عكف المتكلمون الأوائل على دراسة النفس والروح
الإنسانية في ناحيتها النظرية، ونلمس هذا من خلال بحوثهم الكثيرة، ويأتي هذا الكم
الوفير في بحوثهم النفسية، والروحية نتيجة لكثرة الفرق الكلامية، وبالتالي كانت
آراؤهم في النفس، والروح والحياة متضاربة ومتعددة.
لقد اختلف المعتزلة والأشاعرة في الروح والنفس
والحياة، وهل الروح هي الحياة، أو غيرها؟ وهل النفس هي الروح،
أو بينهما فرق؟ وهل الروح جسم مادي، أو جوهر روحي؟ ففريق ذهب إلى إنكار النفس
جملة، وقال لا أعرف إلا ما شاهدته بحواسي.
ومال أبو الهذيل محمد بن العلاف [لجنة من
العلماء والأكاديميين السوفيتيين: الموسوعة الفلسفية ص ٢٣١ إشراف: روزنتال ويؤدين،
ترجمة سمير كرم، طبعة دار الطليعة بيروت، الطبعة الرابعة، سنة ١٩٨١م]، إلى أن النفس عرض من الأعراض،
وهي كسائر أعراض الجسم.
وذهب الباقلاني [العلاف: هو أبو الهذيل محمد بن العلاف. ولد
سنة ١٣١هـ، أو سنة ١٣٤هـ، وتوفي عام ١٤٢/
م، وهو من أصل غير عريي ويعتبر من الطبقة السادسة من المعتزلة. (انظر د. النشار:
نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، ج ١، ص ٤٣٣ وما بعدها]، ومن تبعه من الأشاعرة إلى أن النفس هي النسيم الداخل
الخارج بالتنفس.
وذهب النظام إلى أن النفس جوهر ليست جسمًا، ولا عرضًا،
ولا لها طول ولا عرض ولا عمق، وهي الفعالة المدبرة.
وفريق آخر، منهم "جعفر بن حرب [الباقلاني: هو القاضي أبو
بكر محمد بن الطيب بن محمد الباقلاني، من كبار متكلمي الأشاعرة ولد بالبصرة في
الربع الثاني من القرن الرابع الهجري وكان قوي الحجة شديد الوطأة على المخالفين من
المعتزلة والروافض والمجسمة، وغيرهم من الفرق المخالفة لمذهب أهل السنة والجماعة
وتوفي في بغداد عام١٠١٣م (انظر: معجم أعلام الفكر الإنساني، تصدير:
د. إبرا هيم مد كور، ج١ ص ٨٤٩ -٨٥٦] سكت عن هذه المسألة، وقال: "لا ندري الروح جوهر
أو جسم"، وحجتهم في ذلك قوله تعالى: {وَيَسۡـَٔلُونَكَ
عَنِ ٱلرُّوحِۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنۡ أَمۡرِ رَبِّي} [الإسراء: ٨٥].
وقال قائلون إن الحياة هي الحرارة الغريزية، وذهب فريق إلى
أن الروح ليس شيئًا أكثر من اعتدال الطبائع الأربع.
وذهب الجبائي [جعفر بن
حرب: من المعتزلة والجعفرية هم أصحاب الجعفر بن مبشر وجعفر بن حرب ظهر في أيام المعتصم
(انظر: ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج ١ص ٣٤] إلى أن الروح جسم، وأنها غير الحياة، والحياة عرض، وأن الروح
لا تجوز عليها الأعراض [الجبائي:
هو أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي، ولقب الجبائي نسبة إلى جبا من أعمال خوزستان
ولد عام د ٢٣٥ هـ وترأس مدرسة المعتزلة عام٢٦٧هـ وتوفي سنة٣٣٠هـ انظر: د. أحمد
محمود صبحي: في علم الكلام ص / ٢٩٧، وما بعدها، ط: الرابعة سنة ١٩٨٢م].
