Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

النفس والروح

الكاتب

أ.د/ يوسف محمود الصديقي

النفس والروح

 البحث في النفس، والروح بواسطة العقل فقط يؤدي إلى نتائج متضادة، ومحتملة؛ لأن النفس من عالم الغيب الذي اختص الله ـ تعالى ـ بعلمه، ومع تعدد الدراسات حول النفس، والروح عبر العصر ظلت النفس سرًّا مخيفًا لا يدرك حقيقته إلا الله تعالى.

مصطلحي النفس والروح بالمفهوم العام

مسألة البحث في النفس والروح الإنسانية بواسطة العقل المطلق في ذاته ذات طبيعة متناقضة في أساسها؛ وذلك لأنه مهما تكن زاوية البحث والنظر إليها فإنها تؤدي في النهاية إلى حلول متضادة، وفي الوقت نفسه تكون محتملة على حد سواء؛ لأن العقل في بحثه هنا لا يحكمه حاكم، وما الحاكم إلا الفرد المتقلب من خلال ذاته تارة، وتارة من خلال شعوره، وطورًا نتيجة اللاشعور كل هذا؛ لأن النفس الإنسانية من المسائل الغيبية، وهذا متفق عليه عقلًا، ومن جهة أخرى نلمس أن السلف الصالح ومن اتبعهم في دراستهم للنفس والروح الإنسانية اعتمدوا على القرآن الكريم والسنة النبوية، وقبل أن نذكر تعريف النفس والروح عند علماء الكلام لا بد من الكلام على النفس والروح في القرآن الكريم والسنة؛ لأن القرآن الكريم هو المنبع الصافي الذي ينهل منه جميع المسلمين علومهم ومعارفهم.

ذُكرت النفس والروح في القرآن الكريم بصفة خاصة إجمالًا دون تفصيل، ولم يذكر القرآن الكريم طبيعة الروح بكل حقائقها ودقائقها، أما كلمة النفس فقد وردت في القرآن الكريم بمعان متعددة، وقبل الدخول في ذكر معاني النفس التي جاءت في القرآن الكريم يجب تناول مصطلحي النفس والروح بالمفهوم العام - والمعنى السائد بين عامة الناس - وهل هناك ما يبين الفصل أو يوضح الترابط بينهما؟

في المفهوم العام يبدو أنه ليس هناك مفارقة بين لفظي النفس والروح، وأنهما ذكرتا بمعنى واحد، وأن اللفظين مختلفان والدلالة واحدة في النهاية، وهذا ما يظهر لدى السلف الصالح ومن اتبعهم، وبالطبع كان منهجهم قائمًا على القرآن الكريم، ونفس الشيء نلمسه في المصطلح الفلسفي، فمثلًا: ابن سينا يورد مصطلح النفس تارة، والروح أخرى دون أدنى مفارقة بينهما، ولكن في المفهوم القرآني نلمس تباينًا طفيفًا بين المصطلحين، وخير شاهد على هذا القول: الآيات القرآنية، فالنفس في القرآن الكريم تتصف بصفات السوء والشر والاطمئنان والخير والحسن والقبح، وهي في أغلب صورها متعلقة بالأرض في أعمالها سواء كانت حسنة أو سيئة - أي في مجموعها الكلي تندرج تحت صفة الانفعالات - ومن الآيات القرآنية هي التي توضح لنا التباين الطفيف بين المصطلحين: النفس والروح، قال تعالي: {هُنَالِكَ تَبۡلُواْ كُلُّ نَفۡسٖ مَّآ أَسۡلَفَتۡۚ وَرُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۖ} [يونس: ٣٠]، وقال تعالى:{أَن تَقُولَ نَفۡسٞ يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ} [الزمر: ٥٦]، وقال تعالى:{وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ * فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ} [النازعات: ٤٠-٤١]، وأما الروح فدائمًا تتصف بالغموض والطهارة والسرية والعلو، والآيات القرآنية توضح لنا هذا مثل قوله تعالى: {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنۡ أَمۡرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِيلٗا} [الإسراء: ٨٥].

أما المفهوم الفلسفي للمصطلحين فهناك من ذهب إلى أن النفس تدل على جوهرية الفرد بالذات فهي أوسع معنى من الروح، ويحدد لنا أحد فلاسفة العرب وهو قسطا بن لوقا في رسالة تحت عنوان: "الفرق بين النفس والروح" وجهة نظره فيقول: "إن الروح جسم، والنفس غير جسم، وأن الروح يُحْوَى في البدن، وأن النفس لا يحويها البدن، وأن الروح إذا فارقت البدن بطل، والنفس تُبطل أفعالها من البدن ولا تَبْطل هي في ذاتها، وأن النفس تحرك البدن وتنيله الحس، والروح تفعل ذلك بغير حس، وأن النفس تحرك البدن وتنيله الحس والحياة بأنها أول علة لذلك البدن وفاعلة فيه، والروح تفعل ذلك وهي علة ثانية، فالروح إذن علة قريبة لحياة البدن، وحسه، وحركته، وباقي أفعاله [انظر: د. جعفر آل ياسين: فيلسوف عالم، ١٧٤].

النفس والروح في القرآن الكريم

معاني النفس في القرآن الكريم: من البين أن النفس وردت على صور متعددة المعاني في عدة آيات قرآنية، وأنها في مجموعها وردت في موضعًا، وفي الوقت نفسه ذكرت كلمة النفس في حالات الإفراد والتثنية والجمع والإضافة، وأكثر ما تدل في القرآن على الإنسان، كما أتت غالبًا للدلالة على ذات الشيء وحقيقته.

جاءت النفس في القرآن الكريم بهذه المعاني:

١- النفس بمعنى ذات الشيء وحقيقته، مثل قوله تعالى: {وَفِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ} [الذاريات: ٢١]، وقوله تعالى: {وَمَآ أُبَرِّئُ نَفۡسِيٓۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ} [يوسف: ٥٣]، وقوله تعالي: {كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِينَةٌ} [المدثر: ٣٨]، وقوله تعالى: {يَٰقَوۡمِ إِنَّكُمۡ ظَلَمۡتُمۡ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلۡعِجۡلَ فَتُوبُوٓاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمۡ} [البقرة: ٥٤]، وقوله تعالى: {يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ} [البقرة: ٩]؛ لأن ضررها يلحقهم ومَكْرَهَا يحيق بهم، وكما نقول: فلان يضارَّ فلانًا، وما يضارَّ إلا نفسه: أي دائرة الضر راجعة إليه، وغير متخطية إياه [الزمخشري: تفسير الكشاف، ج١، ص١٧٤]، فهذه بعض الآيات التي تدل في جملتها على أن النفس يراد بها ذات الشيء، وحقيقته.

٢- النفس بمعنى القلب والضمير، مثل قوله تعالى:{تَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِي وَلَآ أَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِكَۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ} [المائدة: ١١٦]، يقول الطبري في تفسيره: تعلم ما في نفسي إنك يا رب لا يخفى عليك ما أضمرته نفسي مما لم أنطق به، ولم أظهره بجوارحي، فكيف بما قد نطقت به وأظهرته بجوارحي، ولا أعلم ما في نفسك، يقول: ولا أعلم ما أخفيته عني فلم تطلعني به، ويقول الزمخشري في تفسيره:" تعلم ما في نفسي" في قلبي، وقوله تعالى:{رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمۡۚ إِن تَكُونُواْ صَٰلِحِينَ}[الإسراء: ٢٥]، وقوله تعالى: {لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ}[البقرة: ٢٨٤]، ويقول الزمخشري: أي مما أظهر منه، أو أضمره [المرجع السابق: ج ١، ص ٤٠٦]، ومثل قوله تعالي:{فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفۡسِهِۦ وَلَمۡ يُبۡدِهَا لَهُمۡۚ} [يوسف: ٧٧] فأضمرها، ومثل قوله تعالى: {وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ}[ق: ١٦] أي ما يخطر ببال الإنسان، ويهجس في ضميره من حديث النفس [المرجع السابق: ج٤ ص٥].

