Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

شخصية الإنسان المصري

الكاتب

أ.د/ أسامة الأزهرى

إنسانٌ واسع الأفق

مصر عبر تاريخها كانت مركزًا حضاريًا عالميًا، وتضم الشعوب والثقافات من كل حدب وصوب، مما يشكل شخصية مصرية متسامحة وكريمة، ومن طريق الحج القديم إلى الأزهر الشريف، نشأت في مصر قيم متجذّرة الإيمان مع عبقرية المكان، وروح الانفتاح، فكانت الحضارة والتاريخ، وتكوين الشخصية الفريدة الرائدة.

مصر مركز حضاري وتاريخي عالمي

كانت مصر عبر تاريخها منطقة مركزية، ينزل في رحابها أبناء الشعوب المختلفة، من العمق الإفريقي، بسبب طريق الحج، ومن الملايو والصين والهند والعراق والشام واليمن بسبب الأزهر، كما عبرت على أرضها السيدة مريم -عليها السلام- تحمل سيدنا عيسى -عليه السلام-، كما جاء الصحابة والتابعون وأهل البيت النبوي الكريم.


طريق الحج القديم

فجاء إليها الوافدون من المغرب العربي، أو القرن الإفريقي، أو السودان، أو أقاليم التكرور الواسعة، التي تغطي غرب السودان وتشاد والنيجر ومالي إلى نيجيريا والسنغال، إلى غير ذلك من المناطق الشاسعة في العمق الإفريقي، حيث ظل أبناء تلك الشعوب يعبرون على أرض مصر من خلال طريق الحج القديم، فيما قبل عصر الطيران قبل نحو قرن من الزمان، حيث تعبر القوافل على ذلك المسار، حتى تنزل في مدينة قوص، بمحافظة قنا، والتي كانت قاعدة الصعيد وعاصمته، ثم تعبر تلك الوفود والقبائل من خلال الصحراء الشرقية إلى البحر الأحمر ومنه إلى الحرمين الشريفين، أو أن يصعدوا مع النيل إلى القاهرة، ليرافقوا رحلة المَحْمل المصري الذي يحمل كسوة الكعبة المشرفة إلى مكة المكرمة، هدية من مصر إلى الحرم الشريف، فكان الإنسان المصري يشهد بعينيه الغرباء والوافدين، الذين يعيشون أيامًا أو شهورًا أو سنواتٍ في رحاب مصر، يتقلبون في خيرها، ويبذل لهم الإنسان المصري كرمه وعطاءه، وسعة خاطره، ويفتح لهم قلبه، ويقوم بواجب ضيافتهم، ويطلع من خلالهم على الدنيا، ويحفر في قلوبهم منزلة سامية لمصر وشعبها المضياف الكريم.

طريق الحج وتأثيره الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والنفسي

قال المؤرخ الكبير حسين مؤنس: (ويكفي أن نذكر في هذا المقام ركب الحجاج المعروف بالركب المغربي، الذي كان يخرج من فاس ومراكش للحج، ويلم بمصر شهورًا طوالًا في الغدو والرواح، فقد كانت القافلة تصل في بعض الأحيان إلى الخمسين ألف إنسان، وتصور أنت ما يمكن أن يكون من الأثر لخمسين ألف إنسان ينتقلون كل عام من المغرب إلى مصر فالحجاز، ومن الحجاز إلى مصر فمراكش).[ مصر ورسالتها/ص٤٠/، ط: الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، سنة ١٩٩٨م.]

وقال جمال حمدان: (غير أن الحج -لا شك- خير ما يلخص لنا كل علاقات هذا المحور، وكان طريق الحج رافدًا سنويًّا أو دائمًا يصب مؤثراته بهدوء في مصر) [شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان/٤/٤٢٦/، ط: دار الهلال، مصر، سنة ١٩٩٥م.].