ولا بد في البداية من التساؤل عما إذا كانت هذه الآراء
المختلفة التي قيلت في النفس الإنسانية من قبل المتكلمين يمكن أن نسميها
دراسات نفسية بالمعنى العلمي؟
قيل في هذه الدراسات: "وإنما هي في الحقيقة آراء
وخواطر متناثرة غير متكاملة، لم تصل بعد إلى درجة النظرية العلمية القائمة على
القوانين العلمية، كذلك نلاحظ فيها تأثير الأفكار الأجنبية، وعلى الأخص الأفكار
اليونانية، التي انتشرت في العالم الإسلامي آنذاك. [الشريف الجرجاني: شرح المواقف، ج ٢ ص
٣٢٦ وما بعدها – وابن حزم: الفصل في الملل والنحل ٥ص٧٤ والأشعري: مقالات
الإسلاميين ج ٢، ٢٩].
وعلى الرغم من هذا فإنه يبدو أن المتكلمين درسوا النفس
الإنسانية دراسة شبه شاملة لجميع قواها، وصورها العملية بعدما درسوها من الناحية
الغيبية، ومن الممكن أنهم في دراساتهم للنفس الإنسانية، وفي أقل تقدير، قد أرسوا
الأساس لمن تلاهم لدراسة الإنسان، وذلك ملحوظ من خلال آرائهم في هذا الموضع متعدد
الجوانب فمثلًا في مسألة حقيقة النفس: هل هي جزء من أجزاء البدن، أو عرض من
الأعراض، أو جوهر مجرد؟ ويلاحظ أنه حتى في القول الواحد كثرت وجهات النظر، وذلك
يتضح عندما قالوا: بأن النفس جسم، واختلفوا في معنى الجسم وتعريفه، وهذا
يؤدي إلى إعمال الفكر والتأمل في القول، وقبوله إذا كان صوابًا، أو الإعراض عنه؛
بحثًا عما هو أقرب إلى الصواب والإحكام، وذلك ما يحتم على الباحث أن يعرض آراءهم
في الجسم والنفس والروح.
مسمى الجسم عند
المتكلمين:
من الأمور التي لا بد من توضيحها قبل البدء في مناقشة الذين
تصوروا النفس جسمًا ماديًا، الإشارة إلى مسمى الجسم في اصطلاح المتفلسفة
والمتكلمين، فهو أعم من مسماه في لغة العرب، وعرف أهل العرف، فإن الفلاسفة يطلقون
الجسم على قابل الأبعاد الثلاثة خفيفًا كان أو ثقيلًا، مرئيًا كان أو غير مرئي،
فيسمون الهواء جسمًا، والنار جسمًا والماء جسمًا، وكذلك الدخان، والبخار،
والكواكب، ولا يعرف في لغة العرب تسمية شيء من ذلك جسمًا ألبتة فهذه لغتهم [انظر
د. نجاتي: الإدراك الحسي عند ابن
سينا، ص ٢٤]؛ لأن الجسم في لغة
العرب هو البدن وهو الجسد، كما قال غير واحد من أهل اللغة، فلفظ الجسم يشبه لفظ
الجسد وهو الغليظ الكثيف، والعرب تقول: هذا جسيم وهذا أجسم من هذا، أي: أغلظ منه،
قال تعالى: {وَزَادَهُۥ
بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ} [البقرة: ٢٤٧]، وقوله: {وَإِذَا
رَأَيۡتَهُمۡ تُعۡجِبُكَ أَجۡسَامُهُمۡۖ} [المنافقون: ٤].
ثم قد يراد بالجسم نفس الغلظ والكثافة ويراد به الغليظ الكثيف [ابن منظور: لسان العرب، ج ١، ص ٦٢
الناشر: دار المعارف - مصر - ددت].
وعندما ندرس الجسم هنا نريد به اصطلاح الفلاسفة والمتكلمين،
أي الجسم الطبيعي المعرف بأنه: جوهر يمكن أن يفرض فيه أبعاد ثلاثة متقاطعة على
زوايا قائمة.