٣- وردت كلمة النفس بمعنى الروح التي بها الحياة مثل قوله تعالى: {ٱللَّهُ يَتَوَفي ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا وَٱلَّتِي لَمۡ تَمُتۡ فِي مَنَامِهَاۖ فَيُمۡسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ علىۡهَا ٱلۡمَوۡتَ وَيُرۡسِلُ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} [الزمر: ٤٢]، يقول الزمخشري في تفسير هذه الآية: وتوفيها إماتتها، وهو أن يسلب ما هي به حية حاسة دَرَّاكَةٍ من صحة أجزائها وسلامتها؛ لأن عند سلب الصحة كأن ذاتها قد سلبت، {وَٱلَّتِي لَمۡ تَمُتۡ فِي مَنَامِهَاۖ} يريد ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها: أي يتوفاها حين تنام تشبيهًا للنائمين بالموتى، ومنه قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفيٰكُم بِٱلَّيۡلِ} [الأنعام: ٦٠]، حيث لا يميزون ولا يتصرفون، كما أن الموتى كذلك، وكذلك مثل قوله تعالي:{إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ} [التوبة: ٥٥]، بمعنى ويريد أن يديم عليهم نعمته إلى أن يموتوا، وهم كافرون ملتهون بالتمتع عن النظر للعاقبة [المرجع السابق: ج٢ ص١٩٦ ].

٤- وتأتي كلمة النفس ويراد منها معين، وتشير على أشخاص معينين مثل قوله تعالي: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ} [النساء: ١] أي فرعكم من أصل واحد وهو نفس آدم أبيكم [المرجع السابق: ج ٢ ص ٩٦ ١]، وكذلك يقول الطبري: وأمَّا خلقكم من نفس واحدة: فمن آدم - عليه السلام -  [الطبري: تفسير الطبري ج٧ ص٥١٤]، وقوله تعالى: {قَالَ هِيَ رَٰوَدَتۡنِي عَن نَّفۡسِيۚ} [يوسف: ٢٦] قالها يوسف - عليه السلام - لما قذفته امرأة العزيز من إرادته الفاحشة منها، مكذبًا لها فيما قذفته به  [المرجع السابق: ج١٦ص٥٣]، وقوله تعالي: {قَالَ أقتلت نَفۡسٗا زَكِيَّةَۢ بِغَيۡرِ نَفۡسٖ لَّقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـٔٗا نُّكۡرٗا} [الكهف: ٧٤]، فهذه صور من الآيات التي تدل في مجموعها على أن النفس قصد بها الإشارة إلى معين، وتشير إلى أشخاص معينين.

٥- النفس بمعنى الجنس والعشيرة: مثل قوله تعا لي: {لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ علىۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ علىۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ} [التوبة: ١٢٨]، ومن أنفسكم من جنسكم ومن نسبكم عربي قريشيّ مثلكم [تفسير الكشاف، ج٢، ص٢٢٢]، وقوله تعالى: {لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ} [آل عمران: ١٦٤]، ومثل قوله تعالى: {وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أزواجا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: ٢١]، {مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا} [الروم: ٢١]، من شكل أنفسكم وجنسها لا من جنس آخر [المرجع السابق: ج٣ ص٨ ١ ٢ ].

٦- النفس بمعنى أنها موجهة للخير والشر، مثل قوله تعا لي: {وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ} [النازعات: ٤٠]، "ونهى النفس" الأمارة بالسوء "ضد الهوى" المردي، وهو اتباع الشهوات، وزجرها عنه وضبطها بالصبر والتوطيد على إيثار الخير [ الزمخشري، تفسير الكشاف، ج٤، ص٢١٦]، ومثل قوله تعالى: {لَآ أُقۡسِمُ بِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ * وَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلنَّفۡسِ ٱللَّوَّامَةِ} [القيامة: ١-٢]، يعنى "بالنفس اللوامة" النفس المتقية التي تلوم النفوس، أي النفس التي لا تزال تلوم نفسها وهكذا فإن النفس في القرآن الكريم وردت بهذه المعاني المتعددة، ومن هنا يقال إن للنفس عدة إطلاقات ومعان.

واتضح أن النفس في القرآن الكريم تدل غالبًا على الذات في جملتها، ومجموعها الجامع بين الجسم والروح، وأمَّا إذا أخذت النفس وحدها، فإنها تدل على إضافة الحياة من الله سبحانه وتعالى، وتأتي أيضًا بمعان متعددة، مثل: التمييز، والإدراك، وتأتي بمعنى الجنس والعشيرة، ووردت أيضًا بمعنى القلب والضمير... وهكذا.

ثم هي تشير إلى عنصر الدوافع والنشاط الحيوي، أكثر من دلالتها على المعنى الواعي أو المفكر فيه: فهي لفظ عام يشمل الإنسان كله، ولا يختصر بالدلالة على التفكير أو الفهم [د. عبد الكريم العثمان: الدراسات النفسية عند المسلمين، ص ٥٥]، بل يشمل في مجموعه الكلي النشاط الحيوي، والدوافع، والانفعالات، والفهم، والتفكير، والإدراك.

ويقول الزمخشري في هذا الصدد: والنفس ذات الشيء، وحقيقته يقال: إن عندي كذا نفسًا، ثم قيل للقلب نفس؛ لأن النفس به، ألا ترى إلى قولهم: المرء بأصغريه، وكذلك بمعنى الروح، وللدم نفس لأن قوامها بالدم، وللماء نفس لفرط حاجتها إليه، قال الله تعالى: {وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ} [الأنبياء: ٣٠]، وقولهم فلان يؤامر نفسيه: إذا تردد في الأمر، واتجه له رأيان، وداعيان لا يدرى على أيهما يعرِّج، كأنهم أرادوا داعي النفس، وهاجس النفس فسموهما نفسين، إما لصدورهما عن النفس، وإما لأن الداعيين لمَّا كانا المشيرين عليه والآمرين له شبهوهما بذاتين فسموهما نفسين.

ويجوز أن يراد به قلوبهم، ودواعيهم، وآراؤهم [الزمخشري: تفسير الكشاف ج ١ ص١٧٥]، أي أنه من الممكن أن تطلق كلمة النفس، ويراد بها الناحية الإدراكية في الإنسان دون أن تختص النفس بهذا اختصاصًا كليًا مانعًا لغيره، وبهذا يتضح أن كلمة (النفس) في القرآن الكريم لم توضع للدلالة على شيء معين في ذاته دون أن تطلق على غيره.  

الروح في القرآن الكريم:  

وردت كلمة الروح في القرآن الكريم في خمسة وعشرين موضعًا، وهذه الكلمة أقل ذكرًا من كلمة النفس، وهذه النصوص تدل على أن الروح مخلوقة من قبل الله سبحانه وتعالي، وأنه قَدَّرَ آجالها وأرزاقها، وهي غالبًا مضافة إلى الله سبحانه وتعالين وأكثر ما تدل عليه هو: الحياة، ولم ترد قط للدلالة على البدن وحده، ولا للدلالة على كلمة البدن والنفس معًا، ومع هذا فإن هذه الكلمة تطلق على عدة معان:

١- وردت كلمة الروح بمعنى أنها مخلوقة لله تعالى: وهذا ما ذهب إليه ابن القيم بقوله: إن بارئها وفاطرها سبحانه صور النسم، وقدر خلقها، وآجالها وأعمالها، واستخرج تلك الصور من مادتها، ثم أعادها إليها، ولا تدل على أنها - الروح - خلقت خلقًا مستقرًا ثم استمرت موجودة حية عالمة ناطقة كلها في موضع واحد [ابن القيم: كتاب الروح، ص٢١٧].

