Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

حرمة المؤمن وممارسات اغتيال كرامة الإنسان

الكاتب

هيئة التحرير

حرمة المؤمن وممارسات اغتيال كرامة الإنسان

تتهاوى القيم حين تتحول أعراض الناس ومشاعرهم إلى مادة للتندر والضحك، متجاهلين أن حرمة المؤمن عند الله أعظم حُرمةً من الكعبة المشرفة، وأن الكلمة الجارحة ليست مجرد "مزاح" عابر، بل هي كبيرة تُسقط العبد في مهاوي الفسوق والهلاك الأخروي.

الحرمة النفسية والاجتماعية: السخرية كجريمة "فسوق"

في ظل ما نشهده من تراجع قيمي مخيف، وما طفا على السطح مؤخرًا من ممارسات يندى لها الجبين - كما في الوقائع المتداولة والمتلاحقة على وسائل التواصل، والتي تظهر صورة سلبية مقيتة، وتراجعًا في منظومة القيم والأخلاق الإجتماعية، كما تنخر في نخاع أمان المجتمع، وتقدح في شعور الناس بالطمأنينة على أنفسهم وأموالهم وأولادهم وأعراضهم-، فنجد أن البعض قد اتخذ من أعراض الناس ومشاعرهم مادة للتندر والضحك، متناسين أن الله تعالى يغار على عباده، وأن حرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمة الكعبة المشرفة.

لقد جاء التوجيه الرباني حاسمًا في قطع دابر الفتنة النفسية التي تخلفها السخرية، فالسخرية ليست مجرد ضحك عابر، بل هي جريمة وصفها القرآن بالفسوق، يقول الحق سبحانه في آية جامعة مانعة قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا یَسۡخَرۡ قَوۡمࣱ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُونُوا۟ خَیۡرࣰا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَاۤءࣱ مِّن نِّسَاۤءٍ عَسَىٰۤ أَن یَكُنَّ خَیۡرࣰا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُوا۟ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِیمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ یَتُبۡ فَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١].

فالآية لم تنهَ فقط، بل حذرت من أن "المسخور منه" قد يكون عند الله أرفع درجة وأعظم قدرًا، واعتبرت أن من يُمارس اللمز (الطعن والعيب) والتنابز (التعيير بالألقاب) ظالم لنفسه ولغيره، ولقد نزل القرآن الكريم ليضع حدًّا فاصلًا بين هذه الممارسات؛ لذا جاء التحريم الإلهي بصيغة (النهي) الذي يقتضي التحريم القطعي. وقد سمّى الله عز وجل السخرية، واللمز؛ وهو (الطعن الخفي)، والتنابز؛ (المناداة بما يكره الشخص) "فسوقًا" والفسق هو: الخروج عن طاعة الله، بل حكم على فاعلها بأنه من "الظالمين" إن لم يتب، والظلم ظلمات يوم القيامة.

ولم يقتصر التحذير على الفاعل فحسب، بل شمل المشارك بالحضور بنص قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَیۡتَ ٱلَّذِینَ یَخُوضُونَ فِیۤ ءَایَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ یَخُوضُوا۟ فِی حَدِیثٍ غَیۡرِهِۦۚ﴾ [الأنعام: ٦٨]، وبما أن الإنسان من أعظم آيات الله المنظورة، فإن الخوض في عرضه بالسخرية هو خوض محرَّم يوجب على المسلم الإعراض عنه وعدم المساهمة في نشره.

الميزان النبوي للكلمة

وضعت السنة النبوية السنة النبوية معايير صارمة لحماية الإنسان من احتقار الناس، ومن ذلك:

١- الاحتقار كفعل مهلك: أكد النبي صلّى الله عليه وسلم أن مجرد "الاحتقار" ذنبٌ لا يُستهان به، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «بحَسْب امْرئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحقِرَ أخَاهُ المُسْلِمَ » [رواه مسلم]، فمجرد شعورك بالأفضلية التي تدفعك للسخرية هو شرٌّ كافٍ لهدم دينك.

٢- خطورة الكلمة الجارحة: في قصة السيدة عائشة مع السيدة صفية -رضي الله عنهما- درس بليغ لكل من يكتب تعليقًا ساخرًا أو يرمي كلمة جارحة، حين قال لها النبي ﷺ: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ» [رواه أبو داود والترمذي]. فكيف بمن يحرق قلوب الناس بتنمر ممنهج وتصوير يكسر خواطرهم أمام الملايين؟

٣- تتبع العورات والفضائح: حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من الأفعال المشينة التي نراها اليوم من البعض في تتبع الزلات، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "صَعِدَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْمِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ مَنْ ‌أَسْلَمَ ‌بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ». [رواه الترمذي].

حرمة المؤمن وتَبِعات الإفلاس الحقيقي

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالكعبة ويقول: «مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ، مَالِهِ، وَدَمِهِ، وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا». [رواه ابن ماجه].

فهل يدرك الساخرون أنهم يهدمون ما هو أعظم عند الله من الكعبة؟ إن كسر خاطر المؤمن، واستفزازه، وتحقيره هو اعتداء مباشر على هذه الحرمة العظيمة.

  • الإفلاس الحقيقي يوم القيامة:

قد يكون المستهزئ مصليًا وصائمًا، لكن سخريته تأكل حسناته كلها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟» قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» [رواه مسلم].

  • صفات المؤمن:

إن السلوك الظاهر في الرابط، والمتمثل في الاستهزاء، يتنافى كليًّا مع "تعريف المؤمن" الذي وضعه النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هذه السلوك البُعد عن الفحش، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ :«لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اللَّعَّانِ، وَلَا الْفَاحِشِ، وَلَا الْبَذِيءِ» [رواه الترمذي].

فالمؤمن عفيف اللسان، لا يجرح ولا يسخر ولا يستخدم الألفاظ النابية لإضحاك الناس أو استفزاز الخصوم.

إن كفَّ الأذى صدقة، فحتى لو لم تستطع نفع الناس، فعليك كف أذاك عنهم، فقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» [متفق عليه].

دعوة للتوبة قبل فوات الأوان

إن ما نراه من أحداث مؤسفة تدعونا جميعًا لوقفة محاسبة، إن الأعراض حفرة من حفر النار، والسخرية طريق موحش نهايته الندامة، فليتقِ الله كل من يكتب تعليقًا، أو ينشر صورة، أو يطلق كلمة يقصد بها إيذاء أخيه أو السخرية منه.

ولنتذكر قول النبي  في حجة الوداع، حين قرر المبدأ الخالد: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» [متفق عليه].

فلنكن مفاتيح للخير، مغاليق للشر، ولنطهر مجتمعنا من دنس الاستفزاز والسخرية، فالله مطلع، والملائكة تكتب، والقيامة موعد، وعند الله تجتمع الخصوم.

الخلاصة

إن كف الأذى عن الخلق هو جوهر الاستقامة، فالإيمان لا يستقر في قلب مَن يتتبع العورات أو يستبيح كرامة إخوانه بالسخرية واللمز، فلنحذر ضياع رصيد العبادات في ميزان "المفلس" يوم القيامة؛ فالأعراض حفرة من نار، واليقين يوجب أن مَن سخر من خَلْق الله فقد تعرض لغضب الخالق.

موضوعات ذات صلة

تبرز ظاهرة التنمر كأحد أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة، لا سيما في البيئات التربوية والمهنية.

الأخلاق الإنسانية في الإسلام تنبع من الإيمان بوحدة البشرية وإلهها ومصيرها.

حقوق الإنسان تعني قيم العدل والمساواة والحرية.

موضوعات مختارة