تصور المتكلمين للنفس:
وقف المتكلمون الأوائل في دراستهم للنفس الإنسانية عدة
مواقف، بين قول قائل بأنها مادة، آخر بأنها جوهر مجرد عن المادة، وقول ثالث ذهب
يؤيد قوله بالأدلة والحجج والبراهين، غير أنه يجب عند بحث النفس، والروح
الإنسانية، ألَّا يعزب عن أذهاننا طريقة أهل الكلام العامة في إطلاق الأسماء، فهم
يسمون القادر الحي: الإنسان، ويلقبون الكلام في ذلك بأنه كلام في الإنسان، وإن كان
الحي من البهائم ليس بإنسان، ومرادهم هو الحي، إنسانًا كان أو بهيمة، والمتفلسفون
يسمونه نفسًا، ويضعون الكلام في ذلك في النفس والعبارة تختلف دون المقصد [التهانوي: كشاف اصطلاحات
الفنون، ج ص ٣٣٦، والإيجي:
المواقف بشرح الجرجاني، ج ٢ ص ٩٣ ١ طبعة إسطنبول].
وفيما يلي آراء الفرق الكلامية في تصورها للنفس:
أولًا: فرقة المعتزلة:
لها عدة آراء في تصورها للنفس الإنسانية، منها:
أ. بعض المعتزلة أنكر وجود النفس كجوهر روحاني مستقل عن
البدن ومتميز عنه، بمعنى أن النفس والجسد يعبران عن شيء واحد وهو الإنسان،
وهذا هو رأي أبو الهذيل، ومعمر، وهشام الفوطي، والنظام.
وبناءً على هذا أنكروا الجواهر المجردة عن المادة لأنهم
قالوا: "لا جوهر إلا المتميز" أي: القابل للآثار الحسية، وما ذلك إلا
لأنهم نفوا الجواهر المجردة، وحكموا باستحالتها [وذلك مثل قولهم: والذي
نقوله: إن الحي هو هذا الشخص، وقال في موضع آخر: إن
الإنسان هو الأجزاء المبنية دون البنية والصورة ولا يجري
هذا الاسم عليه إلا على ما كان من لحم ودم وإن لم يكن حيًّا [انظر: القاضي عبد
الجبار: كتاب المغني ج ١١التكليف ص٣١٢، تحقيق: محمد علي النجار، د. عبد الحليم
النجار، الناشر: المؤسسة المصرية – مصر سنة ١٣٨٥هـ -١٩٦٥م]؛ لأن الجوهر الفرد عندهم هو العنصر الأول في تكوين الأجسام، وأن الجسم عندهم ينتهي بالتجزئة
إلى حد لا يقبل التجزئة والانقسام، ومن هنا قالوا: إن الإنسان عبارة عن هذه النية المحسوسة، ومن أوضح
الأمثلة على هذا التصور المادي ما ذهب إليه الأصم المعتزلي الذي قال: لست أعقل إلا
الجسد الطويل العريض العميق الذي أراه وأشاهده [الشريف الجرجاني: شرح المواقف، ج ٢، ١٩١]، وكان يقول: النفس هي هذا البدن بعينه لا غير، وإنما جرى عليها هذا الذكر على جهة البيان والتأكيد لحقيقة
الشيء، لا على أنها معنى غير البدن [القاضي عبد الجبار: المغني، ج ١١،
ص ٣١٠].
ويقول أبو الهذيل: إنه هذا الجسد الظاهر المرئي الآكل الشارب، وحياته غيره، ويجوز أن تكون الحياة عرضًا، ويجوز
أن تكون جسمًا [المصدر نفسه]، ويقول النظام:
إنه الروح، وهو الحياة المشابكة لهذا الجسد، وأنه في الجسد على جهة
المداخلة، وهو جوهر واحد غير
مختلف ولا متضاد، وهو قوي حي عالم بذاته [القاضي عبد الجبار: المغني ج ١١ص ٣١٠ (تحقيق محمد علي النجار، د. عبد الحليم
النجار) طبعة: الحلبي ١٣٨٥هـ]، والمفهوم من قوله هذا أن الروح جسم لطيف وهي
الحياة، وأنه في الجسد على هيئة المداخلة والمساكنة.