والآيات القرآنية خير شاهد على هذا، مثل قوله تعالى: {وَٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلۡنَٰهَا وَٱبۡنَهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ} [الأنبياء: ٩١]، ونفخ الروح في الجسد عبارة عن إحيائه [الزمخشري: تفسير الكشاف، ج ٢ من ٥٨٢]، وقوله تعالى: {فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ} [الحجر: ٢٩] أي إذا خلقته، ودل بإضافة الروح إلى ذاته على أنه خلق عجيب لا يعلم كنهه إلا هو [المرجع السابق: ج ٣، ص٢٤١]، وقوله تعالى: {وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ} [النساء: ١٧١]، ويجوز أن يراد بقوله تعالى: {وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ} [النساء: ١٧١]، الأمران معًا أي أنه خلق بنفخ الملك المعبر عنه بالروح، وبروح القدس في أمه نفخًا كان كالأثر الذي يحصل باقتران الزوجية، وكان مؤيدًا بهذه الروح مدة حياته، ولذلك غلبت عليه الروحانية، وظهرت آيات الله فيه زمن الطفولة وزمن الرجولة [ محمد رشيد رضا: تفسير المنار،ج٢، ص٨٣]، ونلاحظ من هذه الآيات أن كلمة الروح وردت وهي تدل على أنها مخلوقة ومربوبه لله سبحانه وتعالى، وهذا ما أكد عليه ابن القيم في مواضع عديدة، منها قوله: فنفخه في آدم هل هو فعل له أو مفعول؟ وعلى كل تقدير فالروح الذي نفخ منها في آدم روح مخلوقة غير قديمة، وهي مادة روح آدم، فروحه أولى أن تكون حادثة مخلوقة وهو المراد [ابن القيم: كتاب الروح، ص٢١٠].

واستعملت كلمة الروح في الدلالة على الملك الخاص، مثل قوله تعالى: {قُلۡ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلۡقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّ} [النحل:١٠٢]، وهو جبريل - عليه السلام: وأضيف إلى القدس وهو المطهر [الزمخشري: تفسير الكشاف، ج ٢ ص٤٢٨]، ومثل قوله تعالى: {نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ * عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ} [الشعراء: ١٩٣-١٩٤]، ومثل قوله تعالي: {يُلۡقِي ٱلرُّوحَ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ لِيُنذِرَ يَوۡمَ ٱلتَّلَاقِ} [غافر: ١٥].

وقد تطلق كلمة الروح على القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ} [الشورى: ٥٢] {رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ} يريد ما أوحي إليه من القرآن؛ لأن الخلق يحيون به في دينهم كما يحيا الجسد بالروح [المرجع السابق ٣، ص ٤٦٧].

إن كلمة الروح من حيث ذاتها وردت على أنها مخلوقة من قبل الله سبحانه وتعالي، وقد تطلق على الملك والوحي والقرآن، وهي في حقيقتها من أمر الله سبحانه وتعالى، وهذا يوضح خفاءها وغموضها، هذا على الوجه العام المتعارف عليه.

وقد يراد بها - زيادة على ذلك - القوة والثبات والنصرة التي يؤيد بها من شاء من عباده المؤمنين، كما قال تعالى: {أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٖ مِّنۡهُۖ} [المجادلة: ٢٢].

وقد يراد بها الروح التي سأل عنها اليهود، وأكثر السلف بل كلهم على أن الروح المسئول عنها في الآية [الزمخشري: تفسير الكشاف ج ٣، ص٤٦٧]، ليست أرواح بني آدم، بل هو الروح الذى أخبر الله عنه في كتابه أنه يقوم يوم القيامة مع الملائكة، وهو ملك عظيم، فأجيبوا بأنه من أمر الله، وأنه الروح المذكور في قوله: {يَوۡمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ صَفّٗاۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَقَالَ صَوَابٗا} [النبأ: ٣٨]، والروح المذكور في قوله تعالى: {تَنَزَّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمۡرٖ} [القدر: ٤].

ثم قد يراد به المسيح ابن مريم، قال تعالى: {إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ} [النساء: ١٧١]، وهذا كله بالنسبة لإطلاقات الروح في القرآن الكريم، وأما أرواح بني آدم التي بها الحياة فيرى ابن القيم: "أنها لم تقع تسميتها في القرآن إلا بالنفس [ابن القيم: كتاب الروح ص٢٠٧]، واستشهد ابن القيم لرأيه هذا بآيات قرآنية موجهة إلى الذات الإنسانية، وهى قوله تعالى: {يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَئِنَّةُ} [الفجر: ٢٧]، وقوله تعالى: {وَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلنَّفۡسِ ٱللَّوَّامَةِ} [القيامة: ٢]، وقوله تعالي: {إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ} [يوسف: ٥٣]، وقوله تعالى: {أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ} [الأنعام: ٩٣]، وقال تعالى: {كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ} [آل عمران: ١٨٥]، وأما في السنة فجاءت بلفظ النفس والروح [ المرجع السابق: ص٢٠٧].

النفس والروح في السنة النبوية

اختلف أهل الحديث والأثر في مسألة النفس والروح، وهل هما شي واحد أو شيئان مختلفان؟ ذهب فريق من أهل الأثر إلى أن النفس والروح شي ء واحد، وذهب الفريق الآخر إلى أن الروح غير النفس.

الرأي الأول: قال جمهورهم: إن مسماهمًا واحدًا [ابن القيم: كتاب الروح، ص ٢٩٢، تحقيق: محمد الإسكندر بلدًا، طبعة: دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى سنة ١٩٨٢م]، وسندهم حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم: «إنَّ المؤمنَ ينزلُ به الموتُ، ويُعايِنُ ما يُعايِنُ، يودُّ لو خرجت نفسُه، واللهُ يحبُّ لقاءَه، وإنَّ المؤمنَ تصعدُ روحُه إلى السماءِ، فتأتيه أرواحُ المؤمنين، فيستخبرونَه عن معارفِه من أهلِ الدُّنيا» [صحيح مسلم: كتاب الذكر، حديث ١٥].

ويقول ابن القيم: فسميت النفس روحًا لحصول الحياة بها، وسميت نفسًا إما من الشيء النفيس؛ لنفاستها وشرفها، وإما من تنفس الشيء إذا خرج؛ فلكثرة خروجها، ودخولها في البدن سمّيت نفسًا [ابن القيم كتاب الروح ص٢٩٢ (تحقيق محمد الإسكندربلدًا)]

الرأي الثاني: وهو رأي بعض علماء الحديث، وفيه يذهبون إلى أن الروح غير النفس، قال مقاتل بن سليمان: "للإنسان حياة، وروح، ونفس، فإذا نام خرجت نفسه التي يعقل بها الأشياء، ولم تفارق الجسد، بل تخرج كحبل ممتد له شعاع، فيرى الرؤيا بالنفس التي خرجت منه، وتبقى الحياة والروح في الجسد فيهما يتقلب ويتنفس، فإذا حرك رجعت إليه أسرع من طرفة عين، فإذا أراد الله – عزوجل - أن يميته في المنام أمسك تلك النفس التي خرجت، وقال أيضًا: إذا نام خرجت نفسه فصعدت إلى فوق فإذا رأت الرؤيا رجعت فأخبرت الروح، ويخبره الروح، فيصبح يعلم أنه قد رأى كيت وكيت [المرجع السابق: ص٢٩٢].

قال ابن عباس - رضي الله عنهما: في ابن آدم نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس، فالنفس التي بها العقل، والتمييز، والروح التي بها النفس والتحريك، فإذا نام العبد قبض الله نفسه، ولم يقبض روحه [الزمخشري تفسير الكشاف، ج٣ ص٤٠٠].

والزمخشري رفض هذا الرأي بقوله: لأن الله - عز وجل - علق التوفي، والموت، والمنام جميعًا بالأنفس [المرجع السابق: ج ٢ ص٤٠٠].

ويلاحظ في قول الذين قالوا: بأن النفس غير الروح أنهم لا يعتمدون في قولهم هذا على آيات قرآنية صريحة ولا أحاديث نبوية، بل اعتمدوا على إرسال القول دون سند يؤيد وجهة نظرهم هذه.

وابن القيم يقول في هذه المسألة: إن الروح والنفس بمعنى واحد، ويقال فاضت نفسه، وخرجت نفسه، وفارقت نفسه، كما يقال خرجت روحه وفارقت [ابن القيم: كتاب الروح، ص٢٩٢].

لم ترد اللفظتان في آية واحدة لكي لا تحصل دلالة قاطعة على أن هناك فرقًا، واختلافًا بين الكلمتين والاختلاف واقع في اللفظ فقط دون المعنى.

والإمام الغزالي يرى في المعنى العام لكلمة النفس أنه الجوهر القائم في الإنسان من حيث هو حقيقته، هذا الجوهر الذي يسميه الحكماء النفس الناطقة، ويسميه القرآن النفس المطمئنة والروح الأمري، ويسميه الصوفية القلب، والخلاف بين هذه الكلمات على حد تعبير الغزالي في الأسامي، والمعنى واحد لا خلاف فيه (غير موجود بالهامش).           

