Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

في ذكرى الرحيل الأليم لسيدنا إبراهيم ابن حضرة النبي - صلى الله عليه وسلم -

الكاتب

هيئة التحرير

في ذكرى الرحيل الأليم لسيدنا إبراهيم ابن حضرة النبي - صلى الله عليه وسلم -

إن من أسمى مقامات النظر في سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ، ذلك المقام الذي يتأمل فيه القلب البشري سيد البشر - صلى الله عليه وسلم -  وهو يعيش أرق لحظات الأبوة وأقسى ساعات الفراق، إنه المشهد الذي تتجلى فيه عظمة هذا الدين في جمعه بين متناقضات الشعور الإنساني: بين رقة الأبوة وجلال النبوة، بين دمعة العين ويقين القلب، بين آدمية الحزن وربانية التسليم، وهذا ما سنقف عليه في مقالنا هذا بعون الله وتوفيقه.

إشراقة سيدنا إبراهيم – عليه السلام - النور الذي أضاء خواتيم العمر

لقد كانت ولادة سيدنا إبراهيم -عليه السلام - من السيدة الجليلة الطاهرة النقية مارية القبطية - رضي الله عنها -، بمثابة نفحة من نفحات الرحمن، انسكبت على قلب الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وآله وسلّم -  في خواتيم عمره الشريف، ليكون هذا الغلام الطاهر بمثابة ريحانة يشمها -صلى الله عليه وآله وسلّم-  بعد عناء الطريق وطول الجهاد، وقد أهديت أمه السيدة مارية - رضي الله عنها -  إلى حضرة النبي -صلى الله عليه وآله وسلّم- من المقوقس صاحب الإسكندرية في السنة السادسة من الهجرة ، لتكون هذه المرأة المصرية الطيبة، مع أختها سيرين، من أهل بيت النبوة [أنظر: الطبقات الكبرى، ١/ ١٠٧-١١٠].

وروي عَن حضرة النَّبِي - صلى الله عليه وآله وسلّم- أَنه قَالَ: « لَو عَاشَ إِبْرَاهِيم لأعتقت أَخْوَاله ولوضعت الْجِزْيَة عَن كل قبْطِي وَقَالَ إِذا دَخَلْتُم مصر فَاسْتَوْصُوا بالقبط فَإِن لَهُم ذمَّة ورحمًا» [الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ١/١٠٤].

وإن من لطائف الوفاء والبر بالآباء أن يسمي النبي الكريم – عليه أفضل الصلاة والتسليم - ابنه باسم جده الخليل سيدنا إبراهيم -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم-؛ ليربط بين نبيين عظيمين برباط الدم والوفاء، وكأنه  - صلى الله عليه وآله وسلّم-  يريد أن يقول لأمته: إن هذه الأمة سلسلة متصلة الحلقات، وإن المحبة إرث يمتد في الأبناء كما يمتد في الأرواح، فقد ورد أنه عندما بشر بولادة سيدنا إبراهيم -عليه السلام - قال - صلى الله عليه وآله وسلّم- عَنْ  سيدنا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه -  قال :قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :«وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلَامٌ. فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إبراهيم» [ رواه مسلم]، ثم عق عنه في يوم سابعه بكبش، وحلق رأسه وتصدق بوزن شعره فضة [الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ١/٩٨].

وكان سيدنا إبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وآله وسلّم- يدرج في عوالي المدينة، في بيت أبي سيف الحداد، وكان الحبيب النبي - صلى الله عليه وآله وسلّم- يغدو إليه ويروح، يشم ريحه ويقبله، في مشهد يفيض برقة الأبوة [انظر: أسد الغابة، ١/ ١٥٢]. يروي سيدنا أنس بن مالك -رضي الله عنه- هذا المشروع الإنساني العظيم فيقول : «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: كَانَ سيدنا إبراهيم -عليه السلام - مُسْتَرْضِعًا لَهُ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ، فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ وَإِنَّهُ لَيُدَّخَنُ، وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا، فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ » [رواه مسلم].

 إنه مشهد يضرب في عمق الإنسانية، ليؤسس لمنهج تربوي يتسع للحنان والحب، ولأبوة لا تشغلها أعباء الرسالة عن حنان التربية ووصل الأرحام.