ويتضح لنا هذا أكثر في قوله: إن روح الإنسان جسم لطيف، وهي
أفضل ما في الانسان، وهي تشابك البدن بأجزائه وهو آلتها، والإنسان في الحقيقة هو الروح،
وليست العلوم والإرادات سوى حركات النفس [حي عالم بذاته: أي أوجد
نفسه، وهنا رد عليه القاضي عبد الجبار بقوله: فإن الإنسان لوكان حيًّا بنفسه لوجب
كونه مستحقًا لسائر الصفات التي يستحقها القديم لنفسه؛ لأنه لا يجوز في الشيئين أن
يشتركا في صفة من صفات النفس دون سائر صفات النفس (انظر: المغني، للقاضي عبد الجبار،
ج١١، ص٣٢٣)].
فالنفس عند النظام،
جسم لطيف نوراني مداخل للبدن على هيئة المساكنة، ويقول الدكتور عرفان عبد الحميد في كتابه (الفلسفة الإسلامية): إن هذا
التصور المادي المعتدل للنفس قال به بادئ الأمر النظام المعتزلي، وصار فيما
بعد رأي الأكثرية من أهل السنة، وكذلك أخذ به الجويني (المتوفى سنة ٤٧٨هـ)، والرازي
(المتوفى سنة ٦ ٠ ٦هـ)، وابن تيمية (المتوفى سنة ٧٢٨هـ)، وابن قيم
الجوزية (المتوفى سنة ٧٥١ هـ) [الشريف الجرجاني:
شرح المواقف ج ٢ ص ٤٨١، ودي يور: تاريخ الفلسفة في الإسلام، ص١١١(ترجمة د. عبد
الهادي أبو ريده، الطبعة الخامسة، طبعة مكتبة النهضة المصرية د. ت)]، وهذا عرفان، ما يدفع الباحث إلى أن يشير إلى رأي الحارث المحاسبي
(المتوفى سنة ٢٤٣هـ)، وهو الذي عاصر النظام، يقول المحاسبي في الروح:
فما ظنك بالروح إذا كان هو المجذوب عن كل عرق، ومفصل، وأصل كل شعر، وبشرة،
من أعلاه، وأسفله، وجميع بدنه [انظر:
الدكتور عرفان عبد الحميد: الفلسفة الإسلامية. ص١٠٠الطبعة الثانية سنة ١٩٨٤ م. الناشر
مؤسسة الرسالة بيروت]، وهذا القول يدل على أن الروح جسم لطيف منتشر في البدن كله، وهو قول
معتدل في النفس الانسانية، وبهذا يكون المحاسبي قد قال به، فإذا لم يكن قد
سبق النظام، فإنه يعتبر تاريخيًا، موازيًا للنظام ومشتركًا معه في
هذا الرأي.
أما بالنسبة لمسمى النفس والروح عند النظام:
أهما اسمان لمعنى واحد أم أن هناك اختلافًا بينهما؟
الظاهر أن الروح عند النظام هي جسم لطيف، وهي
النفس، وزعم أن الروح حي بنفسه، وعلى هذا فالنفس، والروح
عند النظام اسمان لمعنى واحد، وهو ما تكون به الحياة وحقيقة الإنسان.
وهذا ما ارتضاه ابن القيم من بعده في أن النفس،
والروح بمعنى واحد، وذلك عندما قال: أما الروح التي تتوفى، وتقبض فهي
روح واحدة، وهي النفس [الحارث المحاسبي: الرعاية لحقوق الله ص ١٣٩،
(تحقيق: عبد القادر أحمد عطا) الطبعة الرابعة سنة ١٩٨٥الناشر دار الكتب العلمية -
بيروت].
ولكن ما هو مفهوم العلاقة بين الروح والجسد عند النظام؟
في الواقع ليس هناك نص للنظام يوضح فيه هذه العلاقة
صراحة، ولكن المفهوم من قوله، إن الروح هي الحياة المشابكة لهذا الجسد،
وأنها في الجسد على جهة المداخلة، وأنه جوهر واحد غير مختلف، وهو قوي حي عالم بذاته [ابن القيم:
كتاب الروح ص ٢٩٣ (تحقيق: ث. محمد الإسكندر يلدا)]، أن هذه العلاقة التي بين الروح، والجسد، ما هي إلا
علاقة وحدة كلية تنفي عن نفسها فكرة الثنائية وهذا التعلق ليس ضعيفًا يسهل زواله
بأدنى سبب.. وليس أيضًا تعلقًا في غاية القوة بحيث إذا زال التعلق بطل المتعلق [القاضي عبد
الجبار: المغني، ج ١١، ص ٣٣٩].