وبهذا يتضح أن كلمتي: النفس، والروح في الحقيقة.. واحد، وترد كل منهما بعدة معان بحسب الموقف الخاص بها، وتطلق كلمة النفس إذا كانت متصلة بالبدن، وأما إذا وجدت مجردة بدون البدن فتسمى بالروح؛ لسموها وعلوها.

هذا ما ارتضاه الطحاوي في عقيدته: "فالتحقيق أن النفس تطلق على أمور، وكذلك الروح، فيتحد مدلولها تارة، ويختلف تارة، فالنفس تطلق على الروح، ولكن غالبًا ما يسمَّى نفسًا إذا كانت متصلة بالبدن، وأما إذا أخذت مجردة فتسمية الروح أغلب عليها [انظر: الدكتور عبد الكريم العثمان: الدراسات النفسية عند المسلمين، ص ٦١ -٦٢].

تعريف النفس والروح لغة واصطلاحا:

إن البحث في أمر النفس والروح الإنسانية من الأمور والقضايا التي تعددت فيها الآراء ووجهات النظر، وكثرت فيها الأقاويل، لذا كان لزامًا عرض هذه الآراء الفلسفية والكلامية والصوفية، ثم بعد ذلك تعرض على الكتاب والسنة النبوية من خلال ابن قيم الجوزية، وذلك بهدف بلورة هذه التعريفات في ضوء المعايير القرآنية.

ومن المعلوم أن دراسة مسألة النفس والروح الإنسانية لم تكن من القضايا التي شغلت بال المفكرين المحدثين والمعاصرين فقط، بل هي – أيضًا - وجدت منذ وجد الإنسان على أرض المعمورة، ومن ثم حظيت النفس والروح الإنسانية بالدراسة في جميع الفلسفات اليونانية، والهندية، والإسلامية، والأوروبية، وسوف يتضح من خلال هذه المدارس أن أمر النفس والروح لم ينته بالباحثين إلى رأي واحد مجمع عليه، والسبب في هذا راجع إلى غموض الرؤية حول النفس، والروح، ولا يرتاب أحد في أنها موجودة، كما لا يشك في أنها مدركة، ومن خلال هذه النظرة المتفق عليها ذهب كل باحث إلى ذكر تعريف خاص به للروح الإنسانية.

أما الماديون فهم لا يعترفون إلا بالمادة وما ينجم عنها، ومن ثم فالنفس عندهم نتيجة ووظيفة للمادة، وفي الناحية المقابلة كان المثاليون يردون كل شيء إلى النفس؛ لأنها وحدها عندهم هي الحقيقة، وما عداها إنما هو صور وأوهام، وبين الماديين والمثاليين يقف المعتدلون من جمهور المسلمين.

ومن المعروف أن الروح شيء مفارق ومخالف للبدن، والإنسان أكثر من جسم حي، ففي الإنسان ركيزة أساسية تجعل منه كائنًا آخر، ألا وهي الروح، وبهذه الركيزة زود بطاقات من أبرزها طاقة المعرفة، وطاقة القوة، وطاقة الانسلاخ عن البدن وهي عاملة فكرها، فهو مخلوق ذو طبيعة مزدوجة فيه القدرة على الارتفاع إلى أقصى المدى حيث يكون الحق، وفيه – أيضًا - القدرة على الهبوط إلى الحضيض، وبتلك الركيزة (الروح) نرى الإنسان قادرًا على التفكير المعنوي، والتفكير الحسي على حد سواء.

ومن أهم التعريفات التي قيلت في النفس والروح الإنسانية:

النفس والروح في معاجم اللغة العربية، ويراد بها هذه المعاني:

١- النفس: الروح.

٢- النفس: الدم، وإنما سمي الدم نفسًا؛ لأن النفس تخرج بخروجه.

٣- النفس: يُعَبَّرُ بها عن الإنسان جميعه كقولهم: عندي ثلاثة أنفس، أي ثلاثة رجال.

٤- ونفس الشيء: ذاته يقال رأيت فلانًا نفسه، وجاءني بنفسه [علي بن علي بن محمد الحنفي: شرح الطحاوية في العقيدة السلفية، ج ٢ ص ١٥٤ - تحقيق: الدكتور عبد الرحمن عميرة، طبعة: مكتبة المعارف -الرياض -سنة ١٩٨٢م].

النفس والروح في المعاجم الفلسفية:

الروح: ما به حياة الأنفس، وهو اسم للنفس لكون النفس بعض الروح، أو لكونها مبدأ الحياة العضوية والانفعالية.

١- الروح مبدأ الحياة في البدن؛ فإن من شرط حياة هذا البدن سريان الروح فيه كسريان ماء الورد في الورد [ابن منظور: لسان العرب، ج٤٦ ص٤٥ طبعه دار المعارف مصرد. ت].

٢- الروح هو الريح المتردد في مخارق الإنسان ومنافذه، وهي عند قدماء الأطباء جسم بخاري لطيف يتولد من القلب، وينتشر بواسطة العروق الضوارب في سائر أجزاء البدن، ومنه الأرواح الحيوانية.

وعند ديكارت وأصحابه: [التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون، ج ٣، ص٢٦] هي أجزاء لطيفة من الدم تذهب من القلب إلى الدماغ، ثم تنتشر منه بواسطة الأعصاب في سائر أجزاء البدن [للمزيد انظر: رينيه ديكارت: مقال عن المنهج ص ١٥٢، وما بعدها (ترجمة: محمود محمد الخضيري مراجعة د. محمد حلمي طبعة: البيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٨٥، الطبعة الثالثة)].

نستنتج من هذه المقولة أن الروح جسم مادي لطيف ذو ثقل وأبعاد، وأنها غير ساكنة.

٣- الروح: هي اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان، الراكبة على الروح الحيواني، نازلة من عالم الأمر، تعجز العقول عن إدراك كنهها، وتلك الروح قد تكون مجددة، وقد تكون منطبعة في البدن [التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون، ج ٣ ص ٢٦].

٤- التعريف الرابع للروح قدمه أبو البركات البغدادي، وهو معروف بمعارضته الشديدة لأرسطو، والمدرسة المشائية، وتعريفه للروح الإنسانية فيه شيء من الاستقلالية برأيه، وهو يقول: النفس قوة حالَّة في البدن تفعل فيه، وبه ما تصدر عنه من الأفعال والحركات المختلفة الأوقات والجهات بشعور، ومعرفة مميزة لها بحسبها، ويحصل له بها كماله النوعي، وتحفظه عليه [الجرجاني: التعريفات ص ٩٩ طبعة الحلبي، مصر سنة ١٩٣٨م].

٥- عند المحققين من أئمة علماء الكلام وحجة الإسلام الإمام الغزالي، وأكثر الصوفية وجمهور الفلاسفة أنها جوهر مجرد - ليس جسمًا ولا جسمانيًا - متعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف لا تعلق الجزء بالكل، ولا تعلق الحالَّ بالمحل، إنه صادق باق بعد خراب البدن، مدرك للكليات والجزئيات [د. يحيى هويدي: دراسات في علم الكلام والفلسفة الإسلامية، ص٢٥٨].

٦- أما التعريف السادس للروح فيأتي من قبل أهل الفلسفة المادية: وهي عندهم أمر ثانوي بالنسبة للطبيعة، وكانت الروح عند الماديين القدماء أكبر جزء عقلي في النفس تسيطر على الجسد كله.

وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر اعتبر بعض الماديين من أمثال: هوبز، ولوك الروح مجرد شكل للمعرفة الحسية، كذلك فإن المادية الجدلية لا ترد ما هو روحي إلى المحصلة البسيطة للإحساسات، كما ترفض تصور أنها شيء قائم مستقل عن المادة؛ فما هو روحي هو وظيفة المادة في أعلى أشكالها العضوية [عبد الرحمن البرقوقي: المدية السعيدية في الحكمة الطبيعية ص ٢٠٨، طبعة المنار الإسلامية سنة١٣٢٢هـ].

لقد شغلت دراسة النفس والروح الإنسانية جانبًا كبيرًا في الفكر الإسلامي فاشتغل بها كل من ساهم فيه بنصيب أو أدلى فيه برأي.

