الفكرة المحورية التي تأسست عليها بقية مفاهيم التيارات الإسلامية هي فكرة الحاكمية، فإنها هي الجذر الذي نهضت على أساسه منظومتهم الفكرية بكل مقولاتها، ومفاهيمها، وفروعها، ومنها تولدت بقية مفاهيمهم؛ فانبثقت منها فكرة شرك الحاكمية، وتوحيد الحاكمية عند سيد قطب وأخيه محمد قطب، وتولدت من ذلك فكرة العصبة المؤمنة، وفكرة الوعد الإلهي لهذه العصبة المؤمنة، وفكرة الجاهلية، التي هي حالة بقية المسلمين، وفكرة المفاصلة والتمايز الشعوري بين الفئتين، وفكرة الاستعلاء من العصبة المؤمنة على الجاهلية وأهلها، وفكرة حتمية الصدام بين الفئتين عند سيد قطب لإقامة الخلافة، وفكرة التمكين، إلى آخر شجرة المفاهيم التي نتجت من قضية الحاكمية، والتي تتكون من مجموعها نظرية متكاملة داخل عقل تلك التيارات.
وهي مجموعة من الأفكار، تغزو عقل المتدين، فيتحول بها من متدين إلى متطرف، ثم من متطرف إلى تكفيري، ثم من تكفيري إلى قاتل يحمل السلاح ويسفك الدماء.
فلا يزال المرء قائمًا بصفة التدين، وكان يمكنه أن يعيش بها كريمًا محمودَ الأثر بين الناس، ساعيًا بالأخلاق المحمدية بينهم، لكن هناك فكرة سرطانية تغزو عقله، وتضع غشاوة على عينه، وتربك فهمه لكل الفروع والأحكام والنصوص، وإذا ما نشبت في عقله انحرفت به من التدين، إلى التطرف، إلى التكفير، إلى القتل.
عند التفتيش عن الخيط الناظم والمنجم الفكري الذي تولدت منه كل تلك الأطروحات، تبين أنه كتاب: (ظلال القرآن)، وأن ما سواه من كتب سيد قطب ككتاب: (معالم في الطريق) فما هي سوى مقتطفات من كتاب (الظلال)، حتى قال القرضاوي في: (مذكراته): "إن فكرة التكفير لمسلمي اليوم لم ينفرد بها كتاب المعالم، بل أصلها في الظلال، وفي كتب أخرى أهمها: العدالة الاجتماعية" [ابن القرية والكتاب، ملامح سيرة ومسيرة٣/٦٩ ط: دار الشروق، القاهرة، سنة ٢٠٠٨م].
فـ(ظلال القرآن) هو المدونة الأساسية التي ترتكز عليها، وتنبثق منها كل تلك التيارات التكفيرية، مما يحتم وضعه تحت المجهر، وقيام عمل علمي نقدي دقيق، يعتصر الكتاب، ويلخص مقولاته، ونظرياته الأساسية، وعباراته المفتاحية، ويستخلص من بين أجزائه وصفحاته المطولة، وإسهابه البياني المستطرد: تلك المقولات الرئيسية.
ويؤكد ذلك أن صالح سرية وكتابه: (رسالة الإيمان)، التي تنادي بتكفير الحكام وجاهلية المجتمع واعتباره دار حرب قد نبعت من سيد قطب وكتابه (ظلال القرآن)، وأن شكري مصطفى وتنظيم التكفير والهجرة قد انبثق من (ظلال القرآن)، وأن محمد عبد السلام فرج وتنظيم الجهاد وكتاب: (الفريضة الغائبة) كذلك، انتهاء بتنظيم (داعش).
وبيان ذلك أن تركي بن مبارك البنعلي، كتب كتابًا عن الرجل الثاني في (داعش) أبي محمد العدناني طه صبحي فلاحة، واسم كتابه: (اللفظ الساني، في ترجمة العدناني)، فذكر أنه تأثر جدًا بتفسير (ظلال القرآن) لسيد قطب، وأنه كان من أحب الكتب إلى قلبه، حتى عكف عليه عشرين سنة، وهم بكتابته بخطه، وأنه في درس التلاوة مر على قول الله تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [سورة المائدة، الآية ٤٤]، فهزته هذه الآية من أعماقه، فقال لأحد أقرانه في الطلب: "ما هي مصادر دستور سوريا؟"، فأجابه، ثم قال: "ما هي السلطة التشريعية؟" فأجابه، ثم قال: "ما هي السلطة القضائية، والتنفيذية؟"، كل ذلك وصاحبه يجيبه بما تعلمه في المدرسة، فقال له: "يا فلان يعني حكومتنا كلها كافرة!"، فقال له صاحبه: "السلام عليكم"، وولى عنه هاربًا! فكان هذا بدايته في بحث مثل هذه المسائل.
وقال صالح سرية في: (رسالة الإيمان): "إن الحكم القائم اليوم في جميع بلاد الإسلام هو حكم كافر فلا شك في ذلك، والمجتمعات في هذه البلاد كلها مجتمعات جاهلية".
فتبين من ذلك أن تنظيم داعش في حقيقته، إنما هو في الحقيقة موجة جديدة من أمواج الفكر التكفيري المنبعث من (ظلال القرآن)، وأن كتاب: (الظلال) هو القاسم المشترك، والخيط الناظم، والروح السارية، لكل تلك التيارات التكفيرية.
كل ذلك يحتم علينا العكوف على إنجاز كتاب علمي نقدي دقيق، يفند الأطروحات التي جاء بها ذلك الكتاب، والتي ولدت تلك التيارات.