والنظام في تعريفه للنفس
حين قال: "إن البدن آفة عليه" يبدو متأثرًا إلى حد ما بالأفلاطونية المحدثة
[الجرجاني:
كتاب شرح المواقف ج ٢ ص٣٢٧]، التي ترى: أن
البدن سجن للنفس، فهو أصل شقائها على هذه الأرض، وأصل نقائضها وشرورها [الأفلاطونية
المحدثة: أو مذهب الإسكندرانيين كما يسميها العرب، لأنها انطلقت من الإسكندرية في
القرون الأولى للميلاد وهي وليدة أفكار أفلاطون القديمة ومؤسس هذا المذهب أمونيوس
سكاس ومن أكبر مؤيديه تلميذه أفلاطون، وربما عد مؤسس المذهب، وفلسفة أفلاطون هي
مزيج من آراء أفلاطون، والرواقين، وفيلون، ومن الأفكار الندية، والنسك الشرقي
والديانات الشعبية المنتشرة آنذاك، فهي فلسفة تمتاز بعمق الشعور الصوفي والمثالية
الأفلاطونية، أي تغلب عليها الناحية الذاتية بدلًا من الناحية الموضوعية. (انظر:
د. محمد عبد الرحمن مرحبًا: كتاب من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية، من
ص ٢١٧ إلى ٢٤٥، الطبعة الثالثة سنة١٩٨٣، الناشر: عويدات - بيروت)].
وبهذه النظرة نلمس أن النظام المعتزلي في
آرائه النفسية عمومًا أو غالبًا، يظهر عليه طابع الحسية من جهة، والروحانية
الأفلاطونية من جهة أخرى.
ومن الذين تصوروا النفس جسمًا ماديًا: بشر بن المعتمر [د محمد عبد
الرحمن مرحبًا: من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية ص٢٤١]، الذي قال في الإنسان: "إنه هذا الجسد الظاهر والروح
الذي تحيا به، وهما بمجموعهما حيان، وقال في موضع آخر: إن البدن هو الحي بالروح،
والروح هي الحياة، والإنسان هو البدن [بشر بن
المعتمر: له قصيدة تحتوي على أربعين ألف بيت رد فيها على جميع المخالفين له، توفي
سنة ٢١٠هـ، وهو الذي أحدث القول بالتوليد (انظر: الشريف الجرجاني: شرح المواقف ج ٢
ص٤٨١ القاضي عبد الجبار: المغني ج ١١ ص٣١)]، وبِشْر في قوله هذا سائر على منهج النظام، وبالتالي
تكون آراؤه هي نفس آراء النظام، وخاصة في مفهوم العلاقة بين الروح،
والجسد، وذلك أن العلاقة التي بين الروح، والجسد ما هي إلا علاقة وحدة كلية
تنفي عن نفسها فكرة الثنائية، وهذا واضح في النص السابق عندما قال: "إنه هذا
الجسد الظاهر والروح الذي يحيا به، وهما بمجموعهما حيّان [المصدر
السابق، ج ١١ ص٠ ١ ٣].
وهشام الفوطي ذهب مذهب بشْر بن المعتمر في الإنسان، لكنه يزعم أن الجسد موات، والروح
هو الفعال المدرك للأشياء، وهو نور من الأنوار [نفس المصدر].