من هنا كانت دراسة النفس والروح الإنسانية قاسمًا مشتركًا في الفكر الإسلامي، فهي عند الصوفية: صوفية أهل السنة، وصوفية الفلاسفة، كما أنها عند المتكلمين وفلاسفة الإسلام، وإن كانت طريقة البحث أي من ناحيتها النظرية والعملية، ومعالجة الموضوعات النفسية تختلف لدى من تناولها، كلٌّ حسب اهتمامه، وانشغاله بهذا العلم، أو ذاك.

فعناصر وقواعد دراسة النفس والروح عند صوفية أهل السنة، تختلف عن عناصر وقواعد دراسة صوفية الفلاسفة، وذلك من بعض الوجوه.

وكذلك اختلف المتكلمون عن غيرهم بقواعدهم العقلية في دراسة النفس، والروح، حتى الفرقة الواحدة، تعددت فيها وجهات النظر في أمر النفس، والروح.

النفس والروح عند المتكلمين

عكف المتكلمون الأوائل على دراسة النفس والروح الإنسانية في ناحيتها النظرية، ونلمس هذا من خلال بحوثهم الكثيرة، ويأتي هذا الكم الوفير في بحوثهم النفسية، والروحية نتيجة لكثرة الفرق الكلامية، وبالتالي كانت آراؤهم في النفس، والروح والحياة متضاربة ومتعددة.

لقد اختلف المعتزلة والأشاعرة في الروح والنفس والحياة، وهل الروح هي الحياة، أو غيرها؟ وهل النفس هي الروح، أو بينهما فرق؟ وهل الروح جسم مادي، أو جوهر روحي؟ ففريق ذهب إلى إنكار النفس جملة، وقال لا أعرف إلا ما شاهدته بحواسي.

ومال أبو الهذيل محمد بن العلاف [لجنة من العلماء والأكاديميين السوفيتيين: الموسوعة الفلسفية ص ٢٣١ إشراف: روزنتال ويؤدين، ترجمة سمير كرم، طبعة دار الطليعة بيروت، الطبعة الرابعة، سنة ١٩٨١م]، إلى أن النفس عرض من الأعراض، وهي كسائر أعراض الجسم.

وذهب الباقلاني [العلاف: هو أبو الهذيل محمد بن العلاف. ولد سنة ١٣١هـ، أو سنة ١٣٤هـ، وتوفي عام    ١٤٢/ م، وهو من أصل غير عريي ويعتبر من الطبقة السادسة من المعتزلة. (انظر د. النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، ج ١، ص ٤٣٣ وما بعدها]، ومن تبعه من الأشاعرة إلى أن النفس هي النسيم الداخل الخارج بالتنفس.

وذهب النظام إلى أن النفس جوهر ليست جسمًا، ولا عرضًا، ولا لها طول ولا عرض ولا عمق، وهي الفعالة المدبرة.

وفريق آخر، منهم "جعفر بن حرب [الباقلاني: هو القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد الباقلاني، من كبار متكلمي الأشاعرة ولد بالبصرة في الربع الثاني من القرن الرابع الهجري وكان قوي الحجة شديد الوطأة على المخالفين من المعتزلة والروافض والمجسمة، وغيرهم من الفرق المخالفة لمذهب أهل السنة والجماعة وتوفي في بغداد عام١٠١٣م (انظر: معجم أعلام الفكر الإنساني، تصدير: د. إبرا هيم مد كور، ج١ ص ٨٤٩ -٨٥٦] سكت عن هذه المسألة، وقال: "لا ندري الروح جوهر أو جسم"، وحجتهم في ذلك قوله تعالى: {وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنۡ أَمۡرِ رَبِّي} [الإسراء: ٨٥].

وقال قائلون إن الحياة هي الحرارة الغريزية، وذهب فريق إلى أن الروح ليس شيئًا أكثر من اعتدال الطبائع الأربع.

وذهب الجبائي [جعفر بن حرب: من المعتزلة والجعفرية هم أصحاب الجعفر بن مبشر وجعفر بن حرب ظهر في أيام المعتصم (انظر: ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج ١ص ٣٤] إلى أن الروح جسم، وأنها غير الحياة، والحياة عرض، وأن الروح لا تجوز عليها الأعراض [الجبائي: هو أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي، ولقب الجبائي نسبة إلى جبا من أعمال خوزستان ولد عام د ٢٣٥ هـ وترأس مدرسة المعتزلة عام٢٦٧هـ وتوفي سنة٣٣٠هـ انظر: د. أحمد محمود صبحي: في علم الكلام ص / ٢٩٧، وما بعدها، ط: الرابعة سنة ١٩٨٢م].

ولا بد في البداية من التساؤل عما إذا كانت هذه الآراء المختلفة التي قيلت في النفس الإنسانية من قبل المتكلمين يمكن أن نسميها دراسات نفسية بالمعنى العلمي؟

قيل في هذه الدراسات: "وإنما هي في الحقيقة آراء وخواطر متناثرة غير متكاملة، لم تصل بعد إلى درجة النظرية العلمية القائمة على القوانين العلمية، كذلك نلاحظ فيها تأثير الأفكار الأجنبية، وعلى الأخص الأفكار اليونانية، التي انتشرت في العالم الإسلامي آنذاك. [الشريف الجرجاني: شرح المواقف، ج ٢ ص ٣٢٦ وما بعدها – وابن حزم: الفصل في الملل والنحل ٥ص٧٤ والأشعري: مقالات الإسلاميين ج ٢، ٢٩].

وعلى الرغم من هذا فإنه يبدو أن المتكلمين درسوا النفس الإنسانية دراسة شبه شاملة لجميع قواها، وصورها العملية بعدما درسوها من الناحية الغيبية، ومن الممكن أنهم في دراساتهم للنفس الإنسانية، وفي أقل تقدير، قد أرسوا الأساس لمن تلاهم لدراسة الإنسان، وذلك ملحوظ من خلال آرائهم في هذا الموضع متعدد الجوانب فمثلًا في مسألة حقيقة النفس: هل هي جزء من أجزاء البدن، أو عرض من الأعراض، أو جوهر مجرد؟ ويلاحظ أنه حتى في القول الواحد كثرت وجهات النظر، وذلك يتضح عندما قالوا: بأن النفس جسم، واختلفوا في معنى الجسم وتعريفه، وهذا يؤدي إلى إعمال الفكر والتأمل في القول، وقبوله إذا كان صوابًا، أو الإعراض عنه؛ بحثًا عما هو أقرب إلى الصواب والإحكام، وذلك ما يحتم على الباحث أن يعرض آراءهم في الجسم والنفس والروح.

مسمى الجسم عند المتكلمين:

من الأمور التي لا بد من توضيحها قبل البدء في مناقشة الذين تصوروا النفس جسمًا ماديًا، الإشارة إلى مسمى الجسم في اصطلاح المتفلسفة والمتكلمين، فهو أعم من مسماه في لغة العرب، وعرف أهل العرف، فإن الفلاسفة يطلقون الجسم على قابل الأبعاد الثلاثة خفيفًا كان أو ثقيلًا، مرئيًا كان أو غير مرئي، فيسمون الهواء جسمًا، والنار جسمًا والماء جسمًا، وكذلك الدخان، والبخار، والكواكب، ولا يعرف في لغة العرب تسمية شيء من ذلك جسمًا ألبتة فهذه لغتهم [انظر د. نجاتي: الإدراك الحسي عند ابن سينا، ص ٢٤]؛ لأن الجسم في لغة العرب هو البدن وهو الجسد، كما قال غير واحد من أهل اللغة، فلفظ الجسم يشبه لفظ الجسد وهو الغليظ الكثيف، والعرب تقول: هذا جسيم وهذا أجسم من هذا، أي: أغلظ منه، قال تعالى: {وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ} [البقرة: ٢٤٧]، وقوله: {وَإِذَا رَأَيۡتَهُمۡ تُعۡجِبُكَ أَجۡسَامُهُمۡۖ} [المنافقون: ٤].

ثم قد يراد بالجسم نفس الغلظ والكثافة ويراد به الغليظ الكثيف [ابن منظور: لسان العرب، ج ١، ص ٦٢ الناشر: دار المعارف - مصر - ددت].

وعندما ندرس الجسم هنا نريد به اصطلاح الفلاسفة والمتكلمين، أي الجسم الطبيعي المعرف بأنه: جوهر يمكن أن يفرض فيه أبعاد ثلاثة متقاطعة على زوايا قائمة.

