Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

إيجابية سلوك الدعوة إلى الله ... قراءة من خلال نظريات علم النفس

إيجابية سلوك الدعوة إلى الله ... قراءة من خلال نظريات علم النفس

تتنزّل الدعوة إلى الله في الفضاء الإنساني بوصفها حبل وصل معرفي ووجداني، يتجاوز كونه مجرد نطقٍ باللسان إلى كونه حالة من الشهود والارتقاء بالنفس البشرية، فهي بمثابة عملية صياغة للهوية وتعديل للمسار السلوكي بما يتسق مع الفطرة السوية، ومن هنا، تتقاطع النظريات النفسية مع هذا السلوك الدعوي؛ لتكشف لنا كيف يساهم النداء الرباني في ترميم الشروخ النفسية وصناعة إنسانٍ مستقر قادرٍ على حمل أمانة الاستخلاف وعمارة الأرض بالرحمة والجمال، ولكي ندرك كنه هذا الأثر، وجب علينا أن نفتح مغاليق النفس بأدوات علم النفس الحديث، لنرى كيف تتطابق أنوار الوحي مع نظريات التعلم، والمعنى، والإدراك، والنمو، في تناغمٍ يهدف أولًا وأخيرًا إلى صناعة الإنسان الحضاري؛ وذلك ما سنبينه عبر المسارات الأربعة التالية:

نظرية التعلم الاجتماعي

يقدم ألبيرت باندورا رؤية نفسية مفادها أن الإنسان كائنٌ بالمحاكاة، حيث يمتص القيم عبر "النمذجة"، حيث  تتحول هذه النظرية من خلال سلوك الدعوة إلى الله إلى ما يعرف بمفهوم الصحبة، فالداعية لا ينقل نصًا جامدًا، بل ينقل حالة  أو سمتًا، لذلك فالمشاهدة الحية لخُلُق التواضع والصبر لدى الداعية تُحدث تغييرًا في البنية السلوكية للمتلقي أعمق من مئات المحاضرات، إنها عملية عدوى إيجابية  تطهر الوجدان، وتدفع الفرد لمحاكاة الأكمل، مما يجعل السلوك الدعوي أداةً فاعلة في ضبط الانفعالات الاجتماعية وتوجيهها نحو الرقي الأخلاقي،  قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [سورة الأحزاب: ٢١].

نظرية ماسلو

يرى أبراهام ماسلو أن أقصى مراتب الصحة النفسية تكمن في السمو بالذات، وهو خروج الإنسان من دائرة احتياجاته المادية الضيقة إلى فضاء المعنى، لذلك تمثل الدعوة إلى الله هذا السمو في أبهى صوره؛ فهي تمنح الإنسان القضية التي يعيش من أجلها، وتخرجه من سجن الأنانية الموحش إلى رحاب نفع الخلق، هذا الامتداد الوجودي يملأ الفراغ الروحي الذي يعاني منه إنسان العصر، ويستبدل مشاعر العدمية بشعور غامر بالمسئولية الحضارية، مما يولد استقرارًا نفسيًا منبعثًا من الرضا عن الدور والوظيفة في الكون، قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [سورة فصلت: ٣٣].

النظرية المعرفية

يفترض آرون بيك مؤسس النظرية المعرفية: أن الاضطرابات النفسية جذورها أفكارٌ مشوهة، وتأتي الدعوة هنا بوصفها إعادة هيكلة معرفية  كبرى، فهي تنقل الوعي البشري من التمحور حول العجز إلى الاستناد على  القدرة الإلهية المطلقة، حين يصحح الإنسان مفاهيمه، ويبني مرونة نفسية تحميه من الانهيار، هذا التحول يمثل أعلى درجات العلاج المعرفي، حيث يغدو الذكر والدعاء أدواتٍ لضبط التوازن الداخلي وتحقيق الطمأنينة، قال صلى الله عليه وسلم «عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكانَ خَيْرًا له»  [ رواه مسلم].

نظرية النمو النفسي الاجتماعي

طرح إريك إريكسون مفهوم الإنتاجية مقابل الركود كعلامة للنضج في سن الرشد، والدعوة إلى الله هي أسمى تمثلات هذه الإنتاجية، فهو سعيٌ دؤوب لترك أثرٍ باقٍ وتوريثٍ للقيم التي تحفظ كيان المجتمع، فالداعية يرى في هداية الآخرين نموًا لذاته واتصالًا لرسالته عبر الزمن، وهذا السلوك يقي الفرد من الانكفاء المرير على الذات ويخلق نسيجاً من التراحم المتبادل، حيث يشعر كل فرد بأنه لبنة في بناء إنساني شامخ، مما يعزز الشعور بالانتماء والأمان المجتمعي، قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [سورة آل عمران: ١١٠]ٍ، قال صلى الله عليه وسلم: «بَلِّغُوا عَنِّي ولو آيَةً» [رواه البخاري ].

الخلاصة

يتضح لنا أن الدعوة إلى الله منظومة متكاملة للاستشفاء النفسي والبناء الحضاري، فمن خلال مساراتها التي تقاطعت مع نظريات التعلم، والسمو، والمعرفة، والنمو، تبرز الدعوة كأداة قوية لإعادة صياغة الإنسان من الداخل قبل الخارج، ليتم الربط بين أنوار الوحي وأدوات علم النفس، ويؤكد حقيقة جوهرية، وهي أن الشريعة لم تأتِ لتقييد الإنسان، بل لفك أغلال نفسه، وترميم شروخه، ومنحه المعنى الذي يجعله عصيًا على الانكسار في وجه الأزمات، إنها دعوة لصناعة "الإنسان الشاهد" الذي يمتلك استقرارًا نفسيًا يستمده من اتصاله بالخالق، وإنتاجية اجتماعية يستمدها من حبه للخلق، محققاً بذلك التوازن الدقيق بين عمارة الروح وعمارة الأرض.

موضوعات ذات صلة

تتجاوز الدعوة إلى الله حدود الوعظ الفردي لتصبح ظاهرة اجتماعية شاملة، تهدف إلى إعادة صياغة العقد الاجتماعي على أسس رباني

الحكمة تعني الكلام الموافق للحق، وأحكم الشيءَ: أتقنه، وهي المرتبة الأعلى بعد أن تكتمل المعرفة لدى الإنسان