سكرات الرحيل بين أنين الجسد واطمئنان الروح

لكن المشيئة الإلهية شاءت أن يكون سيدنا إبراهيم -عليه السلام - ريحانة لا تطول، وقمرًا يتوارى عن الدنيا في عجالة، فلم تمض غير أشهر معدودات، حتى نزل الموت بساحة هذا الغلام الذي لم يتجاوز عمره سبعة عشر أو ثمانية عشر شهرًا وقيل غير ذلك، دب السقم في جسده الغض، وتسارع النزع في أنفاسه الصغيرة، وهُرع النبي - صلى الله عليه وآله سلّم - إليه، والقلب يرتجف رحمة، فوجده في حجر أم بردة يجود بنفسه [الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ١ /٩٨-٩٩].

وهنا يقف أنس رضي الله عنه مصورًا ذلك المشهد المهيب: «دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ، وَكَانَ ظِئْرًا لِإبراهيم، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إبراهيم فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإبراهيم يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْرِفَانِ» [رواه البخاري].

وعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ، قَالَتْ: لَمَّا تُوُفِّيَ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِبْرَاهِيمُ بَكَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَهُ الْمُعَزِّي: إِمَّا أَبُو بَكْرٍ، وَإِمَّا عُمَرُ: أَنْتَ أَحَقُّ مَنْ عَظَّمَ اللَّهُ حَقَّهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «تَدْمَعُ الْعَيْنُ، وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، ‌وَلَا ‌نَقُولُ ‌مَا ‌يُسْخِطُ ‌الرَّبَّ، لَوْلَا أَنَّهُ وَعْدٌ صَادِقٌ، وَمَوْعُودٌ جَامِعٌ، وَأَنَّ الْآخِرَ تَابِعٌ لِلْأَوَّلِ، لَوَجَدْنَا عَلَيْكَ يَا إِبْرَاهِيمُ أَفْضَلَ مِمَّا وَجَدْنَا، وَإِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ» [رواه ابن ماجه].

إنه مشهد يتجلى فيه أرقى صور التوازن بين مقتضى الأبوة البشرية ومقتضى القدوة النبوية، بين الرحمة التي خلقها الله في القلوب، والرضا الذي أمر الله به العقول، فالجسد يذبل، والروح تعرج، والجناب النبوي المعظم - صلى الله عليه وآله سلّم - صامد صمود الجبال، لكنه صمود المبتلى ببلاء الرحمة لا ببلاء القسوة.

الدموع النبوية الشريفة دموع الرحمة

هنا يبرز السؤال الكبير الذي شغل أذهان الصحابة رضوان الله عليهم، لقد رأوا الحبيب النبي - صلى الله عليه وآله وسلّم- يبكي، فتعجبوا وهم الذين ظنوا أن الصبر يعني جفاف العيون وجمود المشاعر!

فكان الرد المحمدي الخالد الذي أراد به حضرة النبي - صلى الله عليه وآله وسلّم- أن يضع أسس منهج متكامل في فهم علاقة الإنسان بالمصائب، وأن يصحح مسار الوجدان البشري الذي قد ينحرف بين غلو في التجهم وانفلات في الجزع. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ  -رضي الله عنه- قَالَ: «... ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ-صلى الله عليه وسلّم- تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ  - رضي الله عنه - : وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ عَوْفٍ، إِنَّهَا رَحْمَةٌ. ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ -صلى الله عليه وسلّم-: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» [رواه البخاري].

هذه الكلمات النبوية تحمل في طياتها فلسفة متكاملة، أراد بها الحبيب النبي - صلى الله عليه وآله وسلّم- أن يفصل بين أحوال الإنسان الثلاثة في المصيبة: بين جوارحه التي تدمع رحمة، وقلبه الذي يحزن فطرة، ولسانه الذي يرضى عبادة، وهنا يقول الإمام النووي شارحًا هذا المشهد : "فِيهِ جَوَازُ الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ بِغَيْرِ نَدْبٍ وَلَا جَزَعٍ، وَأَنَّ حُزْنَ الْقَلْبِ وَدَمْعَ الْعَيْنِ لَا يُنَافِي الصَّبْرَ وَالتَّسْلِيمَ لِلْأَمْرِ" [النووي، شرح صحيح مسلم، ١٥/ ٦٨].