تصور المتكلمين للنفس:

وقف المتكلمون الأوائل في دراستهم للنفس الإنسانية عدة مواقف، بين قول قائل بأنها مادة، آخر بأنها جوهر مجرد عن المادة، وقول ثالث ذهب يؤيد قوله بالأدلة والحجج والبراهين، غير أنه يجب عند بحث النفس، والروح الإنسانية، ألَّا يعزب عن أذهاننا طريقة أهل الكلام العامة في إطلاق الأسماء، فهم يسمون القادر الحي: الإنسان، ويلقبون الكلام في ذلك بأنه كلام في الإنسان، وإن كان الحي من البهائم ليس بإنسان، ومرادهم هو الحي، إنسانًا كان أو بهيمة، والمتفلسفون يسمونه نفسًا، ويضعون الكلام في ذلك في النفس والعبارة تختلف دون المقصد [التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون، ج ص ٣٣٦، والإيجي: المواقف بشرح الجرجاني، ج ٢ ص ٩٣ ١ طبعة إسطنبول].

وفيما يلي آراء الفرق الكلامية في تصورها للنفس:

أولًا: فرقة المعتزلة: لها عدة آراء في تصورها للنفس الإنسانية، منها:

أ‌. بعض المعتزلة أنكر وجود النفس كجوهر روحاني مستقل عن البدن ومتميز عنه، بمعنى أن النفس والجسد يعبران عن شيء واحد وهو الإنسان، وهذا هو رأي أبو الهذيل، ومعمر، وهشام الفوطي، والنظام.

وبناءً على هذا أنكروا الجواهر المجردة عن المادة لأنهم قالوا: "لا جوهر إلا المتميز" أي: القابل للآثار الحسية، وما ذلك إلا لأنهم نفوا الجواهر المجردة، وحكموا باستحالتها [وذلك مثل قولهم: والذي نقوله: إن الحي هو هذا الشخص، وقال في موضع آخر: إن الإنسان هو الأجزاء المبنية دون البنية والصورة ولا يجري هذا الاسم عليه إلا على ما كان من لحم ودم وإن لم يكن حيًّا [انظر: القاضي عبد الجبار: كتاب المغني ج ١١التكليف ص٣١٢، تحقيق: محمد علي النجار، د. عبد الحليم النجار، الناشر: المؤسسة المصرية – مصر سنة ١٣٨٥هـ -١٩٦٥م]؛ لأن الجوهر الفرد عندهم هو العنصر الأول في تكوين الأجسام، وأن الجسم عندهم ينتهي بالتجزئة إلى حد لا يقبل التجزئة والانقسام، ومن هنا قالوا: إن الإنسان عبارة عن هذه النية المحسوسة، ومن أوضح الأمثلة على هذا التصور المادي ما ذهب إليه الأصم المعتزلي الذي قال: لست أعقل إلا الجسد الطويل العريض العميق الذي أراه وأشاهده [الشريف الجرجاني: شرح المواقف، ج ٢، ١٩١]، وكان يقول: النفس هي هذا البدن بعينه لا غير، وإنما جرى عليها هذا الذكر على جهة البيان والتأكيد لحقيقة الشيء، لا على أنها معنى غير البدن [القاضي عبد الجبار: المغني، ج ١١، ص ٣١٠].

ويقول أبو الهذيل: إنه هذا الجسد الظاهر المرئي الآكل الشارب، وحياته غيره، ويجوز أن تكون الحياة عرضًا، ويجوز أن تكون جسمًا [المصدر نفسه]، ويقول النظام: إنه الروح، وهو الحياة المشابكة لهذا الجسد، وأنه في الجسد على جهة المداخلة، وهو جوهر واحد غير مختلف ولا متضاد، وهو قوي حي عالم بذاته [القاضي عبد الجبار: المغني ج ١١ص ٣١٠ (تحقيق محمد علي النجار، د. عبد الحليم النجار) طبعة: الحلبي ١٣٨٥هـ]، والمفهوم من قوله هذا أن الروح جسم لطيف وهي الحياة، وأنه في الجسد على هيئة المداخلة والمساكنة.

ويتضح لنا هذا أكثر في قوله: إن روح الإنسان جسم لطيف، وهي أفضل ما في الانسان، وهي تشابك البدن بأجزائه وهو آلتها، والإنسان في الحقيقة هو الروح، وليست العلوم والإرادات سوى حركات النفس [حي عالم بذاته: أي أوجد نفسه، وهنا رد عليه القاضي عبد الجبار بقوله: فإن الإنسان لوكان حيًّا بنفسه لوجب كونه مستحقًا لسائر الصفات التي يستحقها القديم لنفسه؛ لأنه لا يجوز في الشيئين أن يشتركا في صفة من صفات النفس دون سائر صفات النفس (انظر: المغني، للقاضي عبد الجبار، ج١١، ص٣٢٣)].

فالنفس عند النظام، جسم لطيف نوراني مداخل للبدن على هيئة المساكنة، ويقول الدكتور عرفان عبد الحميد في كتابه (الفلسفة الإسلامية): إن هذا التصور المادي المعتدل للنفس قال به بادئ الأمر النظام المعتزلي، وصار فيما بعد رأي الأكثرية من أهل السنة، وكذلك أخذ به الجويني (المتوفى سنة ٤٧٨هـ)، والرازي (المتوفى سنة ٦ ٠ ٦هـ)، وابن تيمية (المتوفى سنة ٧٢٨هـ)، وابن قيم الجوزية (المتوفى سنة ٧٥١ هـ) [الشريف الجرجاني: شرح المواقف ج ٢ ص ٤٨١، ودي يور: تاريخ الفلسفة في الإسلام، ص١١١(ترجمة د. عبد الهادي أبو ريده، الطبعة الخامسة، طبعة مكتبة النهضة المصرية د. ت)]، وهذا عرفان، ما يدفع الباحث إلى أن يشير إلى رأي الحارث المحاسبي (المتوفى سنة ٢٤٣هـ)، وهو الذي عاصر النظام، يقول المحاسبي في الروح: فما ظنك بالروح إذا كان هو المجذوب عن كل عرق، ومفصل، وأصل كل شعر، وبشرة، من أعلاه، وأسفله، وجميع بدنه [انظر: الدكتور عرفان عبد الحميد: الفلسفة الإسلامية. ص١٠٠الطبعة الثانية سنة ١٩٨٤ م. الناشر مؤسسة الرسالة بيروت]، وهذا القول يدل على أن الروح جسم لطيف منتشر في البدن كله، وهو قول معتدل في النفس الانسانية، وبهذا يكون المحاسبي قد قال به، فإذا لم يكن قد سبق النظام، فإنه يعتبر تاريخيًا، موازيًا للنظام ومشتركًا معه في هذا الرأي.

أما بالنسبة لمسمى النفس والروح عند النظام: أهما اسمان لمعنى واحد أم أن هناك اختلافًا بينهما؟

الظاهر أن الروح عند النظام هي جسم لطيف، وهي النفس، وزعم أن الروح حي بنفسه، وعلى هذا فالنفس، والروح عند النظام اسمان لمعنى واحد، وهو ما تكون به الحياة وحقيقة الإنسان.

وهذا ما ارتضاه ابن القيم من بعده في أن النفس، والروح بمعنى واحد، وذلك عندما قال: أما الروح التي تتوفى، وتقبض فهي روح واحدة، وهي النفس [الحارث المحاسبي: الرعاية لحقوق الله ص ١٣٩، (تحقيق: عبد القادر أحمد عطا) الطبعة الرابعة سنة ١٩٨٥الناشر دار الكتب العلمية - بيروت].

ولكن ما هو مفهوم العلاقة بين الروح والجسد عند النظام؟

في الواقع ليس هناك نص للنظام يوضح فيه هذه العلاقة صراحة، ولكن المفهوم من قوله، إن الروح هي الحياة المشابكة لهذا الجسد، وأنها في الجسد على جهة المداخلة، وأنه جوهر واحد غير مختلف، وهو قوي حي عالم بذاته [ابن القيم: كتاب الروح ص ٢٩٣ (تحقيق: ث. محمد الإسكندر يلدا)]، أن هذه العلاقة التي بين الروح، والجسد، ما هي إلا علاقة وحدة كلية تنفي عن نفسها فكرة الثنائية وهذا التعلق ليس ضعيفًا يسهل زواله بأدنى سبب.. وليس أيضًا تعلقًا في غاية القوة بحيث إذا زال التعلق بطل المتعلق [القاضي عبد الجبار: المغني، ج ١١، ص ٣٣٩].

