يُعد التعدي على المال العام ظاهرة تتجاوز الجريمة الجنائية لتكشف عن خلل في النسيج القيمي للمجتمع، مما يستوجب تحليلها سوسيولوجياً لفهم الدوافع البنيوية التي تحولها إلى سلوك يهدد الاستقرار.
يُعد التعدي على المال العام ظاهرة تتجاوز الجريمة الجنائية لتكشف عن خلل في النسيج القيمي للمجتمع، مما يستوجب تحليلها سوسيولوجياً لفهم الدوافع البنيوية التي تحولها إلى سلوك يهدد الاستقرار.
تُعد ظاهرة التعدي على المال العام من أخطر المشكلات التي تواجه المجتمعات المعاصرة، كونها لا تمثل مجرد جريمة قانونية، بل تعكس خللاً بنيوياً وقيمياً في النسيج المجتمعي، لذا يسعى علم الاجتماع عبر نظرياته المختلفة إلى تفسير دوافع هذا السلوك وكيفية تحوله إلى ظاهرة تنخر في جسد المجتمع:
أول نظرية عالجت هذه الظاهرة الاجتماعية هي نظرية الاختلال المعياري عند إميل دوركايم وروبرت ميرتون، حيث يرى إميل دوركايم إن الجريمة تظهر عندما تضعف الضوابط الاجتماعية وتحدث حالة من غياب المعايير التي تضبط سلوك الأفراد، أما روبرت ميرتون، فقد طور هذا المفهوم موضحاً أن التعدي على المال العام يحدث نتيجة الفجوة بين "الأهداف الاجتماعية كالنجاح المادي والوجاهة في المجتمع، و ما بين "الوسائل المشروعة" المتاحة لتحقيقها، فعندما يقدس المجتمع الثراء السريع دون توفير فرص متكافئة للجميع، يلجأ بعض الأفراد إلى طرق غير مشروعة، كاختلاس المال العام، كوسيلة بديلة لتحقيق تلك الأهداف المادية التي يعجزون عن نيلها بالطرق القانونية
ومن جانب آخر قدَّم إدوين سذرلاند تفسيراً جوهرياً لما يُعرف بـ "جرائم الياقات البيضاء"، حيث يرى سذرلاند إن السلوك الإجرامي ليس فطرياً بل هو سلوك "متعلم" من خلال التفاعل مع الآخرين، فالموظف الذي يعمل في بيئة يسودها الفساد الإداري، ويتعرض لنماذج سلوكية تستبيح المال العام، يتعلم تقنيات التعدي وطرق تبريره أخلاقيا، حينها يصبح التعدي على المال العام نتيجة للتنشئة المنحرفة داخل المؤسسات التي تفتقر للنزاهة.
ومن ناحية أخرى يركز ترافيس هيرشي في نظرية الضبط الاجتماعي على التساؤل: لماذا يلتزم الناس بالقانون؟ ويرى الإجابة عليه تكمن في ضعف الروابط الاجتماعية ومنها (الارتباط، الالتزام، الانخراط، والاعتقاد) حيث يؤدي ذلك إلى الانحراف، فعندما يشعر الفرد بضعف انتمائه للدولة أو عدم إيمانه بعدالة توزيع الثروة، تضعف "المناعة الاجتماعية" لديه، مما يسهل عليه الاعتداء على الممتلكات والمرافق العامة كنوع من تعويض النقص، وذلك لغياب وازع أخلاقي أو اجتماعي قوي يربطه بالمصلحة العامة.
ومن منظور مدرسة الصراع عند كارل ماركس، يُنظر إلى التعدي على المال العام كإفراز للتناقضات الطبقية، حيث يرى أصحاب هذه النظرية أن النظام الاقتصادي قد يخلق حالة من الاغتراب، فيرى البعض أن المال العام هو ملك لطبقة مهيمنة، وليس ملكاً للشعب، مما يولد مبررات نفسية لاستباحته كنوع من رد الفعل ضد التهميش أو عدم المساواة في توزيع الموارد، وغياب العدالة الاجتماعية.
ختامًا،،، بجانب ما طرحته تلك النظريات الاجتماعية، فالتعدي على المال العام ليس مجرد طمع فردي، بل هو نتاج تضافر عوامل بنيوية، وبيئية تعليمية، وضعف في الروابط المؤسسية، لذا، فإن المواجهة لا تقتصر على القوانين العقابية فحسب، بل تتطلب إعادة بناء الوعي الجمعي وترسيخ قيم المواطنة والعدالة الاجتماعية.
يخلص التحليل الاجتماعي (السوسيولوجي) إلى أن التعدي على المال العام ليس سلوكاً فطرياً، بل هو نتاج تقاطع بين "الاختلال المعياري" الناتج عن الفجوة بين الأهداف والوسائل، وبين "التعلم الاجتماعي" في بيئات العمل الفاسدة، وتؤكد الدراسة أن ضعف الروابط المؤسسية والشعور بالاغتراب الطبقي يضعفان المناعة الأخلاقية للفرد؛ مما يجعل مواجهة هذه الظاهرة رهينة بإصلاح العدالة التوزيعية وترسيخ قيم المواطنة قبل تفعيل القوانين الزجرية.
المال العام في الإسلام ليس مجرد مورد اقتصادي، بل هو أمانة جماعية وحق مشترك، حمايته تمثل قيمة دينية وأخلاقية تُشكّل السلوك المدني للأفراد
فظللتُ أستغفر الله منها ثلاثين سنة
في عالم تتعدد فيه التحديات وتتشابك فيه العلاقات تبقى الأسرة الملاذ الأول للإنسان