لم يكن من شأن
المسلمين أن يتقصَّدوا مخالفة أعراف الناس في البلدان التي دخلها الإسلام، وإنما
سعوا إلى الجمع بين التعايش والاندماج مع أهل تلك البلاد، مع الحفاظ على الهوية
الدينية.
بل لَمَّا كان الاعتدال
الربيعي يوافق صوم المسيحيين، جرت عادة المصريين
على أن يكون الاحتفال به فور انتهاء المسيحيين من صومهم؛ وذلك ترسيخًا لمعنًى مهم؛
يتلخص في أن هذه المناسبة إنما تكتمل فرحة الاحتفال بها بروح المجتمع الوطني ذي
النسيج الواحد.
وهذا معنًى إنسانيٌّ
راقٍ، أفرزته التجربة المصرية في التعايش بين أصحاب الأديان والتأكيد على المشترك
الإنساني الذي يقوي روابط التعارف والتواصل بين بني الإنسان، وهو لا يتناقض بحال
مع الشرع، بل هو ترجمة للحضارة الإسلامية الراقية، وقِيَمِها النبيلة السمحة.
والأعياد أيام
تُتَّخَذُ لإظهار السرور والفرحة، وللأعياد الدينية أبعاد اجتماعية واقتصادية
نافعة، وتزداد فيها هذه الجوانب قوّةً كلما قويَتْ أواصر المجتمع، وتلاحمت روابطه،
وتآخت طوائفه، وزاد المشترك بين أفراده وجماعاته، فيحصل التشارك المجتمعي بل
الإنساني العام الذي يتناسى أصولها الدينية وفوارقها العقائدية، واختلافُ فتاوى
العلماء في المشاركة في أعياد غير المسلمين راجع إلى أنَّ هذه الأعياد يتجاذبها
البُعدان الديني والاجتماعي قوةً وضعفًا؛ خاصة مع تزامن فتاواهم والحروب الصليبية،
ومع غلبة الطابع الديني على النزاعات والحروب الدولية، ومع زيادة التعصب الديني
وضعف المشاركة المجتمعية في كثير من الأحايين؛ مما قوَّى عند جماعة من الفقهاء
حينذاك الأخذ بمسلك سد الذرائع؛ حفاظًا على تماسك الدولة الإسلامية أمام العدوان
المتعصب الذي يلبس لباس الدين زورًا وبهتانًا، وهذا غير حاصلٍ في زماننا الآن.
ولذلك بنى المحققون
من الفقهاء جواز مشاركة
غير المسلمين في أعيادهم على تناسي الفوارق الدينية فيها، وعلى
انعدام قصد التشبه بهم فيما خالف الإسلام من عقائدهم، وعلى غلبة المعنى الاجتماعي
وقوة المشترك الإنساني في مظاهر الاحتفال، وعلى استغلال هذه المواسم في فعل الخير
وصلة الأرحام والمنافع الاقتصادية، وبنوا الجواز كذلك على خلوص القصد في المشاركة
المجتمعية المحضة، وقرروا أن صورة المشابهة لا تضرّ خاصةً إذا تعلق بها صلاح
العباد؛ كما في "رد المحتار على الدر المختار" للعلامة ابن عابدين [١/ ٦٢٤، ط. دار الفكر]، و"سنن المهتدين" للعلامة
الموَّاق [ص: ٢٤٩، ط. مؤسسة الشيخ
زايد]،
و"شرح مختصر خليل" للعلامة الزرقاني [١/ ٣٢٠، ط. دار الكتب العلمية].
وقسَّم الإمام ابن
حجر الهيتمي أنواع المشاركة في أعياد غير المسلمين إلى ما يُقصَد به التشبهُ بهم
في عقائدهم أو في شعائر أعيادهم المخالفة لثوابت الإسلام: فمحظور شرعًا، قال:
"وإن لم يقصد التشبه بهم أصلًا ورأسًا: فلا شيء عليه" [الفتاوى الفقهية، ٤/ ٢٣٤، ط. دار الفكر].
ونقل الإمام أبو بكر
الخلَّال في "أحكام أهل الملل" [ص: ٥١، ط. دار الكتب العلمية]: "عن الإمام أحمد: جواز استغلال
المنفعة الاقتصادية لأعياد غير المسلمين، ولا يخفى ما في ذلك من المشاركة المجتمعية
وتبادل المنافع الاقتصادية" بتصرف.
والاحتفالات بأعياد
رأس السنة الميلادية قد اصطبغت بالصبغة الاجتماعية، وصارت مناسبة قومية، وتجلت
فيها معاني تقوية الأواصر الإنسانية، وهي وإن ارتبطت بفكرة دينية في الأصل، إلا
أنَّ المشاركة فيها لا تستلزم الإقرار بشيء من الخصوصيات الدينية التي قد لا توافق
ثوابت العقيدة الإسلامية، مع مراعاة البُعْد عمَّا يحرِّمُهُ الشرع اتفاقًا أو
تأباه الأخلاق الكريمة والأعراف السليمة.
وإنَّ مِن أوجب
الواجبات على المسلمين في هذا العصر أن يظهروا هذا الجمال الذي في الإسلام؛ ليكونوا
خير حملة لهذا الدين بأخلاقهم وتعاملاتهم؛ فالإسلام لم يأمر أتباعه أبدًا
بالانسلال من غيرهم من بني الإنسان ممن لا يتبعون دينهم وعدائهم وبغضهم، بل أمر
ببذل البِرِّ والإحسان إلى الجميع تحت مظلة الاحترام المتبادل ومشترك الأخوة
الإنسانية.
وقد قرَّر النبي صلى
الله عليه وآله وسلم هذا المبدأ؛ فنهى عن فرض العقائد في مقام التعامل بين الناس،
وعمل على تعظيم المشترك بين أهل الأديان؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: بينما
يهودي يعرض سلعته أُعطِيَ بها شيئًا كرهه، فقال: لا والذي اصطفى موسى على البشر،
فسمعه رجل من الأنصار، فقام فلطم وجهه، وقال: تقول: والذي اصطفى موسى على البشر،
والنبي صلى الله عليه وآله وسلم بين أظهرنا! فذهب إليه فقال: أبا القاسم، إن لي
ذمة وعهدًا؛ فما بال فلان لطم وجهي! فقال: «لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟ فَذكَرهُ»، فغضب النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى
رُئِيَ في وجهه، ثم قال:
«لَا
تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللهِ؛ فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ
فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ،
ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ، فَإِذَا مُوسَى
آخِذٌ بِالعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ، أَمْ
بُعِثَ قَبْلِي» [متفق عليه].
ولذلك فإننا نقول
للمسلم: تَصَرَّفْ بعفويتك؛ فالإسلام يحب الأريحية والطباع الحسنة التي تُشعِر بها
مَن حولك بالسعادة والتفاؤل والأمل والبر، وتَعَامَلْ مع مجتمعك بكل خُلُقٍ جميل،
وشَارِكْ أصدقاءك وجيرانك في فرحتهم واحتفالاتهم، ولا تأبه بمن يسعى ليفسد في
الأرض بقطع أواصر المحبة والتواصل بين بني البشر باسم "الإسلام"، لابسًا
ثوبَ تقوى مزيَّفٍ لِيَصِفَ لسانُهُ الكذبَ هذا حلالٌ وهذا حرام.