والنظام في تعريفه للنفس حين قال: "إن البدن آفة عليه" يبدو متأثرًا إلى حد ما بالأفلاطونية المحدثة [الجرجاني: كتاب شرح المواقف ج ٢ ص٣٢٧]، التي ترى: أن البدن سجن للنفس، فهو أصل شقائها على هذه الأرض، وأصل نقائضها وشرورها [الأفلاطونية المحدثة: أو مذهب الإسكندرانيين كما يسميها العرب، لأنها انطلقت من الإسكندرية في القرون الأولى للميلاد وهي وليدة أفكار أفلاطون القديمة ومؤسس هذا المذهب أمونيوس سكاس ومن أكبر مؤيديه تلميذه أفلاطون، وربما عد مؤسس المذهب، وفلسفة أفلاطون هي مزيج من آراء أفلاطون، والرواقين، وفيلون، ومن الأفكار الندية، والنسك الشرقي والديانات الشعبية المنتشرة آنذاك، فهي فلسفة تمتاز بعمق الشعور الصوفي والمثالية الأفلاطونية، أي تغلب عليها الناحية الذاتية بدلًا من الناحية الموضوعية. (انظر: د. محمد عبد الرحمن مرحبًا: كتاب من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية، من ص ٢١٧ إلى ٢٤٥، الطبعة الثالثة سنة١٩٨٣، الناشر: عويدات - بيروت)].

وبهذه النظرة نلمس أن النظام المعتزلي في آرائه النفسية عمومًا أو غالبًا، يظهر عليه طابع الحسية من جهة، والروحانية الأفلاطونية من جهة أخرى.

ومن الذين تصوروا النفس جسمًا ماديًا: بشر بن المعتمر [د محمد عبد الرحمن مرحبًا: من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية ص٢٤١]، الذي قال في الإنسان: "إنه هذا الجسد الظاهر والروح الذي تحيا به، وهما بمجموعهما حيان، وقال في موضع آخر: إن البدن هو الحي بالروح، والروح هي الحياة، والإنسان هو البدن [بشر بن المعتمر: له قصيدة تحتوي على أربعين ألف بيت رد فيها على جميع المخالفين له، توفي سنة ٢١٠هـ، وهو الذي أحدث القول بالتوليد (انظر: الشريف الجرجاني: شرح المواقف ج ٢ ص٤٨١ القاضي عبد الجبار: المغني ج ١١ ص٣١)]، وبِشْر في قوله هذا سائر على منهج النظام، وبالتالي تكون آراؤه هي نفس آراء النظام، وخاصة في مفهوم العلاقة بين الروح، والجسد، وذلك أن العلاقة التي بين الروح، والجسد ما هي إلا علاقة وحدة كلية تنفي عن نفسها فكرة الثنائية، وهذا واضح في النص السابق عندما قال: "إنه هذا الجسد الظاهر والروح الذي يحيا به، وهما بمجموعهما حيّان [المصدر السابق، ج ١١ ص٠ ١ ٣].

وهشام الفوطي ذهب مذهب بشْر بن المعتمر في الإنسان، لكنه يزعم أن الجسد موات، والروح هو الفعال المدرك للأشياء، وهو نور من الأنوار [نفس المصدر].   

وإذا عدنا إلى العلاف المعتزلي: المتوفى سنة ٢٣٥ هـ، لدراسة الجوهر الفرد والجسم عنده، لاستيضاح رأيه في حقيقة النفس، فإنه يبدو في مسألة العلاقة بين الجزء الذي لا ينقسم وبين الجسم، وأنه مال للرأي عند أوائل المعتزلة أمثال أبي الهذيل الذي عرّف الجسم بقوله: "هو ماله يمين وشمال، وظهر، وبطن، وأعلى، وأسفل.. وأقل ما يكون الجسم ستة أجزاء: أحدهما يمين، والآخر شمال، وأحدهما ظهر والآخر بطن، وأحدهما أعلى، والآخر أسفل، وأن الجزء الواحد الذي لا يتجزأ يماس ستة أمثاله، وأنه يتحرك ويسكن، ويجامع غيره، ويجوز عليه السكون والمماسة، ولا يحتمل اللون والطعم والرائحة ولا شيئًا من الأعراض غير ما ذكرنا حتى تجتمع الستة هذه الأجزاء فإذا اجتمعت فهي الجسم، وحينئذٍ يحتمل ما وصفناه [القاضي عبد الجبار: المغني ج ١١ ص ٣١٠].

وقد اعترض على هذا التعريف بأنه غير جامع لأفراده"؛ لأن المتبادر منه أن الجسم توجد فيه هذه الأبعاد بالفعل وأنها مناط الجسمية، ولا شك أن الجسم ليس جسمًا بما فيه من الأبعاد بالفعل؛ لأن الخط قد يوجد في الجسم بالفعل كما في الكرة، وأن السطح لازم لوجوده لا لماهيته [الأشعري: مقالات الإسلاميين، ج ٢ ص د].

ويُعْتَبَر العلاف أول مفكر إسلامي أدخل فكرة الجزء الذي لا يتجزأ، في المباحث الفلسفية، وهذا المذهب قد عرف من قبل في الفلسفة الهندية والفلسفة اليونانية، فالمسألة في بحثها - على هذا النحو - تبدو غريبة عن المناخ الفكري الإسلامي السائد عند المعتزلة، وربما فيما بعد حبذت عند الأشاعرة، وهذه النظرية ترجع في أساسها إلى مؤسسها الأول ليوسبس، والذي طورها من بعد ديمقريطس [التفتازاني: شرح المقاصد ج١، ص٢٦٦].

أما عن كيفية نشوء الأجسام عند العلاف، فهو يرجع نشوء الأجسام وانحلالها إلى اتصال الذرات وانفصالها أثناء حركتها وسكونها، ويرجع وجود الذرات نفسها ووجود الحركة والسكون فيها إلى خالق خارج عنها، وهو الله، أما المفهوم عند ديمقريطس في عملية نشوء الأجسام فذلك عن طريق تركيب الذرات الذي يؤدي إلى الوجود الذاتي للذرات في العالم الطبيعي، وبهذا يتم التمييز بين النظرتين، فنظرة العلاف ميتافيزيقية، أما نظرة ديمقريطس فهي من حيث المضمون الفكري نزعة مادية بمستواها التكويني الوجودي، وبهذا يتضح أن النفس عند أبي الهذيل جسم مؤلف من جزء معين، ولا يكون هناك جسم إلا إذا تكون من جزءين، ودون ذلك يكون جوهر.

أما بالنسبة لمسمى النفس والروح، أهما اسمان لمعنى واحد أم أن هناك اختلافًا وفرقًا بينهما؟ وهل الروح هي الحياة أو غيرها؟ يرى أبو الهذيل أن النفس معنى غير الروح، والروح غير الحياة، والحياة عنده عرض، وزعم أنه قد يجوز أن يكون الإنسان في حال نومه مسلوب النفس، والروح دون الحياة واستشهد على ذلك بقوله تعالي: {ٱللَّهُ يَتَوَفي ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا وَٱلَّتِي لَمۡ تَمُتۡ فِي مَنَامِهَاۖ} [الزمر: ٤٢]، وهذا ما وضحه القاضي عبد الجبار في كتابه المغني عندما قال: فالمراد عندنا أنه - أي أبي الهذيل - ذهب إلى أن الحيّ لا يكون حيًا إلا بعرض يحله وبروح تحصل فيه، وسماها جميعًا حياة، ولهذا قال: إن الحياة يجوز أن تكون عرضًا، ويجوز أن تكون جسمًا، وهذا خلاف في العبارة؛ لأن الروح عبارة عن النفس المترددة في مخارق الإنسان، ولذلك وصفها الله تعالى بالنفث والنفخ، وذلك من صفات الأجسام الدقيقة [ديمقريطس: وجد في القرن ٤٦٠ - ٣٧٠ قبل الميلاد، وهو فيلسوف مادي قديم].

