Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

عمارة الأرض

الكاتب

أ. د/ محمود أبوزيد

عمارة الأرض

تُعد عمارة الأرض جوهر الاستخلاف الإنساني، مهمة سامية تتجلى فيها استمرارية الوظيفة البشرية في إعمار الكون واستخراج خيراته. يكشف هذا المقال عن المفهوم العميق للعمارة في الإسلام، ودورها في بناء مجتمع العدل والإنتاج، بعيدًا عن الرهبنة، داعيًا إلى العمل والابتكار كعبادة حقيقية.

مفهوم عمارة الأرض

لغةً: عُمر المنزل بأهله كان مسكونًا بهم، فهو عامر، وعمَّر الأرض: بنى عليها وأهلها، واستعمره جعله يعمره، والعمارة نقيض الخراب، كما في الوسيط [المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، دار المعارف، ط٣، مادة (عمر) ٢/ ٦٥٠].

واصطلاحًا: نسبة إلى التعمير والعمران، بمعنى استمرارية الوظيفة الإنسانية العامة للإنسان، الذي حمل الأمانة عندما استخلفه الله - سبحانه وتعالى - في الأرض كي يعمرها، ويستخرج ما فيها بجهده وعمله، لتنعم بخيراتها الأجيال اللاحقة إلى أن يرث الله الأرض وما عليها يقول الله في كتابه العزيز: {وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ} [البقرة: ٣٠]، ويقول سبحانه : {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا} [هود: ٦١] ، كما يقول : {ثُمَّ جَعَلۡنَٰكُمۡ خَلَٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ} [يونس:١٤].

عمارة الأرض في ضوء القرآن الكريم

ويتضح من هذه الآيات الكريمة كما ذهب الإمام ابن حزم الأندلسي أن حكم الإنسان وخلافته هما حكم من الله -جلت قدرته- الذي حكم وقضى باستخلاف الإنسان في إقامة العمران، والنهوض بتكاليفه التي يعمر بها الكون؛ لتتحقق المصلحة الاجتماعية على الوجه المقرر شرعًا {شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ } [الشورى: ١٣]. وكان الدين بذلك سائدًا للعمران، وبين الإثنين تقوم علاقة أشبه ما تكون بالعلاقة الجدلية في إطار الدين ترقى بالإنسان وبوضعه.

دور الإسلام في عمارة الأرض

ويقدم الإسلام أروع صورة لعمارة الأرض في ظل ثقافة التوحيد لله والاستخلاف للإنسان، في داخل إطار المشروعية العليا الإسلامية، ألا وهي العدل المستمد من التوحيد، فلقد شاءت إرادة الخالق عندما خلق الكون وسخره {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا} [الجاثية:١٣]، أن يحدد الطريق لإعمار الأرض ضمن إطار من الأحكام:

فهناك الأحكام المتعلقة بالضرورات وهذه ثابتة لا تتغير، والأحكام المتعلقة بالحاجيات كرفع المشقة، وبالتحسينات الملائمة للذوق، وهذه شديدة المرونة على حسب الأحوال، وأرسى بذلك قواعد النظام الاجتماعي في المجتمع المسلم، ليكون هديًا لبني الإنسان في كل مكان وزمان.

وليس من شك في أن عبادة الله هي الأصل والأساس إذ يقول سبحانه: {وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ} [الذاريات:٥٦] ولكن العبادة المقصودة بحكم النص القرآني أن الإنسان العابد لابد أن يكون عاملًا منتجًا، باعتبار أن العمل الجاد هو السبيل لإسعاد الفرد والجماعة، وفي هذا يقول سبحانه: {ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُور} [الحج: ٤١].

كما يقول: {وَٱبۡتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡيَاۖ وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ وَلَا تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِين} [القصص: ٧٧]، ويقول: {فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُون} [الجمعة:١٠].

دعوة الإسلام إلى العمل

وكما أن الدين دعوة للتراحم والمودة فإنه كذلك دين وسط يدعو للعمل والإنتاج، ليعمر الكون، ويعيش الإنسان في خير وسعادة عندما يعمر نور الإيمان قلبه، ويحصن نفسه ويهذب أخلاقه، فيحيا في عمله فالله سبحانه وتعالى يقول: {وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} [التوبة: ١٠٥]، ويقول: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ} [المائدة: ٨٧]، وليس أبلغ من هذا موازنة بين المادة والروح وبين الدين والدنيا، فكما أن الالتزام العام بفروض الكفاية يؤدي إلى التضامن بين أبناء الأمة، كذلك فإن الإنسان بالعمل يكون قدوة للآخرين فقد رُوِي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أكَلَ أحدٌ طَعامًا قطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِيْهِ، وإنَّ نبَيَّ الله داودَ - صلى الله عليه وسلم - كانَ يَأكْلُ مِنْ عَمَلِ يَدِيْهِ» [رواه البخاري].

فليس في الإسلام دعوة إلى الرهبنة أو نكران للمتع الحلال المباحة، وإنما هو دعوة صريحة للعمل الذي يتحقق به الإعمار الذي يعود بالخير على العالمين.

الخلاصة

عمارة الأرض هي جوهر الاستخلاف الإنساني، تعني استمرارية وظيفة الإنسان في بناء وتعمير الكون واستخراج خيراته، وفقًا للمفاهيم القرآنية. الإسلام يدعو إلى العمل والإنتاج الجاد كجزء لا يتجزأ من العبادة، بهدف تحقيق العدل والسعادة للفرد والمجتمع، مما يوازن بين متطلبات الدين والدنيا ويدعو إلى الابتعاد عن الرهبنة لتحقيق الإعمار الشامل.

موضوعات مختارة