لقد أراد الجناب النبوي المعظم- صلى الله عليه وآله وسلّم- أن يعلم أمته أن الحزن ليس اعتراضًا على القدر، وأن الدمع ليس تمردًا على المشيئة، بل هو اعتراف بآدميتنا، ورحمة جعلها الله في قلوب عباده، وبهذا يبقى القلب في حظيرة الرضا رغم ألم الفقد، ويبقى اللسان في ميادين الحمد والشكر رغم مرارة الفراق.

إحقاق الحقائق أولى من أوهام الخلائق

وفي اللحظة ذاتها، شاءت الأقدار أن تنكسف الشمس، وأن يهرع الناس من أثر عظم الحدث والفاجعة يربطون بين عظمة هذا الحدث الكوني وموت سيدنا ابراهيم ابن حضرة النبي -صلى الله عليه وآله وسلّم- ، فتتابعت الألسنة تقول: "كسفت الشمس لموت سيدنا إبراهيم -عليه السلام -".

وهنا وقف الجناب النبوي المعظم - صلى الله عليه وآله وسلّم- ليعلن للعالم أجمع، وللأجيال المتعاقبة، أن هذا الدين لم يُبنَ على الخرافة، ولم يُشَيَّد على الوهم، خرج -صلوات ربي وسلامه عليه- يخطب في الناس ليحرر العقول من أغلال الأوهام، وليضع المعيار الدقيق في العلاقة بين الأسباب الكونية والمسببات القدرية، قال - صلى الله عليه وسلم«إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ» [رواه مسلم].

والمذهل في هذا المشهد أن حضرة النبي- صلى الله عليه وسلم - كان في أشد لحظات حزنه، ومع ذلك لم يقبل أن يُبنى فكر أمته على وهم، ولا أن تُرفع مكانته على خرافة، لقد كان هذا الموقف أنصع برهان على صدق نبوته، وشهادة ناصعة على أن هذا الدين وحي من الله، لا صنعة بشر يقتنصون الفرص لتعظيم ذواتهم.

أظهرت دراسات تاريخية وفلكية (بناءً على حسابات "ناسا") أن كسوف الشمس المرتبط بوفاة سيدنا إبراهيم ابن حضرة النبي - صلى الله عليه وآله وسلّم- حدث في ٢٧ يناير ٦٣٢م (٢٩ شوال ١٠ هـ)، وهو كسوف حلقي شوهد في المدينة المنورة، مما يصحح تواريخ الروايات التي ذكرت ربيع الأول من نفس العام، ويجعل توقيت الوفاة الدقيق في أواخر شوال ١٠ هـ [إخلاطي، إسماعيل عبد الله، دراسة تاريخية فلكية في تحقيق الكسوف الشمسي في وقت وفاة إبراهيم ابن النبي -صلى الله عليه وسلم-، مجلة كلية التربية (٢٠٠٨)، ع ٣ ، ٥٧٦ - ٥٩٤.]، مما يضفي دقة علمية مذهلة على رواية الصحابة لهذا الحدث.

رسالة الصبر من عوالي المدينة إلى بقيع الغرقد

حُمل الجثمان الطاهر على الأعناق، وسار الموكب الحزين إلى بقيع الغرقد، ذلك المكان الذي ضم رفات الآلاف من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلّم- وهناك في العوالي، قامت السيدة أم بردة - رضي الله عنها - بتغسيل سيدنا إبراهيم -عليه السلام- ، وصلى عليه حضرة النبي -صلى الله عليه وآله وسلّم-، ثم نزل في قبره سيدنا الفضل بن العباس - رضي الله عنهما -  وسيدنا أسامة بن زيد - رضي الله عنهما - .

وفي مشهد أخاذ، وقف حبيبنا النبي - صلى الله عليه وآله وسلّم- يشير إلى قبر سيدنا عثمان بن مظعون - رضي الله عنهما -  قائلاً: «نَدْفِنُهُ عِنْدَ فَرَطِنَا عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍۛ» ، وكلمة "فرطنا" كما يقول أهل اللغة، تعني الذي يسبقنا إلى المكان ليعدّ لنا المنزل، وكأن النبي - صلى الله عليه وآله وسلّم- يبث في قلوب المؤمنين معنى أن الموت ليس نهاية، بل هو انتقال إلى دار القرار .[الوافي بالوفيات:٦/ ٦٨]

وقد أشار الصحابي الجليل سيدنا عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه إلى حكمة إلهية عميقة في هذا الموقف، حين سئل عن سيدنا إبراهيم -عليه السلام – فيروي لنا الإمام ابن ماجه – رحمه الله – إجابته فيقول :" حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ قَالَ قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ مَاتَ وَهُوَ صَغِيرٌ وَلَوْ قُضِيَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - نَبِيٌّ لَعَاشَ ابْنُهُ وَلَكِنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ [رواه ابن ماجه].

