "العمارة" في
الإسلام يشمل بناء المساجد والمدارس والمستشفيات، وإقامة العدل، ونشر العلم،
وحماية الثغور، وكلها تتطلب استقرارًا وانتماءً لرقعة جغرافية محددة، ألا وهي (الوطن)،
قال تعالى: {هُوَ
أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا} [هود: ٦١]، أي: طلب منكم أن
تعمروها، فكيف العمارة إذا لم يكن هناك وطن؟!
(د) المواطنة وحقوقها وواجباتها:
مما
حاولت الجماعات توريثه الناس: الفهم الضيق الذي يختزل الانتماء في الانتماء العقدي
فحسب، متجاهلاً روابط المواطنة. بيد أن المواطنة في الإسلام تقوم على:
- الولاء
للوطن: بمعنى
الحفاظ على أمنه وسلامته ووحدته ومصالحه المشروعة.
- البر بالوطن: خدمته
والدفاع عنه ضد العدوان الخارجي وحماية ممتلكاته.
- العدل
والإحسان لأهله: التعامل مع جميع أبناء الوطن (مسلمين وغير
مسلمين) بالعدل والإنصاف والبر ضمن الضوابط الشرعية، خاصة مع غير المحاربين. ويستشهد
على ذلك بقوله تعالى: {لَا
يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ
يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: ٨].
- وضع كل
هذا تحت اسم الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأنه من صميم الشرع، ولا مخالفة
في ذلك بين حب الوطن وحب الدين.