ونحن في غنى عن التنبيه والتذكير بأن شخص سيد قطب في ذاته لا يعنينا، فقد هو مضى إلى دار الحق، وهو بين يدي الحكم العدل، لكن بقيت فكرة حية إلى اليوم، والذي يعنينا هو أطروحته القرآنية في فهم القرآن، ومقدار ما في تلك الأطروحة من تهجم على حرمة الوحي الشريف، وإلصاق الأفهام المغلوطة به، على نحو افتقدت معه مقاصد الشريعة، واستباحت به تلك الفئات تكفير عموم المسلمين، ثم رتبوا على التكفير تعمد الإضرار بهم.
فمقصودنا هو وضع تلك الأطروحة الفكرية، تحت مجهر الفحص العلمي، بغرض إزالة ما تم إلحاقه بالشرع من فهم مغلوط، ولو أن تلك الأطروحة عليها اسم أي شخص لوجب أن نقوم معها بنفس الدور النقدي؛ إذ المقصود هو غربلة الأفكار، وصيانة فهم القرآن من أي تأويل منحرف، أو فهم مغلوط.
وإذا كان يجوز لنا أن نستنبط من النص معنى يخصصه أو يعممه أو يقيده، فإنه لا يجوز لأحد أبدا أن يستنبط من النص معنى يفسده، ويكفر حملته، ويكر على الوحي الشريف ومقاصده بالبطلان.
ولقد كان على رأس أطروحاته فكرة الحاكمية، والتي أخذها في الحقيقة من فكر أبي الأعلى المودودي، إلا أن سيد قطب قد طور تلك النظرية، وسخر لها قلمه وبيانه، فصنع منها نظرية متكاملة الأركان، تنضح بالتكفير، قال القرضاوي في مذكراته: "هذه مرحلة جديدة تطور إليها فكر سيد قطب ونسميها مرحلة الثورة الإسلامية، الثورة على الحكومات الإسلامية، أو التي تدعي أنها إسلامية، والثورة على كل المجتمعات الإسلامية، أو التي تدعي أنها إسلامية، فالحقيقة في نظر سيد قطب أن كل المجتمعات القائمة في الأرض أصبحت مجتمعات جاهلية، تكون هذا الفكر الثوري الرافض لكل من حوله وما حوله، والذى ينضح بتكفير المجتمع، وتكفير الناس عامة" [ابن القرية والكتاب٣/٥٦، ط: دار الشروق، القاهرة، سنة ٢٠٠٨م].
ويقول بعد ذلك: "وأخطر ما تحتويه التوجهات الجديدة في هذه المرحلة لسيد قطب هو ركونه إلى فكرة التكفير والتوسع فيه" [ابن القرية والكتاب٣/٥٨].
فنحن أمام سياق فكري مختل، بل هو متحير بشدة في تشخيص الواقع وتوصيفه، وفي اقتراح حلوله، وفي كيفية تخريج جزئياته على أصول الشرع الشريف، حتى انتهى الأمر بهم إلى حتمية الصدام مع أهل الأرض كلهم، تلك الفكرة التي كانت بذرتها عند حسن البنا في (رسالة المؤتمر الخامس)، ثم اتسع الكلام فيها عند سيد قطب في: (ظلال القرآن)، ثم تحولت إلى دمار تام وشقاء تام على يد داعش في إدارة التوحش.
وأسجل هنا أن رسائل المؤتمر الخامس لحسن البنا تمثل فكرًا صارخًا في غاية الغرابة، مشحون بجو نفسي متشنج، مفعم بالصراع والصدام، كأنك ترى فيه الصورة الأولية لداعش، ولابد من دراسة نقدية واسعة لفكر حسن البنا، تبين ما فيه من حماس واندفاع، أنتج بعد ذلك عقلية التيار الإخواني بأكمله ومهد لوجود فكرة العنف الكامنة في أعماقه.
وقد امتزج هذا الفكر الحركي بفكر التطرف والانغلاق والتشنج عند تيارات وأطياف كثيرة، فإذا بهذا الفكر الحركي ينفخ النيران في جذوة الفكر المتشنج، فتنشب الحرائق، والذي يرصد فصيلًا كأبي محمد المقدسي، وأبي مصعب الزرقاوي، مع سياق لهم يسبقهم ويمهد لهم، من فكر التشدد والتطرف وكتبه، ومع توابع لهم تأتي بعدهم، من أطياف التكفير وحمل السلاح، يرى ما أحدثه الفكر الحركي من أثر مدمر في ازدياد فكر التكفير نشاطًا وانبعاثًا.
وتخصيص الكلام هنا عن سيد قطب في عدد من المواضع ليس معناه انحصار الأزمة فيه، بل إن بذرة أفكاره سارية في كتابات حسن البنا، وهو أخذها من تيار سابق حمل السلاح وتبنى التكفير، لكن الأستاذ سيد قطب سخر قلمه واستنفر بيانه ونفخ الروح في تلك الجذوة، فصار كمن سقى البذرة حتى نمت.
ترتسم أمامنا خريطة انبعاث فكر الخوارج، على اختلاف مظاهرها وأسمائها وهيئاتها وأشكالها، لتتنوع إلى نحو ٤٠ تيارًا يجري في هذا الاتجاه، ولها جذور بعيدة بعيدة تطل برأسها كل حين ثم تزول عقودًا أو قرونًا، لتطل من جديد، بقدر تراجع مدارس العلم الكبرى، بحيث كلما نشطت تللك المدارس الكبرى ونشرت العلوم خبا هذا الفكر، وكلما تراجعت ولد من جديد.