وإذا عدنا إلى العلاف المعتزلي: المتوفى سنة ٢٣٥ هـ،
لدراسة الجوهر الفرد والجسم عنده، لاستيضاح رأيه في حقيقة النفس، فإنه يبدو
في مسألة العلاقة بين الجزء الذي لا ينقسم وبين الجسم، وأنه مال للرأي عند أوائل
المعتزلة أمثال أبي الهذيل الذي عرّف الجسم بقوله: "هو ماله
يمين وشمال، وظهر، وبطن، وأعلى، وأسفل.. وأقل ما يكون الجسم ستة أجزاء: أحدهما
يمين، والآخر شمال، وأحدهما ظهر والآخر بطن، وأحدهما أعلى، والآخر أسفل، وأن الجزء
الواحد الذي لا يتجزأ يماس ستة أمثاله، وأنه يتحرك ويسكن، ويجامع غيره، ويجوز عليه
السكون والمماسة، ولا يحتمل اللون والطعم والرائحة ولا شيئًا من الأعراض غير ما
ذكرنا حتى تجتمع الستة هذه الأجزاء فإذا اجتمعت فهي الجسم، وحينئذٍ يحتمل ما
وصفناه [القاضي
عبد الجبار: المغني ج ١١ ص ٣١٠].
وقد اعترض على هذا التعريف بأنه غير جامع لأفراده"؛
لأن المتبادر منه أن الجسم توجد فيه هذه الأبعاد بالفعل وأنها مناط الجسمية، ولا
شك أن الجسم ليس جسمًا بما فيه من الأبعاد بالفعل؛ لأن الخط قد يوجد في الجسم
بالفعل كما في الكرة، وأن السطح لازم لوجوده لا لماهيته [الأشعري:
مقالات الإسلاميين، ج ٢ ص د].
ويُعْتَبَر العلاف أول مفكر إسلامي أدخل فكرة الجزء
الذي لا يتجزأ، في المباحث الفلسفية، وهذا المذهب قد عرف من قبل في الفلسفة الهندية
والفلسفة اليونانية، فالمسألة في بحثها - على هذا النحو - تبدو غريبة عن المناخ الفكري
الإسلامي السائد عند المعتزلة، وربما فيما بعد حبذت عند الأشاعرة، وهذه النظرية
ترجع في أساسها إلى مؤسسها الأول ليوسبس، والذي طورها من بعد ديمقريطس
[التفتازاني:
شرح المقاصد ج١، ص٢٦٦].
أما عن كيفية نشوء الأجسام عند العلاف، فهو يرجع
نشوء الأجسام وانحلالها إلى اتصال الذرات وانفصالها أثناء حركتها وسكونها، ويرجع
وجود الذرات نفسها ووجود الحركة والسكون فيها إلى خالق خارج عنها، وهو الله، أما
المفهوم عند ديمقريطس في عملية نشوء الأجسام فذلك عن طريق تركيب الذرات
الذي يؤدي إلى الوجود الذاتي للذرات في العالم الطبيعي، وبهذا يتم التمييز بين
النظرتين، فنظرة العلاف ميتافيزيقية، أما نظرة ديمقريطس فهي من حيث
المضمون الفكري نزعة مادية بمستواها التكويني الوجودي، وبهذا يتضح أن النفس
عند أبي الهذيل جسم مؤلف من جزء معين، ولا يكون هناك جسم إلا إذا تكون من
جزءين، ودون ذلك يكون جوهر.
أما بالنسبة لمسمى النفس والروح، أهما اسمان
لمعنى واحد أم أن هناك اختلافًا وفرقًا بينهما؟ وهل الروح هي الحياة أو
غيرها؟ يرى أبو الهذيل أن النفس معنى غير الروح، والروح
غير الحياة، والحياة عنده عرض، وزعم أنه قد يجوز أن يكون الإنسان في حال نومه
مسلوب النفس، والروح دون الحياة واستشهد على ذلك بقوله تعالي:
{ٱللَّهُ
يَتَوَفي ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا وَٱلَّتِي لَمۡ تَمُتۡ فِي مَنَامِهَاۖ} [الزمر: ٤٢]، وهذا ما وضحه القاضي عبد الجبار في كتابه المغني عندما قال: فالمراد عندنا أنه - أي أبي
الهذيل - ذهب إلى أن الحيّ لا يكون حيًا إلا بعرض يحله وبروح تحصل فيه، وسماها
جميعًا حياة، ولهذا قال: إن الحياة يجوز أن تكون عرضًا، ويجوز أن تكون جسمًا، وهذا
خلاف في العبارة؛ لأن الروح عبارة عن النفس المترددة في مخارق
الإنسان، ولذلك وصفها الله تعالى بالنفث والنفخ، وذلك من صفات الأجسام الدقيقة [ديمقريطس:
وجد في القرن ٤٦٠ - ٣٧٠ قبل الميلاد، وهو فيلسوف مادي قديم].