وألتقط هنا هذا الطرف من الخيط الدقيق الذي لمسه جمال حمدان بعمق، وهو أن هذه الروافد كانت تصب أثرها بهدوء في مصر، أي أنها تصب آثارًا اجتماعية واقتصادية ونفسية وعلمية كبيرة ومتدفقة في وجدان الإنسان المصري ووعيه بذاته، وكل أثر من تلك الآثار يحتاج رصدًا موسعًا، حتى ترى ما قامت به تلك الأمور من ترسيخ وبناء وحفاظ على اعتزاز الإنسان المصري بقيمته، وإدراكه لقيمة وطنه، وتفرده بمزايا رفيعة، تجعله أبناء الشعوب والثقافات المحيطة ترنو وتتطلع إلى هذه البقعة الطاهرة من أرض الكنانة بحب وإجلال وإكبار، كما أن المصري كان يجتهد في تشغيل خيرات هذا الوطن العظيم ليكرم به ضيوفه الوافدين من أشقائه العابرين بأرضه.

وكان لهذا أثر كبير في شخصية الإنسان المصري، حيث يخرج من ضيق نفسه إلى آفاق واسعة، ويدرك أن بلده بلد خير ونماء وكرم وريادة، فإذا انفض الضيوف الغرباء بقي هو يتعامل بنفس الأريحية والسعة والكرم مع الجميع في وطنه.

ومن الآثار الجليلة للحج أيضا أنه كان يجلب لمصر أفاضل الناس، والأتقياء الأنقياء منهم، الذين يدركون منذ خروجهم من بيوتهم أنهم في رحلة روحية سامية، فأوقاتهم كلها عامرة بالطاعة والخُلُق الكريم، ثم يعبرون على مصر في رجوعهم وقد تزودوا من التقوى وشهود المشاهد المقدسة الجليلة، فكان الحج جاذبًا للأفاضل من مختلف الشعوب، وما رأى منهم المصريون إلا كل خلق حسن، ومعاملة فاضلة، ولم يصدر عنهم في مصر إلى هدم أو عدوان على الأخلاق والقيم، فلم ينقلوا إلى مصر إلا الأرفع والأرقى من العادات والأخلاق، مما يجعل المصريين يعيشون أجواء الحج السامية في كل موسم من مواسم الحج.

وطريق الحج القديم الذي يخترق العمق الإفريقي ويعبر على دول كثيرة، ويصب في مصر، مرورًا بها، بغرض النزول فيها، أو اجتيازها إلى الحرمين، كان أيضًا طريقًا من طرق التجارة العالمية، كطريق الحرير الذي كان يعبر من عمق آسيا إلى أوربا، مرورًا بالدول والممالك الإسلامية، فتنشط به حركة التجارة وخدماتها في مائة وستة وثمانين مدينة كبرى يعبر عليها ذلك الطريق، ولكل ذلك آثار اجتماعية ونفسية عميقة جدًّا في شخصية الإنسان، وقد كتب الأستاذ أشرف أبو اليزيد كتابًا عن طريق الحرير [مشروع توثيق طريق الحرير، وإعادة إحيائه والانتفاع به اقتصاديًّا بما يناسب ظروف العصر الحاضر حظي باهتمام كبير في السنوات الماضية، واعتنت به منظمة اليونسكو، وصدرت حوله عدة كتب، منها كتاب: (طريق الحرير) تأليف إيرين فرانك، وديفيد براونسون، ط٢: المركز القومي للترجمة، سنة ٢٠٠٩م، وكتاب: طريق الحرير، للأستاذ أشرف أبو اليزيد، الصادر عن مكتبة الإسكندرية، سنة ٢٠١٣م. ].