أما بالنسبة للتفرقة التي قال بها، وهي التي بين النفس والروح، فإنه لم يبين نقاط الاختلاف، ولم يتسن العثور على نص يوضح هذا الاختلاف القائم بين النفس، والروح بشيء من التفصيل.

أما قوله: إن الإنسان قد يجوز أن يكون في حال نومه مسلوب النفس، والروح دون الحياة، وهو يستشهد بالآية القرآنية السابقة، فإنه يمكن القول: إن المقصود من الآية الكريمة عند المفسرين، غير المعنى الذي قاله العلاف، فعلى سبيل المثال يقول الزمخشري في تفسيره لهذه الآية: {ٱلۡأَنفُسَ} وتوفيها وإماتتها وهو أن يسلب ما هي به حية حاسة دَرَّاكة من صحة أجزائها وسلامتها؛ لأنها عند سلب الصحة كأن ذاتها قد سلبت التي لم تمت في منامها": يريد ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها: أي يتوفاها حين تنام تشبيهًا للنائمين بالموتى، ومنه قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيۡلِ} [الأنعام: ٦٠].

حيث لا يميزون ولا يتصرفون، كما أن الموتى كذلك، "فيمسك الأنفس التي قضى عليها الموت الحقيقي: أي لا يردها في وقتها حية (ويرسل الأخرى) النائمة" إلى أجل مسمى إلى وقت ضربه لموتها [القاضي عبد الجبار: المغني ج١١ص ٣٣٨].

ثانيًا: فرقة الأشاعرة في تصورها للنفس الإنسانية: هناك  دراسات وبحوث في النفس الإنسانية، - لهذه الفرقة - [ الزمخشري: تفسير الكشاف ج ٣ص ٤٠٠، الناشر: دار المعرفة، بيروت، (د.ت)] من ناحيتها النظرية والعملية، وبالنسبة للناحية النظرية منها، فإنها في مجملها تندرج تحت رأي واحد، وهو أن النفس الإنسانية عبارة عن عرض من الأعراض التي تعرض للجوهر، وتوشك مصادرهم أن تخلو من الآراء الأخرى، التي قيلت في النفس الإنسانية من قبل فرقة المعتزلة وغيرهم، إلا أن إمام الحرمين يعد بحق القائل الأول - بين الأشاعرة - بروحية النفس وخلودها فهي في رأيه جوهر روحي فالباقلاني [ فرقة الأشعرية: يعتبر مؤسسها الرسمي أبو والحسن علي بن إسماعيل بن عبد الله إسحاق بن سالم بن عبد الله بن موسى الأشعري، ولد فسنة ستين ومائتين من الجرة في البصرة وسكن بغداد إلى أن توفي بها، وقد كانت هذه الفرقة منذ تأسيسها معارضة للمعتزلة بشتى اتجاهاتها، كما عارضت في نفس الوقت خصوم المعتزلة من مشبهة ومجسمة ومرجئة، إن أول ما نلاحظه من عقائد الأشعرية على العموم هو التوسط بين الإفراط والتفريط فإذا كانت المعتزلة والجهمية والرافضة قد عطلوا وأبطلوا، فقالوا: لا علم لله ولا قدرة ولا سمع ولا بصر ولا حياة ولا بقاء ولا إرادة، وقالت الحوشية والمجسمة والمكيفة والمحددة، إن لله علمًا لا كالعلوم وسمعا لا كالأسماع، والأشعري بعد هذا انتقل إلى السلفية كما يروى ابن النديم بقوله: كان الأشعري معتزليًا، ثم تاب من القول بالعدل، وخلق القرآن، في المسجد الجامع بالبصرة، من يوم جمعة: رقى كرسيًّا ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني، فأنا أعرفه نفسي أنا فلان بن فلان، كنت قلت بخلق القرآن، وأن الله لا يرى بالأبصار، وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع (انظر: ابن النديم: الفهرست ص ٣٧١، طبعة مصر - سنة ١٣٤٨هـ - ١٩٢٩م، وأبو الحسن الأشعري: الإبانة عن أصول الديانة - ٩ -١٩٢ (تحقيق دكتورة فوقية حسين، طبعة دار الأنصار، مصر الطبعة الأولى ١٣٩٧هـ١٩٧٧م. ] ذهب إلى أن الروح عرض وهو الحياة، وما يدل على هذا قوله: "فكل شيء قرب عدمه وزواله، موصوف بذلك - أي بالعرض - وهذه صفة المعاني القائمة بالأجسام، فوجب وصفها في قضية العقل بأنها أعراض [(انظر: معجم أعلام الفكر الإنساني، تصدير: د. إبراهيم مدكور ١ /٨٤٩ وما بعدها)]، فالروح عنده هنا عرض؛ لأنها صفة وقائمة بالجسم.

وقبل الدخول في الكلام على العرض عند الباقلاني لابد من البحث في المحدثات عنده، وصولًا إلى العرض.

لقد قسم الباقلاني المحدثات إلى: جوهر، وجسم، وعرض.

وإذا كان العالم عند الباقلاني حادثًا وهو لا يخلو من أن يكون جسمًا مؤلفًا، أو جوهرًا منفردًا، أو عرضًا محمولًا [الباقلاني: الإنصاف، ص١٧(تحقيق: الإمام محمد زاهد الكوثري، الطبعة الثانية. الناشر: مؤسسة الخانجي سنة ١٣٨٢ هـ -١٩٦٣م]، وحيث إنه أقام مذهبه في حدوث العالم على هذه القسمة، فلا بد من تناول الجوهر، والجسم، والعرض بالبحث والدراسة.

الجوهر: قسم الباقلاني المحدثات إلى: جوهر، وجسم، وعرض، وعرف الجوهر: بأنه هو الذي يقبل من كل جنس من أجناس الأعراض عرضًا واحدًا [الباقلاني: الإنصاف، مرجع سابق، ص١٧].

وفي موضع آخر عرفه بأنه: الذي له حيز، والحيز هو المكان، أو ما يقدر تقدير المكان على أنه يوجه فيه غيره [الباقلاني: التمهيد، ص ٤١ (تحقيق محمود محمد الخضيري، والدكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة، طبعة دار الفكر، القاهرة، سنة ١٣٦٦هـ ١٩٤٧م].  

وهذا التعريف يتفق مع تعريفات المتكلمين القائلين بالجوهر الفرد، الذي ينتهي بالتجزئة إلى حد لا يقبل التجزئة والانقسام.

ولكنه يختلف مع تعريف الفلاسفة له، بأنه ممكن موجود لا في موضوع [الباقلاني: الإنصاف، ص١٦]، والمراد بالموضوع محل يُقَوِّم الحالّ، فالمحل أعم من الموضوع؛ لأنه قد يكون مُقَومًا للحال كحلول الأعراض في الجواهر، وقد لا يكون مُقومًا للحال كحلول الصورة في الهيولي.

والمفارق للجسم إن تعلق بالجسم تعلق التدبير فهو النفس، وإن لم يتعلق بالجسم تعلق التدبير، بل تعلق به تعلق التأثير فهو العقل. [الشريف الجرجاني: شرح المواقف، ج٢، ص ١٩٠].

وهذا القول من قبل الفلاسفة مبنى على قولهم بالمجردات من جهة، ونفيهم للجوهر الفرد من جهة أخرى.

الخلاصة

النفس، والروح من الموضوعات التي ذكرت في الوحيين الشريفين مجملة دون تفصيل، وقد عكف المتكلمون، وغيرهم من العلماء على دراسة النفس، والروح الإنسانية في ناحيتها النظرية، وجاءت آراؤهم في النفس، والروح متضاربة ومتعددة؛ لأن الروح من عالم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وعلى كلٍ فالنفس، والروح عنصران أساسيان في حياة الإنسان.

موضوعات ذات صلة

الروح لا يعلم حقيقتها إلا الله، وكل الأديان السماوية تُقر بوجودها.

مخلوقات نورانية خلقها الله تعالى من نور، وهم لا يتصفون بالذكورة، أو الأنوثة، ولا يأكلون أو يشربون.

هي العقائد التي لا يُدركها العقل وحده، بل يُثبتها الوحي كالآخرة والحساب.

موضوعات مختارة