"وَمَعْنَى الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَوْ قَضَى النُّبُوَّةَ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ لَأَمْكَنَ حَيَاةَ إِبْرَاهِيمَ، لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَقْضِ لِأَحَدٍ تِلْكَ وَقَدْ قَدَّرَ لِإِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ يَكُونُ نَبِيًّا عَلَى تَقْدِيرِ حَيَاتِهِ لَزِمَ أَنْ لَا يَعِيشَ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ بَيَانٌ لِفَضْلِ إِبْرَاهِيمَ، وَحَاصِلُهُ لَوْ قُدِّرَ نَبِيٌّ بَعْدَهُ - صلى الله عليه وسلم -لَكَانَ إِبْرَاهِيمُ أَحَقّ بِذَلِكَ؛ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَعِيشَ حِينَئِذٍ إِلَى أَنْ يُبْعَثَ نَبِيًّا، لَكِنْ مَا قُدِّرَ بَعْدَهُ فَلِذَلِكَ مَا لَزِمَ أَنْ يَعِيشَ، وَعَلَى الْمَعْنَيَيْنِ فَلَيْسَ مَبْنَى الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ وَلَدَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وآله وسلّم- يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا حَتَّى يُقَالُ إِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ، وَإِلَّا لَكَانَ كُلُّنَا أَنْبِيَاءَ لِكَوْنِنَا مِنْ أَوْلَادِ آدَمَ وَنُوحٍ" [كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه:١/ ٤٥٩].

إنها إشارة إلى حكمة إلهية في طي صفحة هذه الحياة القصيرة، ليقطع الطريق على أي شبهة أو ادعاء، ويؤكد ختم النبوة بسيدنا محمد صَلَّى الله عليه وآله وسلّم.

الخلاصة

إن رحيل سيدنا إبراهيم -عليه السلام - ابن النبي - صلى الله عليه وآله وسلّم- لم يكن مجرد حادثة وفاة عابرة في سجل الأيام، بل كان محطة تأسيسية في بناء المنهج النفسي والتربوي للمسلم في مواجهة المصائب والشدائد.

لقد أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - من خلال هذه المحنة أن يقدم لأمته دستورًا متكاملًا في فن التعامل مع الفقد، قائمًا على ثلاثة أركان:

  • الركن الأول: إنسانية الحزن، حيث لا جمود في العواطف.
  • الركن الثاني: رحبة التسليم، فلا اعتراض على القدر، ولا جزع على المقدور.
  • الركن الثالث: عقلانية الربط بين الظواهر الكونية وبين الحوادث البشرية.

لقد أعاد الحبيب النبي -صلى الله علي وآله وسلّم- صياغة علاقة الإنسان بالمصيبة، فجعلها جسرًا للارتقاء لا هوة للانكسار، وعلمنا أن المؤمن يواجه أقدار الله بأدب يجمع بين حرقة الفقد وبرد اليقين. فالعين التي تدمع هي عين الرحمة، واللسان الذي يوحد هو لسان الصدق، والقلب الذي يحزن هو قلب العبودية.

نسأل الله أن يرزقنا حسن التأسي بسيدنا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلّم-، وأن يرزقنا الصبر والرضا في السراء والضراء، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

موضوعات ذات صلة

حقوق الوالدين تُعد من أبرز وأهم الحقوق التي يحث عليها الإسلام

اعتنى الإسلام بالأبناء عناية فائقة ، والتي تبدأ قبل الميلاد باختيار الزوجين الصالحين لبناء بيت مستقر

التواصل الفعّال بين الآباء والأبناء هو حجر الأساس لبناء علاقات أسرية صحية ومستقرة

الرحمة صفة عظيمة تعني التلطف بالغير والإحسان إليه ونزع الشر والسوء من النفس

أبعاد مقام الأمومة في الرؤية الإسلامية، مؤصلًا لمفاهيم الإكرام والبركة من منظور حضاري وأكاديمي

موضوعات مختارة