أما بالنسبة للتفرقة التي قال بها، وهي التي بين النفس
والروح، فإنه لم يبين نقاط الاختلاف، ولم يتسن العثور على نص يوضح هذا
الاختلاف القائم بين النفس، والروح بشيء من التفصيل.
أما قوله: إن الإنسان قد يجوز أن يكون في حال نومه
مسلوب النفس، والروح دون الحياة، وهو يستشهد بالآية القرآنية
السابقة، فإنه يمكن القول: إن المقصود من الآية الكريمة عند المفسرين، غير المعنى
الذي قاله العلاف، فعلى سبيل المثال يقول الزمخشري في تفسيره لهذه
الآية: {ٱلۡأَنفُسَ} وتوفيها وإماتتها وهو أن يسلب ما هي به حية حاسة دَرَّاكة
من صحة أجزائها وسلامتها؛ لأنها عند سلب الصحة كأن ذاتها قد سلبت التي لم تمت في
منامها": يريد ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها: أي
يتوفاها حين تنام تشبيهًا للنائمين بالموتى، ومنه قوله تعالى: {وَهُوَ
ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيۡلِ} [الأنعام: ٦٠].
حيث لا يميزون ولا يتصرفون، كما أن الموتى كذلك،
"فيمسك الأنفس التي قضى عليها الموت الحقيقي: أي لا يردها في وقتها حية
(ويرسل الأخرى) النائمة" إلى أجل مسمى إلى وقت ضربه لموتها [القاضي عبد
الجبار: المغني ج١١ص ٣٣٨].
ثانيًا: فرقة الأشاعرة في تصورها للنفس الإنسانية: هناك دراسات وبحوث
في النفس الإنسانية، - لهذه الفرقة - [
الزمخشري: تفسير الكشاف ج ٣ص ٤٠٠، الناشر: دار المعرفة، بيروت، (د.ت)] من ناحيتها النظرية والعملية، وبالنسبة للناحية النظرية
منها، فإنها في مجملها تندرج تحت رأي واحد، وهو أن النفس الإنسانية عبارة
عن عرض من الأعراض التي تعرض للجوهر، وتوشك مصادرهم أن تخلو من الآراء الأخرى، التي
قيلت في النفس الإنسانية من قبل فرقة المعتزلة وغيرهم، إلا أن إمام الحرمين
يعد بحق القائل الأول - بين الأشاعرة - بروحية النفس وخلودها فهي في رأيه
جوهر روحي فالباقلاني [ فرقة
الأشعرية: يعتبر مؤسسها الرسمي أبو والحسن علي بن إسماعيل بن عبد الله إسحاق بن
سالم بن عبد الله بن موسى الأشعري، ولد فسنة ستين ومائتين من الجرة في البصرة وسكن
بغداد إلى أن توفي بها، وقد كانت هذه الفرقة منذ تأسيسها معارضة للمعتزلة بشتى
اتجاهاتها، كما عارضت في نفس الوقت خصوم المعتزلة من مشبهة ومجسمة ومرجئة، إن أول
ما نلاحظه من عقائد الأشعرية على العموم هو التوسط بين الإفراط والتفريط فإذا كانت
المعتزلة والجهمية والرافضة قد عطلوا وأبطلوا، فقالوا: لا علم لله ولا قدرة ولا
سمع ولا بصر ولا حياة ولا بقاء ولا إرادة، وقالت الحوشية والمجسمة والمكيفة
والمحددة، إن لله علمًا لا كالعلوم وسمعا لا كالأسماع، والأشعري بعد هذا انتقل إلى
السلفية كما يروى ابن النديم بقوله: كان الأشعري معتزليًا، ثم تاب من القول بالعدل،