أثر دخول السيد المسيح إلى أرض مصر

وكان دخول السيد المسيح إلى أرض مصر بركة كبيرة لأرضها وشعبها، ففي الكتاب: (مبارك شعبي مصر) (أش ١٩: ٢٥)، حيث سارت العائلة المقدسة من بيت لحم إلى غزة، حتى محمية الزرانيق (الفلوسيات) غرب العريش بـ ٣٧ كم، ودخلت مصر عن طريق الناحية الشمالية من جهة الفرما (بلوزيوم)، الواقعة بين مدينتي العريش وبورسعيد، مرورًا بمدينة تل بسطا (بسطة) بالقرب من مدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية، فمدينة بلبيس، ثم سمنود، ومن وادي النطرون ارتحلت العائلة المقدسة جنوباً ناحية مدينة القاهرة، وعبرت نهر النيل إلى الناحية الشرقية متجهة ناحية المطرية وعين شمس ومصر القديمة، إلى آخر الرحلة الكريمة، التي أسهمت في ارتباط الوجدان المسلم والمسيحي على السواء بأرض مصر؛ لأنها كانت الوعاء الحاضن لرسالات السماء.

وكما أن مصر قد استقبلت سيدتنا مريم -عليها صلوات الله وتسليماته-، فقد صدرت وأرسلت مرجعية مسيحية للعمق الأفريقي، مما أسهم في تكوين دور مصر المؤثر، الذي يجعل إطلالتها على العالم حاضرة ونافذة، قال جمال حمدان: (أما الحبشة فكانت نهاية -وقمة- الإشعاع الديني لمصر؛ حيث ارتبطت كلية بالكنيسة المصرية)[ شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان/٤/٤٤٠].

دور الأزهر في تشكيل الشخصية المصرية

وقد أضيف عامل آخر، ساعد في تثبيت تلك الخاصية وتلك القيم والمعاني في شخصية الإنسان المصري، ألا وهو الأزهر الشريف، حيث كان يأوي إليه الألوف من طلاب العلم، من المبعوثين والوافدين والمجاورين، من الهنود، وبلاد الملايو، والشوام، والأكراد، والأتراك، والعراقيين، واليمنيين، والأفارقة، وغيرهم، فإذا بالإنسان المصري قد اعتاد أن يرى على أرض وطنه أجناسا وأعراقا كثيرة، جاءت لوطنه العظيم، تستمد منه العلم والكرم والعطاء، مما يترك في نفس الإنسان المصري ثقةً في وطنه، إدراكًا لقيمته، ومما يساعده على تشغيل مرافق هذا الوطن، واستخراج خيراته، ليقتدر بها على إكرام ضيوفه، والقيام بحقهم، مما يجعل الإنسان المصري يجد العيش الكريم لنفسه، ويجد ما يفيض به على الوافدين إليه، وكل ذلك يخرج بالإنسان المصري من الكآبة والإحباط واليأس والهوان والضعف والحزن، الذي قد يدفعه للإدمان، أو الانتحار، أو الكفر بالوطن المصري العظيم وشعبه العريق الكريم.

شهادات فكرية عن مكانة مصر والأزهر

قال الدكتور ميلاد حنا في كتاب: (الأعمدة السبعة للشخصية المصرية): (وتحولت القاهرة لتكون أقوى مقرات الخلافات الثلاث من خلال حركة ثقافية مزدهرة، بإنشاء كل من الجامع الأزهر، ودار الحكمة، وأصبح الجامع الأزهر منذ تلك الحقبة وإلى الآن مصدر معرفة وفكر وفقه، وأتصور أن هناك تشابهًا في الزخم الثقافي في هذه الفترة يناظر ما تمتعت به مصر في القرون الأولى للمسيحية عندما كانت مدرسة اللاهوت بالإسكندرية هي مصدر المعرفة، وكانت مكتبة الإسكندرية هي المرجع لكل ما يكتب؛ لأنه بنفس الطريقة تحول الأزهر ليكون قبلة العلماء وطلاب العلم والمعرفة في كافة أمور الدين والدنيا، من كل الأقطار، دون تفرقة في الجنس، أو اللغة، أو الطبقة، وقدم الأزهر عبر العصور إسهامًا حضاريًّا يرتكز على العقلانية والتوجهات المنطقية المتطورة المتقدمة عما حولها بمقاييس ذلك الزمن، فما بالقوم ينكرون على مصر حقها في أن تفاخر بأنها حمت العقل الإنساني مرتين: حين آوت فلسفة اليونان وحضارته أكثر من عشرة قرون، وحمتها حين أوت الحضارة الإسلامية وحمتها إلى هذا العصر الحديث.