وخلق القرآن، في المسجد الجامع بالبصرة، من يوم جمعة: رقى كرسيًّا ونادى بأعلى
صوته: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني، فأنا أعرفه نفسي أنا فلان بن فلان، كنت
قلت بخلق القرآن، وأن الله لا يرى بالأبصار، وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب
مقلع (انظر: ابن النديم: الفهرست ص ٣٧١، طبعة مصر - سنة ١٣٤٨هـ - ١٩٢٩م، وأبو
الحسن الأشعري: الإبانة عن أصول الديانة - ٩ -١٩٢ (تحقيق دكتورة فوقية حسين، طبعة
دار الأنصار، مصر الطبعة الأولى ١٣٩٧هـ١٩٧٧م. ] ذهب إلى أن الروح
عرض وهو الحياة، وما يدل على هذا قوله: "فكل شيء قرب عدمه وزواله، موصوف بذلك
- أي بالعرض - وهذه صفة المعاني القائمة بالأجسام، فوجب وصفها في قضية العقل بأنها
أعراض [(انظر: معجم أعلام الفكر الإنساني، تصدير:
د. إبراهيم مدكور ١ /٨٤٩ وما بعدها)]، فالروح عنده هنا عرض؛ لأنها صفة وقائمة بالجسم.
وقبل الدخول في الكلام على العرض عند الباقلاني لابد
من البحث في المحدثات عنده، وصولًا إلى العرض.
لقد قسم الباقلاني المحدثات إلى: جوهر، وجسم، وعرض.
وإذا كان العالم عند الباقلاني حادثًا وهو لا يخلو
من أن يكون جسمًا مؤلفًا، أو جوهرًا منفردًا، أو عرضًا محمولًا [الباقلاني:
الإنصاف، ص١٧(تحقيق: الإمام محمد زاهد الكوثري، الطبعة الثانية. الناشر: مؤسسة
الخانجي سنة ١٣٨٢ هـ -١٩٦٣م]، وحيث إنه أقام
مذهبه في حدوث العالم على هذه القسمة، فلا بد من تناول الجوهر، والجسم، والعرض
بالبحث والدراسة.
الجوهر: قسم الباقلاني المحدثات إلى: جوهر، وجسم،
وعرض، وعرف الجوهر: بأنه هو الذي يقبل من كل جنس من أجناس الأعراض عرضًا واحدًا [الباقلاني:
الإنصاف، مرجع سابق، ص١٧].
وفي موضع آخر عرفه بأنه: الذي له حيز، والحيز هو المكان، أو
ما يقدر تقدير المكان على أنه يوجه فيه غيره [الباقلاني:
التمهيد، ص ٤١ (تحقيق محمود محمد الخضيري، والدكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة،
طبعة دار الفكر، القاهرة، سنة ١٣٦٦هـ ١٩٤٧م].
وهذا التعريف يتفق مع تعريفات المتكلمين القائلين بالجوهر
الفرد، الذي ينتهي بالتجزئة إلى حد لا يقبل التجزئة والانقسام.
ولكنه يختلف مع تعريف الفلاسفة له، بأنه ممكن موجود لا في موضوع [الباقلاني:
الإنصاف، ص١٦]، والمراد بالموضوع محل يُقَوِّم
الحالّ، فالمحل أعم من الموضوع؛ لأنه قد يكون مُقَومًا للحال كحلول الأعراض في
الجواهر، وقد لا يكون مُقومًا للحال كحلول الصورة في الهيولي.
والمفارق للجسم إن تعلق بالجسم تعلق التدبير فهو النفس،
وإن لم يتعلق بالجسم تعلق التدبير، بل تعلق به تعلق التأثير فهو العقل. [الشريف
الجرجاني: شرح المواقف، ج٢، ص ١٩٠].
وهذا القول من قبل الفلاسفة مبنى على قولهم بالمجردات من
جهة، ونفيهم للجوهر الفرد من جهة أخرى.