ومن خلال العلماء الوافدين من كافة أركان الأرض إلى الأزهر، جاءت معهم مصادر معرفية جديدة، أدت إلى إثراء الفكر القومي المصري) [ الأعمدة السبعة للشخصية المصرية/ص١٠٥/، ط: الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، سنة ٢٠١٣م.].

  والشاهد أن كل تلك العوامل تركت بصمة وآثارًا عميقة في نفسية الإنسان المصري، ساعدت في تثبيت منظومة قيمه، ومعالم شخصيته، وجعلته إنسانًا كريمًا، قويًّا، صانعًا للعمران، رفيقًا بالإنسان، قادرًا على اختراق همومه وتجاوزها.


نظرية جمال حمدان عن الأبعاد الأربعة لمصر

وقد أبدع العبقري جمال حمدان في رصد الأبعاد المحيطة بمصر، والتي تتجاذب مصر، حتى تمثل مصر نقطة الارتكاز لها جميعًا، فتكلم عن فكرة الأبعاد الأربعة، والتي هي البعد الآسيوي والأفريقي على مستوى القارات، والبعد النيلي والمتوسطي على المستوى الإقليمي، ولكل بعد منها إسهامه في تكوين الشخصية المصرية، وتوازنات التفاعل المتطور بينها جميعا، حتى نشأ ما يسمى بدائرة الحلقة السعيدة، وهي تلك الحلقة من الأراضي الخصيبة، التي تحيط بالجزيرة العربية، وكانت مصر تدخل في هذه الدائرة عن طريق شريط سيناء الشمالي من ناحية، ووادي الحمامات من ناحية أخرى، وكانت تلك دائرة كاملة، تجري فيها تيارات التاريخ والحياة، بلا انقطاع، كالدائرة الكهربية المغلقة، وكانت مصر قطبًا أساسيًّا من أقطاب هذه الدائرة؛ ولهذا كانت تقف على بوابة أفريقيا، وتنظر إلى نافذة آسيا[شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان/٤/٤١٠/، ط: دار الهلال، مصر، سنة ١٩٩٥م.].

التحولات الحديثة وخطورة الانغلاق

لكن طرأت هنا مؤخرًا على شخصية الإنسان المصري رياح من التغيير، جعلته ينكفيء على ذاته، ويتقوقع، وينعزل عن الدنيا، ويخرج من السعة والرحابة، إلى الضيق والانغلاق، حتى تضيق عليه الدنيا، وتُختَزل مصر في نظره في شارع ضيق، أو حالة من الفقر، أو عجز عن تحقيق متطلبات حياته، أو ركود في حركة الحياة يجعله فاقدًا للأمل، ومن أشد الأمور خطرًا عن الإنسان هو انعزاله التدريجي عن رحابة الحياة والوطن، ودخوله في نفق مظلم وسقف منخفض من الإحباط أو الضيق.

إن الخروج والانسياب مع هذا الوطن الواسع على امتداد جباله وهضابه، وصحاريه، وقطاعاته، وخبراته، وثرواته، ومؤسساته، وتاريخه، وموضعه من العالم؛ كفيل بأن ينتشل الإنسان من الانزلاق إلى حالة الانغلاق على الذات، وأن يفتح له آفاقًا لم تكن تخطر له على بال.

الخلاصة

شخصية الإنسان المصري متنوعة عبر التاريخ بفضل مصر كمركز حضاري، وشعوبًا وثقافات متعددة عبر طريق الحج القديم، والأزهر الشريف، مما غرس القيم الإنسانية والكرم والضيافة. هذه الأحداث التاريخية والاجتماعية والاقتصادية مهمة في بناء الوعي واعتزاز مصري عميق بالوطن، ومع ذلك يواجه الإنسان المصري اليوم تحديات الانغلاق والانعزال، التي تتطلب العودة للمغامرة والانسياب مع تاريخ وثقافة وتشجع الأمل والتقدم.

موضوعات مختارة